خالد بن الوليد

رضي الله عنه

رافع الطائي شجرة الأراك وشرب الجمال

خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ مَخْزُومٍ وَيُكْنَى أَبَا سُلَيْمَانَ، وَأُمُّهُ عَصْمَاءُ: وَهِيَ لُبَابَةُ الصُّغْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الْهُزَمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ الْفَضْلِ بْنِ الْحَارِثِ أُمِّ بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ خَالِدٌ مِنْ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ وَأَشِدَّائِهِمْ، وَشَهِدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، إلى أن قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ حُبَّ الْإِسْلَامِ؛ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ.
صلة النسب بين النبي وبين خالد:
مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم، وَأُخْتُ أم الفضل لُبَابَةَ الكبرى بِنْتِ الْحَارِثِ: أُمِّ بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُخْتُ لُبَابَةَ الصُّغْرَى، وَهِيَ عَصْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ: أُمُّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
أبوه الوليد بن المغيرة: مات أبوه مشركاً رغم ما بذله رسول الله معه لعله يسلم وهو سيد قومه فيسلم معه آخرون. وكان له من الولد سبعة وقيل عشرة واموالا طائلة وأراض وكان له حديقتان، حديقة بمكة وحديقة بالطائف، وكان لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا.
وكان يقال للوليد ريحانة قريش. وكان من اشرافها، لكنه لم يدع فرصة للصدّ عن الدين الجديد إلا اغتنمها.
نزلت بالوليد آيات كثيرة من القرآن، بعضها به وبمن معه وبعضها اختصته من دونهم:
– {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) } [الإسراء]. نزلت بالوليد ومن كان معه في دار الندوة.
– وقالت قريش لو كان هَذَا القرآن حقا «لنزل عَلَى الْوَلِيد بن المُغِيرَة أَوْ عَلَى أَبِي مَسْعُود الثَّقَفيّ، وذلك قولهم» : {وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)} [الزخرف].
وأشار الوليد في الموسم ان يقعد رجال من قريش على مداخل مكة يحذرون الحجاج من خطر النبي ويتهمونه بالسحر والكهانة والجنون واقام هو بوسط مكة يصد عن السبيل. قالوا هو شاعر ، وكذاب، ومجنون. ففعلوا ذلك وانصدع الناس عن قولهم فشق ذلك على النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان يرجو أن يلقاه الناس فيعرض عليهم أمره. فأنزل الله تعالى قوله:
{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) } [الطور: 29 – 31]
وانزل الله تعالى يواسي نبيه المصطفى: لَعَلَّكَ يا محمد باخِعٌ نَفْسَكَ وذلك حين كذب به كفار مكة منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وأمية بن خلف، فشق على النبي- صلى الله عليه وسلم- تكذيبهم إياه فأنزل الله- عز وجل «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ» يعني قاتلا نفسك حزنا أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
{وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)} [ص: 6]. أَنِ امْشُوا إلى أبي طالب وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى عبادة آلِهَتِكُمْ. وكانوا سبعة وعشرين رجلا، والملأ في كلام العرب الأشراف وكان منهم الوليد بن المغيرة،
وأما ما نزل فيه وحده:
-{ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34)} [النجم]. يَعْنِي: ” الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ أَعْطَى قَلِيلًا، ثُمَّ أَكْدَى يَقُولُ: قَطَعَ عَطَاءَهُ “.
{بسم الله الرحمن الرحيم: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4)} [الهمزة]. نزلت في الوليد بن المغيرة، كان رجلا «نماما» وكان يلقب الناس من التجبر والعظمة وكان يستهزئ بالناس.
كاد الوليد ان يسلم:
كما قرأ مرة والوليد يسمع: {بسم الله الرحمن الرحيم: حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) } [غافر].
فلما سمعها الوليد انطلق حتى أتى مجلس بني مخزوم فقال: والله، لقد سمعت من محمد كلاما آنفا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة فإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول بشر، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صبأ الوليد، والله، لئن صبأ لتصبون قريش كلها. فتكفل أبو جهل بردعه عن الإسلام فاتاه فأخبره ان قريشاً تفكر بأن تجمع له مالا يكفيه لأنه ذهب إلى محمد طمعا بالمال. فانتفض واخذته العزة بالإثم. فأنزل الله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)} [المدثر].
