دراكولا الحقيقي: الرجل الذي وضع المسلمون له حداً

المهندسة ياسمينة أبو عدلا (*)

حين يسمع معظمنا اسم “دراكولا”، تتبادر إلى الأذهان فوراً صورة مألوفة: عباءة سوداء تمتد كجناحي خفاش، أنياب بيضاء لامعة، وعيون محمرة تتوهج في الظلام. شخصية خارقة للطبيعة لا تموت، تسكن القلاع الموحشة في شرق أوروبا، وتعيش على دماء البشر. هكذا رسمته هوليوود على مدى عقود متتالية، وهكذا ترسّخت هذه الصورة الأسطورية في الوجدان الشعبي الغربي حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من ثقافته البصرية والأدبية.

لكن ماذا لو قلنا لك إن وراء هذه الأسطورة المضخّمة رجلاً حقيقياً من لحم ودم عاش في القرن الخامس عشر الميلادي؟ رجلاً كان  متوحشاً إلى درجة لا يحتاج معها إلى أية إضافات خيالية. وأن نهايته، بكل دلالاتها التاريخية والرمزية، جاءت على يد المسلمين؟

هذا بالضبط ما كشفه كتاب “التاريخ الخفي: 30 قصة غير مروية عن الإسلام في الغرب”، للكاتب  الهولندي يورام فان كلافيرن — رحلة استثنائية في أعماق التاريخ  المنسي.

من هو يورام فان كلافيرن؟ قصة تستحق الرواية

لا يمكن قراءة هذا الكتاب دون فهم شخصية مؤلفه أولاً، إذ تُمثّل قصته في حد ذاتها واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إثارةً في عصرنا الحديث.

يورام فان كلافيرن لم يكن مجرد ناقد للإسلام — كان من أشد معادِيه علناً وأكثرهم تأثيراً في هولندا. فبصفته نائباً في البرلمان الهولندي عن حزب الحرية اليميني المتطرف، الذي أسسه السياسي المثير للجدل خيرت فيلدرز، تقدّم فان كلافيرن باقتراحات رسمية لإغلاق المساجد، وحظر القرآن الكريم، وإزالة كل مظهر إسلامي من المجتمع الهولندي. كان صوتاً لا يُستهان به في معسكر  الذين  يرون الإسلام تهديداً وجودياً للهوية الأوروبية.

ثم حدث ما لم يتوقعه أحد، حتى هو نفسه:

في منعطف حياتي عميق، بدأ فان كلافيرن رحلة بحث صادق عن الحقيقة. قرأ، وتمحّص، وتساءل، وتأمّل، وفي نهاية رحلة طويلة ومضنية، أعلن اعتناقه الإسلام. وثّق هذه الرحلة المذهلة في كتابه الأول المُعنوَن بـ”المرتد”، الذي يُعدّ من أكثر الشهادات الشخصية أهمية في الأدب الديني المعاصر، إذ يأخذنا معه خطوة بخطوة في مسيرة التحول من العداء الكامل إلى الإيمان العميق.

منذ ذلك الحين، تحوّل فان كلافيرن إلى صوت مختلف تماماً: باحث يسعى إلى إنصاف التاريخ، ومفكر يعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة، وجسر حوار بين ثقافات يريد لها البعض أن تبقى في حالة تصادم دائم. كتابه الجديد “التاريخ الخفي” هو ثمرة هذا التحوّل: 30 قصة مستقاة من صفحات التاريخ الحقيقي، تكشف عن تشابك عميق وقديم بين الإسلام والحضارة الغربية.

فلاد الثالث: ما قبل الأسطورة

الميلاد والطفولة في ظل القوى المتصارعة

في عام 1430 للميلاد، وفي إمارة ولاشيا — دولة سابقة تقع في جنوب رومانيا الحالية — وُلد غلام اسمه فلاد الثالث، ابن الملك فلاد الثاني. لم تكن ولاشيا في تلك الحقبة دولة مستقرة آمنة، بل كانت واقعة في قلب منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى: المملكة الهنغارية في الغرب، والدولة العثمانية المتمددة من الجنوب والشرق، فضلاً عن مشيخات وإمارات إقليمية صغيرة.

