أبطال الخيم

أ. زينب ضاهر*

العدد الثالث والخمسون ربيع وصيف 2020

تحت الشمس الحارقة، ومن ظلمة الليل القارس، يخرج أطفال من خيمهم المبلولة بالشتاء، ويطؤون تراب الأرض بنعال ممزقة، يمسكون بقرآنهم الكريم، ويسارعون إلى حفظ آياته، وتعلّم ما أنزل الله سبحانه وتعالى، وبهذه الصلة مع خالقهم، يتحدّون الفقر والحاجة، ويتخلّقون بأكمل الأخلاق فيصبحوا أغنياء بالله، وبهم سينصر الله كلمته ودينه، بجعلهم رجالاً ونساءً صالحين ومصلحين.
فمن يتقي الله تعالى ويصبر على صعوبات الدنيا، لن يضيّع الله تعبه ولا صبره، وسيرزقه علماً وحكمةً وفلاحاً.

أن تكون طفلاً، سورياً نزح أهله من بلاد أنهكتها الحرب، تعيش في خيمة، تستيقظ ولا تجد أدنى مقوّمات الحياة، تنشأ مُشرّداً في منطقة جرداء، تموت من بردها في الشتاء وتحترق من شمسها في الصيف وأن تلعب بالحجارة، لهو واقع صعب ومرير.
ولكن أن تتحوّل هذه الأرض وهذه الخيمة إلى جنّة، لهو أمر ممكن.
حسين عمّار نازح سوري يعيش في عرسال، قضى إخوته في الحرب الدائرة في سوريا ونزح هو ووالدته وزوجته، وزوجات إخوته ليجد نفسه مسؤولاً عن أرامل وأيتام.
عائلة حسين ليست الوحيدة، أحاط به في منطقة عرسال عدد كبير من العائلات والأرامل والأيتام، اللواتي جمعهنّ في مخيّم واحد، يضمّ 9 عائلات، 18 أرملة، وخمسة أطفال أيتام الأب والأم.

مخيّم ليس كالمخيّم
كان لا بُد من حماية الأطفال والأرامل، حمايتهم ليس فقط من الفقر، ولكن من الجهل والبطالة والكسل، وأهمّ من ذلك حمايتهم من اليأس.
ليس هناك أصعب من طفل لا طموح له، لا حبّ ولا أمل بمستقبل سعيد، وليس هناك أسهل من تحويل هذا الواقع بالوعي والعلم، ولا يتمّ ذلك إلا عبر الصلة بالله تعالى.
فمن كان متصلاً بالله عز وجل، حباً وذكراً وتلاوةً للقرآن الكريم، لن ينقطع أبداً عن عمل الخير، ولا بُدّ أن يستخدمه الله تعالى لنصرته ولإعادة بناء ما تهدّم وليس فقط في وطنه، ولكن في كل بقاع الأرض.
يعي حسين عمّار هذه الحقيقة جيّداً، لذلك سعى إلى إنشاء خيمة تعليمية خاصة لتحفيظ الأيتام القرآن الكريم، ومساعدتهم في دروسهم المدرسية.