مطاردة خالد للمسلمين المهاجرين:
عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَا مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، فَدَعَا لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَبْلَ بَدْرٍ، وَدَعَا بَعْدَ بَدْرٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَعَهُمَا، فَدَعَا ثَلَاثَ سِنِينَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا، قَالَ: ثُمَّ أَفْلَتَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْوَثَاقِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: تَرَكْتُهُمَا فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ وَهُمَا فِي وَثَاقِ رَجُلٍ أَحَدُهُمَا مَعَ رِجْلِ صَاحِبِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «انْطَلِقْ حَتَّى تَنْزِلَ بِمَكَّةَ عَلَى الْقَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، فَتَغَيَّبْ عِنْدَهُ، وَاطْلُبِ الْوُصُولَ إِلَى عَيَّاشٍ، وَسَلَمَةَ، فَأَخْبِرْهُمَا أَنَّكَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ بِأَنْ تَأْمُرَهُمَا أَنْ يَنْطَلِقَا حَتَّى يَخْرُجَا» . قَالَ الْوَلِيدُ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَخَرَجَا وَخَرَجْتُ مَعَهُمَا، فَكُنْتُ أَسُوقُ بِهِمَا مَخَافَةً مِنَ الطَّلَبِ وَالْفِتْنَةِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى ظَهْرِ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ وَجَاءَ الْخَبَرُ قُرَيْشًا , فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى بَلَغُوا عُسْفَانَ , فَلَمْ يُصِيبُوا أَثَرًا وَلَا خَبَرًا عَنْهُمْ،…
دوره مع المشركين في غزوة أحد:
وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ صَفُّوا صُفُوفَهُمْ وَاسْتَعْمَلُوا عَلَى الْمَيْمَنَةِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَلَهُمْ مُجَنَّبَتَانِ مِائَتَا فَرَسٍ وَجَعَلُوا عَلَى الْخَيْلِ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَيُقَالُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَكَانُوا مِائَةَ رَامٍ، وَدَفَعُوا اللِّوَاءَ إِلَى طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. فَلَمَّا قُتِلَ أَصْحَابُ اللِّوَاءِ انْكَشَفَ الْمُشْرِكُونَ مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ وَنِسَاؤُهُمْ يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَضَعُونَ السِّلَاحَ فِيهِمْ حَيْثُ شَاءُوا حَتَّى أَجْهَضُوهُمْ عَنِ الْعَسْكَرِ، وَوَقَعُوا يَنْتَهِبُونَ الْعَسْكَرَ وَيَأْخُذُونَ مَا فِيهِ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَتَكَلَّمَ الرُّمَاةُ الَّذِينَ عَلَى عَيْنَيْنِ وَاخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ وَثَبَتَ أَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعَشَرَةِ مَكَانَهُمْ وَقَالَ: لَا أُجَاوِزُ أَمَرَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، وَوَعَظَ أَصْحَابَهُ وَذَكَّرَهُمْ أَمَرَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَقَالُوا: لَمْ يُرِدْ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم هَذَا، قَدِ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَمَا مُقَامُنَا هَاهُنَا فَانْطَلَقُوا يَتْبَعُونَ الْعَسْكَرَ يَنْتَهِبُونَ مَعَهُمْ وَخَلَّوُا الْجَبَلَ وَنَظَرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى خَلَاءِ الْجَبَلِ وَقِلَّةِ أَهْلِهِ فَكَرَّ بِالْخَيْلِ وَتَبِعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَحَمَلُوا عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الرُّمَاةِ فَقَتَلُوهُمْ، وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَانْتَقَضَتْ صُفُوفُ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ…
دوره مع المشركين في غزوة الأحزاب (الخندق):
كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَنَاوَبُون بَيْنَهُمْ فَيَغْدُو أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي أَصْحَابِهِ يَوْمًا وَيَغْدوُ، َخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمًا وَيَغْدو عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَوْمًا وَيَغْدُو هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ يَوْمًا وَيَغْدُو ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ يَوْمًا، فَلَا يَزَالُونَ يُجِيلُونَ خَيْلَهُمْ وَيَتَفَرَّقُونَ مَرَّةً وَيَجْتَمِعُونَ أُخْرَى وَيُنَاوِشُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَيُقَدِّمُونَ رُمَاتَهُمْ فَيَرْمُونَ،..
ثُمَّ اتَّعَدُوا أَنْ يَغْدُوا مِنَ الْغَدِ فَبَاتُوا يُعَبِّئُونَ أَصْحَابَهُمْ وَفَرَّقُوا كَتَائِبَهُمْ وَنَحَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم كَتِيبَةً غَلِيظَةً فِيهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ إِلَى هُوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ مَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَزُولُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ وَلَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، وَلَا أَصْحَابُهُ ظُهْرًا وَلَا عَصْرًا وَلَا مَغْرِبًا وَلَا عِشَاءً حَتَّى كَشَفَهُمُ اللَّهُ فَرَجَعُوا مُتَفَرِّقِينَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَعَسْكَرِهِمْ… وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ الْخَنْدَقِ أَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
في الحديبية:
وَبَلَغَ الْمُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى صَدِّهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَسْكَرُوا بَبَلْدَحَ وَقَدِّمُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَيُقَالُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَدَخَلَ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيُّ مَكَّةَ فَسَمِعَ كَلَامَهُمْ وَعَرَفَ رَأْيَهُمْ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَلَقِيَهُ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ وَرَاءَ عُسْفَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. وَدَنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَتَقَدَّمَ فِي خَيْلِهِ فَأَقَامَ بِإِزَائِهِ وَصَفَّ أَصْحَابَهُ وَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ.