في هذا المناخ المضطرب، كان الحكّام الصغار مضطرين إلى إبرام تحالفات براغماتية والوفاء بالتزامات مُكلِفة للبقاء في السلطة. وهكذا، حين بلغ فلاد الثانية عشرة من عمره، وجد نفسه مع أخيه الأصغر رادو ضيفَين — أو بالأحرى رهينتَين — في بلاط السلطان العثماني.

كان ذلك جزءاً من اتفاقية أبرمها والدهما مع الدولة العثمانية: في مقابل الدعم العسكري والاعتراف بحكمه، يُقيم ولدا الملك في البلاط العثماني كضمان لالتزامه بدفع الجزية في وقتها والحفاظ على ولائه السياسي كانت ممارسة دبلوماسية شائعة في تلك الحقبة، لكنها بلا شك كانت تجربة قاسية لطفلَين انتُزعا من بيئتهما المألوفة وألقيا في محيط غريب.

مساران متعاكسان: رادو وفلاد

نشأ الأخوان معاً في البيئة ذاتها، لكن كل واحد منهما استخلص منها درساً مختلفاً جذرياً، رادو، الأخ الأصغر، تأقلم مع محيطه الجديد بانفتاح لافت. لم يرَ في الإقامة العثمانية سجناً بل فرصة. أتقن اللغة، وفهم الثقافة،  وبنى علاقات إنسانية حقيقية. وكانت أبرز هذه العلاقات صداقته مع محمد، ابن السلطان، الذي سيصبح لاحقاً السلطان محمد الثاني أو “الفاتح”، فاتح القسطنطينية عام 1453م، وفي نهاية المطاف، اعتنق رادو الإسلام،  وعن قناعة، ليصبح واحداً من القادة العسكريين المقرّبين من محمد الثاني.

أما فلاد، فقد حمل من تلك التجربة شيئاً مختلفاً تماماً: مرارة وغضباً وإحساساً عميقاً بالإهانة. عاد إلى ولاشيا، حاملاً معه حقداً راسخاً، وإصراراً على أن يُثبت لنفسه وللآخرين أنه لن يخضع لأحد.

دراكولا: التنين الذي أكل أرضه

الصعود إلى السلطة والانتماء لوسام التنين

بعد وفاة والده، تمكّن فلاد من الوصول إلى عرش ولاشيا في خضم صراعات وانقلابات متعاقبة. ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أنه سيختار الوقوف في وجه العثمانيين، لا إلى جانبهم.

انضم فلاد إلى  تنظيم يُعرف بـ”وسام التنين”، وهو تنظيم عسكري ديني مسيحي أسسه الإمبراطور الروماني المقدس سيغيسموند سنة 1408، بهدف إعلاني صريح: الدفاع عن المسيحية ومحاربة التمدد الإسلامي العثماني. وقد أكسبه هذا الانتماء لقبه الأشهر: “دراكولا” — أي التنين أو ابن التنين.

كان الاسم حاملاً لرمزية دينية وعسكرية واضحة: هو التنين الحارس، المدافع عن الإيمان المسيحي في مواجهة ما وصفه هو وأمثاله بالغزو الإسلامي.

أساليب الرعب: حين تصبح القسوة سياسة

تاريخ فلاد دراكولا مليء بأعمال وحشية موثّقة يصعب على العقل السليم استيعابها. ولا يحتاج المرء إلى أي خيال لاستحضار الرعب — فالوقائع التاريخية وحدها كافية،كان أسلوبه المفضّل في الإعدام هو الخازوق غرس الضحايا أحياء على أوتاد خشبية حادة طويلة، بطريقة تجعل الموت بطيئاً مؤلماً. لم يكن ذلك مجرد إعدام، كان رسالة. كان يصفّ الضحايا على الأوتاد في أنماط هندسية منظّمة خارج أسوار مدينته، حتى تكون أول ما يراه أي قادم من بعيد. “غابة الخوازيق” كانت بطاقة تعريفه للأعداء والمتمردين والزوار على حد سواء.