برنامج ثابت
يلتزم الأطفال ببرنامج ثابت للحفظ وهو ثلاثة أيام في الأسبوع، وينقسمون إلى حلقتين، حلقة الإناث تحت عنوان “رتّل وارتق” للمدرّسة نايف صدّيق، وحلقة الذكور تحت عنوان “عبق القرآن” للمدرّس علاء محب الدين.
تتضمن حلقة الذكور 17 فتىً تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثالثة عشر، ويتراوح عدد الأجزاء التي يحفظونها بين جزئين و12 جزءاً.
يداومون ثلاثة أيام في الأسبوع، مدة الدرس ساعتين ونصف.
من نشاطات هذه الحلقة الذهاب إلى الملعب، إقامة إفطارات جماعية خاصة في شهر رمضان المبارك، والذهاب إلى المساجد لحضور محاضرات علمية.
أمّا المسابقات، فيتم إقامة العديد منها، آخرها مسابقة حفظ 50 حديثاً شريفاً، مسابقة المحافظة على صلاة الجماعة فجراً وعشاءً كل يوم في خيمة معيّنة، بالإضافة إلى مسابقة حفظ سورتي يوسف والسجدة.
أمّا عن حلقة الإناث، فتتضمن 22 فتاةً، يتراوح حفظهنّ بين الجزئين والستة أجزاء، تتخلّل حصة تحفيظ القرآن الكريم نشاطات ترفيهية ويُقام حفل تكريم عند الانتهاء من كل مسابقة.
وهناك عدة مسابقات وهي كالآتي:
1- مسابقة على عدد الصفحات، الحضور، اللباس والأخلاق.
2- مسابقة حفظ أربعة أجزاء في شهر واحد وهو المستوى الأول والأصعب.
3- مسابقة حفظ ثلاثة أجزاء في شهر واحد وهو المستوى الثاني.
4- مسابقة حفظ جزئين في شهر واحد وهو المستوى الثالث والأسهل.

تعليم وتوعية
للأرامل حصة، تتعلّمن القرآن الكريم ويحضرن الصفوف مع أطفالهن، ويتم إعطائهنّ دورات توعية وتعليمية وحتى نفسية، ليأخذن الخبرات اللازمة حول كيفية التعامل مع الضغوطات ونصائح تربوية ليقوموا بتربية جيل واعٍ وناجح، بالإضافة إلى تعلّم عدد من المهارات الحياتية تخوّلهنّ من العمل البسيط لإعالة أنفسهنّ حين تسنح الظروف بذلك.
إذ لا يتوفر لهنّ إمكانية العمل الدائم، وبالتالي يتم تمويل هذا المخيّم وأهله من قبل المؤسسات الإنسانية والاجتماعية، التي خفّ تمويلها كثيراً منذ سنتين، وباتت تعاني هذه العائلات من صعوبة في تأمين لقمة العيش.

برامج موسميّة
لكل إنسان الحقّ في الترفيه، لذلك هناك برنامج صيفي يتضمّن عدة أنشطة ورحلات ترفيهية لجميع أفراد المخيّم، الصغير والكبير والمسنّ أيضاً، بالإضافة إلى مسابقات تعليمية وترفيهية تشمل الجميع.
أما في شهر رمضان المبارك، فالأمر مختلف عن باقي الأشهر وهناك برنامج خاص يتضمّن مسابقات قرآنية، مسابقات حديث، الصلاة جماعة وإن كان ممكناً في المسجد، إفطارات جماعية وإحياء لليلة القدر، سحور جماعي وختمة للقرآن الكريم.
يُضاف إلى ذلك تعزيز روح العطاء لدى الجميع عبر إنشاء صندوق للتبرعات مخصص للمخيم والغاية منه تعليم الأطفال على التبرع وعلى الصدقة.
ختاماً، لا يمكن لأي كان إلا أن يرفع القبعة احتراماً لكل الجهود التي يبذلها أي إنسان لإنشاء حياة كريمة ناجحة ويساعد في تعويض هذه العائلات الحياة التي تركوها خلفهم جرّاء الحرب.
والإنسان الحقيقي، هو إنسان أينما ذهب، ونتاجه الخلّاق والمبدع في تحويل الصعوبات إلى تحديات ترتقي بالمجتمع ككل، سيزهر أينما حلّ وارتحل. وسينبت رجالاً ونساءً صالحين من تحت الفقر والحرمان، وسيبنون العالم من جديد، ويرحمون من حولهم بالعلم والفلاح، ومن خلال صلتهم بالله عز وجل، يصبرون وسيهزمون كل ما يقف بوجههم ويحول دون إكمال حياتهم الجميلة.


*من أعضاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة – لبنان