إسلامه:
تأثر خالد بما شهده من المسلمين ومن النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة خلال صلح الحديبية، وشعر بانه من خلال معاركه السابقة إلى جانب المشركين قد شارك بظلم المسلمين.
وفي العام التالي دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إلى مَكَّةَ، لأداء عمرة القضاء بناء لما اتفق عليه في الحديبية، فَتَغَيَّبَ خَالِدٌ عن مكة، فَسَأَلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَخَاهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ خَالِدٌ» ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: يَأْتِي اللَّهُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «مَا مِثْلُ خَالِدٍ مَنْ جَهِلَ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجَدَّهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ» فَبَلَغَ ذَلِكَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَزَادَهُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَنَشَّطَهُ لِلْخُرُوجِ.
ولما نوى الْخُرُوجَ مهاجراً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، طلب الصحبة. قَالَ خَالِدٌ: فَطَلَبْتُ مَنْ أُصَاحِبُ، فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي أُرِيدُ، فَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ قَالَ: فَخَرَجْنَا جَمِيعًا، فَلَمَّا كُنَّا بِالْهَدَّةِ إِذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ قُلْنَا: وَبِكَ قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟ فَأَخْبَرَنَاهُ، وَأَخْبَرَنَا أَيْضًا أَنَّهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم، فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، فَلَمَّا طَلَعْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم سَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَأَسْلَمْتُ، وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا، رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ» وَبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، وَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي كُلَّ مَا أَوْضَعْتُ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيَّ ذَلِكَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيد كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكِ» قَالَ خَالِدٌ: وَتَقَدَّمَ خَالِدٌ، وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَسْلَمَا، وَبَايَعَا رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَوْمَ أَسْلَمْتُ يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا يُجْزِئُهُ.
كان إسلام خالد في شهر صفر بعد الحديبية وكانت الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية – فبراير سنة 628 م – وأَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مَوْضِعَ دَارِهِ. ليبني فيه بيته.
مباشرة خالد الجهاد:
أسلم خالد قبل غزوة مؤتة بشهرين وولاه رسول الله أعنّة الخيل فكان في مقدمتها.
مع المسلمين في مؤتة:
مضى المسلمون إلى مؤتة لمواجهة الروم وَوَافَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَجَاءَ مِنْهُمْ مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلَ الْأُمَرَاءُ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَرْجُلِهِمْ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ وَقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ عَلَى صُفُوفَهُمْ حَتَّى قُتِلَ طَعَنًا بِالرِّمَاحِ، رَحِمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَنَزَلَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَرْقَبَهَا فَكَانَتْ أَوَّلَ فَرَسٍ عُرْقِبَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ فَقَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ، فَوُجِدَ فِي أَحَدِ نِصْفَيْهِ بِضْعَةً وَثَلَاثُونَ جُرْحًا وَوُجِدَ فِيمَا قِيلَ مِنْ بَدَنِ جَعْفَرٍ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ وَطَعْنَةً بِرُمْحٍ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثم أَخَذَ اللِّوَاءَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ الأنصاري, وَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا آلَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ , فَنَظَرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ: خُذِ اللِّوَاءَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، قَالَ: لَا آخُذُهُ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ , لَكَ سِنٌّ , وَقَدْ شَهِدْتَ بَدْرًا، قَالَ ثَابِتٌ: خُذْهُ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا لَكَ، وَقَالَ ثَابِتٌ لِلنَّاسِ: آصْطَلَحْتُمْ عَلَى خَالِدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَأَخَذَ خَالِدٌ اللِّوَاءَ , فَحَمَلَهُ سَاعَةً , وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ , فَثَبَتَ حَتَّى تَكَرْكَرَ الْمُشْرِكُونَ , وَحَمَلَ بِأَصْحَابِهِ , فَفَضَّ جَمْعًا مِنْ جَمْعِهِمْ , ثُمَّ دُهِمَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ فَانْحَاشَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَانْكَشَفُوا رَاجِعِينَ. قال خالد (حين كان في الحيرة): «لَقَدِ انْقَطَعَ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَّةٌ».