وكانت سياسته النفسية تمتد إلى أبعد من ذلك. تروي المصادر التاريخية أنه تناول طعامه وسط ساحة مليئة بجثث جنوده الذين قتلهم للتو، كاشفاً بذلك استمتاعه الصريح بالمشهد. وكان يغمس خبزه في دماء ضحاياه إشارة رمزية قاطعة إلى أنه لا يشعر بأدنى رهبة أو ضمير.

بل كان يتباهى بجرائمه في مراسلاته الرسمية. في رسالة تعود إلى عام 1462، كتب وهو في خضم حربه مع العثمانيين يُحصي بفخر صريح أعداد من أبادهم.

وما يلفت الانتباه في كل هذا أنه لا شيء خارق للطبيعة هنا. فلاد دراكولا لم يكن  مصاصاً للدماء،ولم تكن له قدرات شيطانية. كان إنساناً عادياً في طبيعته البيولوجية، لكنه اختار أن يجعل الوحشية أداةً للحكم، والرعب سياسةً للبقاء في السلطة.

الحادثة المفصلية: نعال المسامير في الجماجم

في عام 1459م، وبعد أن تربّع محمد الثاني على عرش السلطنة وباتت الدولة العثمانية في أوج قوتها، إثر فتح القسطنطينية قبل ست سنوات، أرسل السلطان وفداً دبلوماسياً إلى فلاد دراكولا لمطالبته بدفع الجزية السنوية المتأخرة.

كان السلطان محمد يعرف فلاد شخصياً — فكلاهما نشأ في جزء من طفولته في البلاط العثماني. لعلّ السلطان أرسل هذا الوفد معتقداً أن ثمة إمكانية للتفاوض أو التسوية. لم يكن يعلم بما ينتظر مبعوثيه.

حين وصل الدبلوماسيون العثمانيون، استقبلهم فلاد وأخبرهم بوضوح أنه لن يدفع الجزية. ثم طالبهم بشيء استفزازي: خلع عمائمهم احتراماً له — في إشارة رمزية واضحة إلى انتصار دينه على دينهم، وسيادته عليهم.

رفض الدبلوماسيون، لعلّهم أدركوا ما يعني هذا، ولعلّهم لم يُدركوا. لكن الرفض جاء، وكان قاطعاً فأصدردراكولا أمره لجنوده: ثبِّتوا العمائم بالمسامير في جماجمهم — حتى لا يضطروا إلى خلعها أبداً مات الدبلوماسيون في عذاب. وبلغ الخبر السلطانَ في عاصمته.

كانت هذه الجريمة أكثر من مجرد فعل وحشي — كانت إعلان حرب، ورفض مطلق لأي تسوية دبلوماسية، وستكون لها تبعاتها.

الأخوان في ساحة المعركة: فلاد ورادو وجهاً لوجه

ما يمنح هذه القصة عمقها الإنساني الحقيقي هو البُعد الأسري فيها. فالقوة التي سيواجه فلاد دراكولا مصيره في مواجهتها لم تكن قوة أجنبية مجهولة — كان في قلبها أخوه، رادو.، رادو الذي نشأ معه في بلاط السلطان،  رادو الذي اختار طريقاً مختلفاً، رادو الذي أصبح مسلماً وقائداً عسكرياً موثوقاً لدى السلطان  محمد الثاني،  ها هو الآن يقود — أو يشارك في قيادة — الجيش الذي سيُلاحق أخاه.

بعد سنوات من الحروب والكرّ والفرّ والاختباء، وصلت قوات السلطان محمد الثاني أخيراً إلى فلاد دراكولا في عام 1476. كان فلاد قد فرّ وعاد وحارب وخسر وانتصر مرات عديدة على مدى عقود. لكن في نهاية المطاف، نفدت الخيارات.

قُبض عليه، وعوقب على جرائمه التي لا تُحصى. وكان الحكم الأخير: قطع الرأس. نهاية باردة وسريعة، رحيمة بكل المقاييس قياساً بما فعله هو بأعدائه وضحاياه.

وبذلك، انتهى عهد الرجل الذي أرعب منطقة بأسرها لعقود. لم يَمُت بطريقة مسرحية خارقة كما تصوّره هوليوود  مات بيد مقاتلين بشريين عاديين كانوا يؤدّون واجبهم.

التاريخ في مواجهة الأسطورة: ما قالته هوليوود وما أخفته

على مدى أكثر من قرن من الزمان، قدّمت السينما الغربية دراكولا كائناً خارقاً للطبيعة: مخلوق خالد يتغذّى على الدماء، يُرعبه الصليب والثوم وضوء الشمس، ويحكم من قلعة موحشة في قلب ترانسيلفانيا المظلمة.. هذه الصورة مستوحاة من رواية برام ستوكر الشهيرة التي صدرت عام 1897، والتي استعار فيها الكاتب بعض ملامح فلاد الثالث — لا  كلّها،  — ونسج حولها خيالاً أدبياً محكماً. الرواية عمل إبداعي رائع في حد ذاته لكن المشكلة حين تتحوّل الأسطورة إلى “تاريخ” في الأذهان الشعبية.

حين يُقدَّم فلاد دراكولا على أنه كيان شيطاني خارق، يضيع في الضبابية الأسطورية ما هو أكثر إزعاجاً وأعمق دلالة: أن هذا الرجل كان إنساناً حقيقياً، وأن وحشيته كانت اختياراً إنسانياً واعياً، وأن له سياقاً سياسياً ودينياً محدداً.

وضمن هذا السياق، يغيب تماماً الدور الجوهري الذي أدّاه المسلمون في وضع حد لطغيانه.

السؤال الذي يطرحه فان كلافيرن

يطرح يورام فان كلافيرن في كتابه سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: متى شاهدنا فيلماً هوليوودياً يقول صراحةً إن المسلمين هم من أنهوا طغيان أحد أشد حكام أوروبا وحشيةً في التاريخ؟

الجواب واضح: أبداً.

وليس هذا مجرد إغفال عرَضي إنه انعكاس لنمط أشمل في كيفية تشكيل السرديات الثقافية الغربية لصورة الإسلام والمسلمين في التاريخ: دائماً على الهامش، دائماً في الخلفية، دائماً غائبون حين يتعلق الأمر بأدوار البطولة أو الإنقاذ أو الدفاع عن القيم الإنسانية.

التاريخ أعقد مما نروي

من الأمانة الفكرية الإشارة إلى أن الصورة التاريخية الكاملة لا تنقسم انقساماً حاداً إلى “مسلمون أبطال” و”مسيحيون أشرار”. التاريخ دائماً أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي قراءة ثنائية مبسّطة.

فلاد دراكولا لم يواجه العثمانيين وحدهم — كان له أعداء مسيحيون أيضاً، وعانى من تدخلات سياسية من حكّام مجاورين كماتياس كورفينوس ملك هنغاريا الذي سجنه لفترة. والتحالفات في تلك الحقبة كانت تتغيّر بحسب المصالح لا بحسب الانتماء الديني فقط.

كذلك فإن الدولة العثمانية نفسها لم تكن قوة نقية خالية من التعقيدات — فهي دولة ذات مصالح إمبراطورية توسّعية كغيرها من الدول الكبرى عبر التاريخ.

لكن هذا التعقيد لا ينفي حقيقة جوهرية: أن القوة التي تمكّنت في نهاية المطاف من إسقاط فلاد دراكولا وإنهاء طغيانه كانت قوة مسلمة. وأن هذه الحقيقة لم تجد طريقها إلى السرديات الثقافية السائدة.

ما الذي يقوله هذا لنا اليوم؟

في زمن تتصاعد فيه موجات الإسلاموفوبيا في الغرب، وتنتشر خطابات التنافر الحضاري بين “العالم الإسلامي” و”الغرب” كأنهما كتلتان منفصلتان لا نقطة تقاطع بينهما، يأتي كتاب فان كلافيرن ليُذكّرنا بشيء بديهي طالما أغفلناه: أن هذين العالمين لم يكونا يوماً منفصلَين.

التاريخ المشترك بين الإسلام والغرب أعمق وأقدم وأكثر تشابكاً مما تريد له بعض الروايات الراهنة أن يكون. المسلمون لم يكونوا دائماً “الآخر” أو “الغريب” — كانوا أحياناً الجيران، وأحياناً الحلفاء، وأحياناً أولئك الذين وضعوا حداً لأشد أعمال الوحشية في التاريخ الأوروبي.