تسميته بسيف الله:
عن أبي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم لَمَّا ذَكَرَ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ، وَنَعَاهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فَقَالَ: «ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفُ اللَّهِ» قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَرَاءِ، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِصْبَعَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ، فَانْتَصِرْ بِهِ» قَالَ: «فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ خَالِدٌ سَيْفَ اللَّهِ».
فتح مكة:
وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَنْ يَدْخُلَ مِنَ اللِّيطِ، فَدَخَلَ، فَوَجَدَ جَمْعًا مِنْ قُرَيْشٍ وَأَحَابِيشِهَا، فِيهِمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَمَنَعُوهُ الدُّخُولَ، وَشَهَرُوا السِّلَاحَ، وَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَصَاحَ خَالِدٌ فِي أَصْحَابِهِ وَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا.
بعد فتح مكة
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَدْ قَدَّمَ سُلَيْمًا مِنْ يَوْمِ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ حَتَّى وَرَدَ الْجِعْرَانَةَ.(عائداً من غزوة حنين).
إلى الطائف:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم مِنْ حُنَيْنٍ يُرِيدُ الطَّائِفَ، وَقَدَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، وَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ رَمَّوْا حِصْنَهُمْ وَأَدْخَلُوا فِيهِ مَا يُصْلِحُهُمْ لِسَنَةٍ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا مِنْ أَوْطَاسٍ دَخَلُوا حِصْنَهُمْ وَأَغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ وَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ…
هدم صنم العزّى وملاحقة المشركين:
لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى لِيَهْدِمَهَا , فَخَرَجَ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهَا فَهَدَمَهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا» ، قَالَ: لَا قَالَ: «فَإِنَّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَاهْدِمْهَا» فَرَجَعَ خَالِدٌ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ فَجَرَّدَ سَيْفَهُ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ نَاشِرَةُ الرَّأْسِ فَجَعَلَ السَّادِنَ يَصِيحُ بِهَا، فَضَرَبَهَا خَالِدٌ فَجَزَلَهَا بِاثْنَتَيْنِ , وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «نَعَمْ تِلْكَ الْعُزَّى وَقَدْ يَئِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلَادِكُمْ أَبَدًا وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ. ثم قال خالد: أي رسول الله الحمد لله الذي أكرمنا بك وأنقذنا من التهلكة، ولقد كنت أرى أبي يأتي إلى العزى ومعه مائة من الإبل والغنم فيذبحها للقرى ويقيم عندها ثم ينصرف إلينا مسرورا فنظرت إلى ما مات عليه أبي وذلك الرأي الذي كان يعاش في فضله كيف خدع حتى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع فقال رسول الله: “إن هذا الأمر إلى الله فمن ييسره للهدى ييسر ومن ييسره للضلالة كان فيها”.
في غزوة تبوك:
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم كُلَّ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ أَنْ يَتَّخِذُوا لِوَاءً أَوْ رَايَةً وَمَضَى لِوَجْهِهِ يَسِيرُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى قَدِمَ تَبُوكَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ النَّاسِ , وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ فَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَحِقَهُ بِهَا أَبُو خَيْثَمَةَ السَّالِمِيُّ وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ , سَرِيَّةً إِلَى أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَكَانَ أُكَيْدِرُ مِنْ كِنْدَةَ قَدْ مَلَكَهُمْ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَانْتَهَى إِلَيْهِ خَالِدٌ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ حِصْنِهِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ إِلَى بَقَرٍ يُطَارِدُهَا هُوَ وَأَخُوهُ حَسَّانُ فَشَدَّتْ عَلَيْهِ خَيْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَاسْتَأْسَرَ أُكَيْدِرَ وَامْتَنَعَ أَخُوهُ حَسَّانُ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَهَرَبَ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا فَدَخَلَ الْحِصْنَ وَأَجَارَ خَالِدٌ أُكَيْدِرَ مِنَ الْقَتْلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ دُومَةَ الْجَنْدَلِ فَفَعَلَ وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ دِرْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رُمْحٍ فَعَزَلَ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم صَفِيًّا خَالِصًا ثُمَّ قَسَمَ الْغَنِيمَةَ فَأَخْرَجَ الْخُمُسَ , وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم , ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَصَارَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسُ فَرَائِضَ ثُمَّ خَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأُكَيْدِرَ وَبِأَخِيهِ مَصَادٍ وَكَانَ فِي الْحِصْنِ وَبِمَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَ بِأُكَيْدِرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَحَقَنَ دَمَهُ وَدَمَ أَخِيهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُمَا وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى. اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا فِيهِ أَمَانُهُمْ وَمَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ وَخَتَمَهُ يَوْمَئِذٍ بِظُفْرِهِ.
وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بِنَجْرَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثًا فَفَعَلَ فَاسْتَجَابوا له ودخلوا في دين الله وقدموا مع خالد إلى المدينة فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام.
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرب الردة:
وَلَمَّا ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَسْتَعْرِضُهُمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ، فَأَوْقَعَ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ
” خَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى النَّاسِ يَعْتَرِضُهُمْ فِي الرِّدَّةِ فَكُلَّمَا سَمِعَ أَذَانًا لِلْوَقْتِ كَفَّ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ، فَلَمَّا دَنَا خَالِدٌ مِنْ طُلَيْحَةَ وَأَصْحَابِهِ، بَعَثَ عُكَّاشَةَ بْنَ مُحْصَنٍ، وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ طَلِيعَةً أَمَامَهُ يَأْتِيَانِهِ بِالْخَبَرِ وَكَانَا فَارِسَيْنِ، عُكَّاشَةُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الرَّزَامُ، وَثَابِتٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الْمُحَبَّرُ، فَلَقِيَا طُلَيْحَةُ وَأَخَاهُ سَلَمَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ طَلِيعَةً لِمَنْ وَرَاءَهُمَا مِنَ النَّاسِ، فَانْفَرَدَ طُلَيْحَةُ بِعُكَّاشَةَ، وَسَلَمَةُ بِثَابِتٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ سَلَمَةُ أَنْ قَتَلَ ثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ، فَصَرَخَ طُلَيْحَةُ لِسَلَمَةَ: أَعِنِّي عَلَى الرَّجُلِ فَإِنَّهُ قَاتِلِي، فَكَرَّ سَلَمَةُ عَلَى عُكَّاشَةَ فَقَتَلَاهُ جَمِيعًا ثُمَّ كَرَّا رَاجِعِينَ إِلَى مَنْ وَرَاءَهُمَا مِنَ النَّاسِ فَأَخْبَرَاهُمْ فَسُرَّ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَكَانَ مَعَ طُلَيْحَةَ وَكَانَ قَدْ خَلَفَهُ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَقَالَ: هَذَا الظَّفَرُ، وَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ قَتِيلًا تَطَؤُهُ الْمَطِيُّ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَسِيرُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى وَطِئُوا عُكَّاشَةَ قَتِيلًا. ثم قضى المسلمون على طليحة الأسدي ومن معه.
لَمَّا نَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعِرْضَ وَهُوَ يُرِيدُ الْيَمَامَةَ قَدَّمَ خَيْلًا مِائَتَيْ فَارِسٍ وَقَالَ: مَنْ أَصَبْتُمْ مِنَ النَّاسِ فَخُذُوهُ، فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوا مُجَّاعَةَ بْنَ مُرَارَةَ الْحَنَفِيَّ فِي ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ خَرَجُوا فِي طَلَبِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ , فَسَأَلَ مُجَّاعَةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَقْرَبُ مُسَيْلِمَة وَلَقَدْ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَسْلَمْتُ وَمَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، فَقَدَّمَ خَالِدٌ الْقَوْمَ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ وَاسْتَبْقَى مُجَّاعَةَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَكَانَ شَرِيفًا كَانَ يُقَالُ لَهُ مُجَّاعُ الْيَمَامَةِ وَقَالَ سَارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِنْ كَانَ لَكَ بِأَهْلِ الْيَمَامَةِ حَاجَةٌ فَاسْتَبْقِ هَذَا يَعْنِي مُجَّاعَةَ بْنَ مُرَارَةَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَأَوْثَقَهُ فِي جَامِعَةٍ مِنْ حَدِيدٍ وَدَفَعَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ تَمِيمٍ فَأَجَارَتْهُ مِنَ الْقَتْلِ وَأَجَارَهَا مُجَّاعَةُ مِنْهُ إِنْ ظَفِرَتْ حَنِيفَةُ فَتَحَالَفَا عَلَى ذَلِكَ
وَكَانَ خَالِدٌ يَدْعُو بِهِ وَيَتَحَدَّثُ مَعَهُ وَيُسَائِلُهُ عَنْ أَمْرِ الْيَمَامَةِ وَأَمْرِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمُسَيْلِمَة فَيَقُولُ مُجَّاعَةُ: وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا اتَّبَعْتُهُ وَإِنِّي لِمُسْلِمٌ قَالَ: فَهَلَّا خَرَجْتَ إِلَيَّ أَوْ تَكَلَّمْتَ بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ؟ قَالَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ فَافْعَلْ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ وَهُوَ الَّذِي صَالَحَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَنِ الْيَمَامَةِ وَمَا فِيهَا بَعْدَ قَتْلِ مُسَيْلِمَة وَقَدِمَ بِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الْوَفْدِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَذَكَرَ إِسْلَامَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ فَعَفَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ , وَأَمَّنَهُ وَكَتَبَ لَهُ وَلِلْوَفْدِ أَمَانًا وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمُ الْيَمَامَةِ
وكَانَتْ فِي بَنِي سُلَيْمٍ رِدَّةٌ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَجَمَعَ مِنْهُمْ رِجَالًا فِي حَضَائِرَ، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: انْزِعْ رَجُلًا عَذَّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «لَا وَاللَّهِ، لَا أَشِيمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَشِيمُهُ» ثُمَّ أَمَرَهُ، فَمَضَى لِوَجْهِهِ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الكذاب في اليمامة. وقضى المسلمون على الردة.