قصة دراكولا ليست مجرد قصة تاريخية مثيرة — إنها نافذة على هذا التشابك الذي طالما غُيِّب أو شُوِّه. وهي دعوة لقراءة التاريخ بعيون مختلفة: لا بعيون الأسطورة، ولا بعيون الأيديولوجيا، بل بعيون الباحث الذي يريد أن يعرف ما حدث فعلاً.

خلاصة

فلاد دراكولا الحقيقي لم يكن كائناً من عالم الظلام والخيال. كان حاكماً بشرياً استخدم الوحشية أداةً سياسية، وأشاع الرعب منهجاً للحكم، حتى جاء من أنهى طغيانه: المسلمون.

وفي مفارقة لافتة، كان في صفوف الجيش الذي أسقطه، أخوه الذي اعتنق الإسلام — رادو الذي سلك طريقاً مختلفاً تماماً من نفس نقطة البداية.

التاريخ حين يُختزل في أسطورة، يضيع معه الكثير من الحقيقة. وحين تُعاد القراءة بصدق وأمانة، تنكشف صفحات طالما بقيت في الظل — لا لأنها غير موجودة، بل لأن بعض الروايات لا تريد لها أن تُرى.

كتاب “التاريخ الخفي” هو خطوة في مسار إعادة تلك الصفحات إلى مكانها الصحيح.


(*) من أصدقاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان.

الفرق بين «الفعل» و«العمل» و«الصّنع» في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله عزّ وجلّ في سورة الحجر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾ [الحجر: 92-93]، وفي سورة الزلزلة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 6-8].

الأفعال أقرب للعقود، منها أفعال ظاهرة (جسدية)، وأخرى باطنة (قلبيّة وروحيّة)، أمّا الأعمال فهي للعهود أقرب، وتتكون من عدة أفعال، ظاهرة وباطنة، وصلاح العمل متوقف على سلامة الأفعال التي يتكوّن منها؛ فإذا تأسست الأفعال بشكل صحيح، كان العمل تامًّا. أمّا الصّنعة فهي المهنة وهي نتاج عمل محدّد ومتكرر، ويتكوّن من عدة أفعال تَعلَّمه صاحبه ومارسه بإتقان وحرفية وخبرة حتى أصبح صنعةً له.

١- الأفعال أقرب للعقود: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73]، ولتنفيذ فعل الخيرات، وجبت عدة عقود.  فلإطعام المساكين مثلًا، يجب البدء بالفعل الباطنيّ، أي النّيّة (وبرحمة الله تُسجَّل له حسنة، حتى ولو لم ينجِزِ العمل)، ثم يشتري الطعام وهذا فعل بدنيّ، ثم يسير إلى المساكين وهذا فعل آخر، وبمجرد أن يقع الطعام في يدهم يكون العمل قد اكتمل فيؤجر عليه. لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132].

٢-الأعمال قريبة للعهود: فالصلاة هي عهد بين العبد وربه: {إنّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء 103[، وللقيام بهذا العهد، هناك عدة أفعال قبلها، مثل طهارة البدن واللباس، ثم الوضوء، استقبال القبلة، فعقد النية، وهذه كلها أفعال بدنيّة تسبق العمل، ثمّ  تكبيرة الإحرام والوقوف في حضور مع الله وخشية، مع استشعار بين يدي من تقف، والتأدّب مع الله، والتفكّر في ما يقرأ، فكلّما أكثر الأفعال بإحسان، كلما أدّى عملاً، أو عهداً كالصّلاة  بإحسان، قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج23]، والعكس صحيح، فبسبب فساد الأفعال يفسد العمل، قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)﴾ [الماعون5].

 ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:1]، فالعهد هو مجموعةٍ من العقود، كمثل مريدٍ عاهد شيخه على ثلاثة عقود: تلاوة القرآن الكريم يوميًّا، ذكر الله، وحضور مجالس العلم. فإذا أخلف بعقد واحد فقد قصّر، أمّا إذا أخلف بالثلاثة، فقد نقض العهد كاملًا.

وخلاصة ما سبق أنَّ الأفعال إذا تكاملت شكّلت عملًا، كما أنَّ العقود إذا اجتمعت شكّلت عهدًا.