فتح العراق: الحيرة وعين التمر
أرسل إلى الفرس بالمدائن: «من خالد بن الوليد إِلى مرازبة أهل فارس. سلام على من اتَّبع الهدى. أما بعد: فالحمد لله الذي فَضَّ خَدَمتكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا. أما بعد: فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إِليّ بالرُّهُن، واعتقدوا مني الذمَّة، وإلا فوالذي لا إِله غيره لأبعثن إِليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة.
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَا: كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ فَرَغَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ يَسِيرُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَخَرَج خَالِدٌ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْحِيرَةَ، فَنَزَلَ بِخِفَّانَ وَالْمَرْزُبَانُ بِالْحِيرَةِ – مَلِكٌ كَانَ لِكِسَرْى مَلَّكَهُ حِينَ مَاتَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ – فَتَلَقَّاهُ بَنُو قَبِيصَةَ، وَبَنُو ثَعْلَبَةَ، وَعَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ حَيَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ، فَصَالَحُوهُ عَنِ الْحِيرَةِ، وَأَعْطَوُا الْجِزْيَةَ مِائَةَ أَلْفٍ عَلَى أَنْ يَتَنَحَّى إِلَى السَّوَادِ، فَفَعَل، وَصَالَحَهُمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، فَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبَوْا، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفَّرَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَقَتَلَ وَسَبَى، وَبَعَثَ بِالسَّبْيِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ نَزَلَ بِأَهْلِ أُلَّيْسَ – قَرْيَةٌ أَسْفَلَ الْفُرَاتِ – فَصَالَحَهُمْ، وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ صُلْحَهُ هَانِئُ بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ عَلَى مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ سَارَ، فَنَزَلَ بِبَانِقْيَا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَقَاتَلُوهُ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَّاحِ، ثُمَّ طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَصَالَحَ صَلُوبَا بْنَ بَصِيهَرَا، وَمَنْزِلُهُ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ عَلَى جِزْيَةٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ،
تجرع السم:
” لَمَّا أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُرِيدُ الْحِيرَةَ بَعَثُوا إِلَيْهِ عَبْدَ الْمَسِيحِ وَمَعَهُ سَمُّ سَاعَةٍ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ سَمُّ سَاعَةٍ قَالَ خَالِدٌ: هَاتِهِ فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي رَاحَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْسَّمَاءِ، بِاسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ , ثُمَّ أَكَلَهُ، فَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ صَالِحُوهُمْ، فَهَذَا أَمْرٌ مَصْنُوعٌ لَهُمْ “
إلى الشام:
كان خالد بن الوليد موضع إعجاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وحسن تقديره فكان إذا هزم الفرس استدعاه لقتال الروم فيسير إلى الشام هو وجيشه الذي كان أطوع له من بنانه من غير أن يذوق للراحة طعما فلا يكاد يقود الجيش في الميدان الآخر حتى يفتح البلاد والحصون المنيعة ويوقع الرعب في قلوب الأعداء فيستولي المسلمون على بلادهم.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: «إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى جُنْدِكَ، وَعَهِدْتُ إِلَيْكَ عَهْدًا تَقْرَأُهُ، وَتَعْمَلُ بِمَا فِيهِ، فَسِرْ إِلَى الشَّامِ حَتَّى يُوَافِيَكَ كِتَابِي» فَقَالَ خَالِدٌ: «هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَسَدَنِي أَنْ يَكُونَ فَتْحُ الْعِرَاقِ عَلَى يَدَيَّ» فَاسْتَخْلَفَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ مَكَانَهُ، وَسَارَ بِالْأَدِلَّاءِ حَتَّى نَزَل دُومَةَ الْجَنْدَلِ، فَوَافَاهُ بِهَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ وَعَهْدِهِ مَعَ شَرِيكِ بْنِ عَبْدَةَ الْعَجْلَانِيِّ، فَكَانَ خَالِدٌ أَحَدَ الْأُمَرَاءِ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَفَتَحَ بِهَا فُتُوحًا كَثِيرَةً، وَهُوَ وَلِيَ صُلْحَ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، فَأَنْفَذُوا ذَلِكَ لَهُ،
عمرو بن الطفيل الدوسي رضي الله عنه، أرسله خالد بن الوليد عند توجهه من العراق إلى الشام بشيرا لأبي عبيدة ومن بالشام من المسلمين بتوجهه إليهم فأتى أبا عبيدة بالجابية فأخبره بذلك.
دعوة خالد للأمير الرومي جَرجَة يوم اليرموك وقصة إسلامه: (حياة الصحابة (1/ 253).
وذكر في البداية عن الواقدي وغيره قالوا: خرج جَرَجَة – أحد الأمراء الكبار – من الصفِّ – أي يوم اليرموك – واستدعَى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جَرَجَة: يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تَكذبني، فإن الحرّ لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله: هل أنزل الله على نبيِّكم سيفاً من السماء فأعطاكَه فلا تسلَّه على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا، قال فبِمَ سُمِّيت سيف الله؟ قال: إنَّ الله بعث فينا نبيَّه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إنَّ بعضنا صدَّقه وتابعه وبعضنا كذَّبه وباعده، فكنت فيمن كذَّبه وباعده. ثم إنَّ الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه. فقال لي: «أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين» ودعا لي بالنَّصر، فسُمِّيتُ سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. فقال جَرَجَة: يا خالد إِلامَ تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإِقرار بما جاء به من عند الله عزّ وجلّ. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطِها قال: نُؤذِنُه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا قال جَرَجَة: فلِمَنْ دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذُّخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إِنَّا قبلنا هذا الأمر عَنْوة وبايعنا نبينا وهو حيٌّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء يخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات؛ وحقٌّ لمن رأى ما رينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع؛ وإنَّكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج؛ فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونيّة كان أفضل منّا. فقال جَرَجَة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك، وإنَّ الله وليّ ما سألت عنه.
فعند ذلك قَلَبَ جَرَجَة الترس ومال مع خالد وقال: علّمني الإِسلام. فمال به خالد إلى فسطاطه فشنّ عليه قِربةً من ماء ثم صلَّى به ركعتين. وحملت الروم مع إنقلابه إلى خالد وهم يَرَون أنَّها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إِلا المُحامية عليهم عِكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام.
فركب خالد وجَرَجَة معه والروم خلال المسلمين، فتنادَى الناس وثابوا، وتراجعت الروم إلى مواقفهم، وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، وصلَّى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماءً، وأصيب جَرَجَة – رحمه الله – ولم يصلِّ لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما.
أخطاء مكلفة:
سَرِيَّةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ مِنْ كِنَانَةَ وَكَانُوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ عَلَى لَيْلَةٍ نَاحِيَةَ يَلَمْلَمَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم , وَهُوَ يَوْمُ الْغُمَيْصَاءِ، قَالُوا: لَمَّا رَجَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ هَدْمِ الْعُزَّى وَرَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم مُقِيمٌ بِمَكَّةَ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ دَاعِيًا إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا فَخَرَجَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينِ وَالْأَنْصَارِ وَبَنِي سُلَيْمٍ فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ خَالِدٌ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ قَالُوا: مُسْلِمُونَ قَدْ صَلَّيْنَا وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ وَبَنَيْنَا الْمَسَاجِدَ فِي سَاحَاتِنَا وَأَذَّنَّا فِيهَا , قَالَ: فَمَا بَالُ السِّلَاحِ عَلَيْكُمْ؟ فَقَالُوا إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ عَدَاوَةٌ فَخِفْنَا أَنْ تَكُونُوا هُمْ فَأَخَذْنَا السِّلَاحَ قَالَ: فَضَعُوا السِّلَاحَ قَالَ: فَوَضَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: اسْتَأْسِرُوا فَاسْتَأْسَرَ الْقَوْمُ فَأَمَرَ بَعْضَهُمْ فَكَتَّفَ بَعْضًا وَفَرَّقَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ , فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ نَادَى خَالِدٌ: مَنْ كَانَ مَعَهُ أَسِيرٌ فَلْيُدَافِّهِ وَالْمُدَافَةُ الْإِجْهَازُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ , وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَأَرْسَلُوا أَسَارَاهُمْ , فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم مَا صَنَعَ خَالِدٌ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَدَّى لَهُمْ قَتْلَاهُمْ وَمَا ذَهَبَ مِنْهُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ
بعد قضاء خالد بن الوليد على ردة بني أسد اتجه إلى ديار تميم، ولما علم مالك بن نويرة بقدوم المسلمين طلب من قومه التفرق إلى دورهم إذ لا قبل لهم- وكانوا في تنازع وانقسام- بالمسلمين فدخل المسلمون ديار تميم وأسروا مالك بن نويرة فجادله خالد بن الوليد، ولما تبين له أنه مرتد عن دفع الزكاة أمر بقتله فقتل، وقد تزوج خالد من ليلى زوجة مالك بعد انقضاء عدتها.
وتشير بعض كتب التاريخ والأدب تشير إلى إن خالدا قتل مالكاً وهو على الإسلام أو أن قتل مالك كان عن سوء فهم لقول خالد: ” أدفئوا أسراكم ” وهي في لغة القوم تعني القتل فقتلوا ولم يقصد خالد ذلك. وقد كره أبو بكر رضي الله عنه زواج خالد من ليلى وكانت العرب تكره الزواج في الحروب.
ثم دخل عمر على أبي بكر فكلمه في أمره، فقال: “هب أن خالداً اجتهد فأخطأ، قد اجتهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأخطأ فوداهم النبي صلى الله عليه وسلم من عنده فوداه أبو بكر.
عزل عمر لخالد ووفاته:
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «لَأَعْزِلَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَالْمُثَنَّى مُثَنَّى بَنِي شَيْبَانَ؛ حَتَّى يَعْلَمَا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا كَانَ يَنْصُرُ عِبَادَهُ، وَلَيْسَ إِيَّاهُمَا كَانَ يَنْصُرُ».
فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، وَوَلِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَزَلَ خَالِدًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جُنْدِهِ يَغْزُو، وَكَانَ لَهُ بَلَاءٌ وَغَنَاءٌ وَإِقْدَامٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِحِمْصَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَدُفِنَ فِي ضاحية حِمْصَ صارت تدعى الخالدية.
لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمْ يَدَعْ إِلَّا فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ وَغُلَامَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنَّا بِهِ لَقَدْ كُنَّا نَظُنُّ بِهِ أُمُورًا مَا كَانَتْ»
ولما عزله عمر من إمرة الشام وأمّر أبا عبيدة كتب عمر إلى أبي عبيدة: إن أكذب خالد نفسه (خالفها ولم يأخذه العجب) فاتركه فيها، فقام فدخل على أخته واستشارها فقالت: “تعلم أن عمر لا يحبك، ولا يتركك فيها وإن أكذبت نفسك”.
من فضائله وأخباره رضي الله عنه:
تعلم أن لكبار الصحابة فضيلة لا تنزع: ثَبت أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف شكا إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام دعو إِلَى أَصْحَابِي فوالذى نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مدا أحدهم وَلَا نصيفه.
قال خالد بن الوليد ما ليلة يهدى إلي فيها وقال ابن المقرئ يهدي إلى بيتي فيها عروس أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام فأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح فيها العدو.
أن خالد بن الوليد أم الناس بالحيرة فقرأ من سور شتى ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال شغلني عن تعليم القرآن الجهاد في سبيل الله.
طلق خالد بن الوليد امرأته فقال: أما إني لم أطلقها لشيء رابني منها، ولكن لم يصبها بلاء مذ كانت عندي.
أَنَّ خَالِدَ بنَ الوَلِيْدِ فَقَدَ قُلُنْسُوَةً لَهُ يَوْمَ اليَرْمُوْكِ, فَقَالَ: اطْلُبُوْهَا, فَلَمْ يَجِدُوْهَا, فقال: اطلبوها, فوجدها, فَإِذَا هِيَ قُلُنْسُوَةٌ خَلِقَة, فَقَالَ خَالِدٌ: “اعْتَمَرَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَحَلَقَ رَأْسَهُ, فَابْتدرَ النَّاسُ جَوَانبَ شعْرِهِ, فَسَبَقْتُهُم إِلَى ناصيته, فجعلها فِي هَذِهِ القُلُنْسُوَةِ, فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالاً وَهِيَ مَعِي إلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ”.
ولما حضرت خالد الوفاة قال:
لقد شهدت مائة زحف أو نحوها وما في بدني موضع شبر إلا وبه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء وما لي من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا متترس بها.
وهو أول من أخذ الجزية من الفرس في صلح الحيرة وافتتح دمشق وكان في قلنسوته شعر من شعر رسول الله يستنصر به ويتبرك فلا يزال منصورا.
وكان يشبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلقه وصفته.
إحتفاظه بالسلاح وإرسال بقية الغنائم إلى الخليفة في المدينة
إجتيازه الصحراء الخطرة بين العراق والشام
جمع الجيوش باليرموك
إخفاؤه رسالة عمر لحين انجلاء المعركة في اليرموك.
وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب سنة 21هـ “641 – 642 م “: – وعمره بضع وأربعون سنة وكانت وفاته بحمص وقبره مشهور يزار إلى الآن في ضمن مسجد واقع خارج السور إلى الجهة الشمالية من حمص وقد اتصل به العمران.