 مثال آخر، عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ: “إنّ الله تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. فقد يقصد الإنسان مثلاً أن يفعل الخير، كأن يرغب في رؤية أخيه لمساعدته ماليًّا، فيتصل به، ويطمئنّ على أحواله، أو يقوم بالدعاء له بظهر الغيب، دون أنّ يتمّ المقصود بمساعدته ماليًّا. هو قد قام بأفعال، ولكن لم تسمَّ عملًا لعدم إتمام الهدف، فإن أعطاه المال، اكتمل عندها العمل وأصبح “عملًا صالحًا “.

ومثل ذلك أيضًا لمن نوى ارتكاب معصية، كأن يشرب خمراً، فباشر بالأفعال الموصلة إليها، كقيادة السيارة قاصدًا متجر بيع الخمور، ثم حال بينه وبين إتمام مقصده هاتف من ربّه عرقل إتمام عمل المعصية، أو تعرضه لحادث سير قبل وصوله، فلم يتحقق الفعل اللاحق، وهو شرب الكحول، والذي كان سيُكتمل به العمل فلا تُكتب عليه السيّئة إلا شرب. فعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة ضعف، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت».

۳-الصنعة هي مهنة أُسست على أفعال: أحاط بها صانعها ظاهرًا وباطنًا، فأنتجت عملًا كاملًا مُتقنًا، وإنّ الله عزّ وجلّ “صانع” لقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة النمل -88]، بالإضافة إلى ذلك فقد أخبرنا الله عز وجلّ في القرآن الكريم عن صنعة الأنبياء فسيّدنا محمّد ﷺ كان بعظيم خُلُقه دائمَ الرأفة والرحمة بالخَلق، حتّى وصفه الله عز وجلّ بالرؤوف والرّحيم {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التّوبة: 128]، وعن سيّدنا داوود قوله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ، فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، وكذلك قوله عزّ وجلّ في سيدنا نوح: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود: 37]. وممّا ورد في قوله تعالى في سورة طه: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 6]. فالسّحرة صنعوا السحر من خلال تكرارهم لأفعاله، وممارسته وإتقانهم له.

ومن أمثلة الصنعة أيضًا: أنّ دعوةَ شخصٍ إلى دين الله تُعدُّ عملًا حسنًا، وأمّا من لازم الدعوة بهمّة وإتقان والتزام، فقد أصبح داعيةً إلى الله.

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا عندما يتكرر الكذب عند أحدهم يصبح ” كذّابًا ” أي صنعته الكذب، {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا، إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت 17]. وقد جاء في الحديث الشريف عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا“.

وبسبب التكرار مع الإتقان صارت بعض الصّناعات تُنسب إلى أصحابها، كصفة تعريف مثل آل النجار الذين كانوا يعملون في النجارة، وآل الصائغ الذين كانوا يصيغون الذهب.

الخلاصة: يتكوّن العمل إذن من مجموعةٍ من الأفعال المتكاملة، تشمل الأفعال البدنية التي يَستعملُ فيها الإنسان حواسّه، فيتكلّم بلسانه، ويحرّك بيديه، بالإضافة إلى ذلك فهناك أفعال للقلوب وللأرواح ، فإذا أتقن الإنسان هذه الأفعال جميعها، وأحسن أداءها ظاهرًا وباطنًا، تكوَّن منها عمل مُتقَن يحقق غايته ويبلغ هدفه؛  فنجاح العمل مرهون بإتقان الأفعال، بدءاً من النّيّة في القلب، ومن صفاء السريرة، إلى حسن التعبير، وصولاً إلى حركة الجسد،  هذه الأفعال تعاونت معًا حتّى أنتجت عملًا كاملًا، وهذا العمل الكامل إذا تكرّر أصبح صنعة يُنعت صاحبه بها.  أمَّا إذا اقتصر أداء الأفعال على الجانب الجسدي وحده، وغابت عنه النية الصالحة، أو الوعي، أو الإخلاص، فإن العمل يفقد كماله، ويصبح مجرد حركاتٍ ظاهرية لا تحقق الغاية المرجوة. فعلينا إصلاح نوايانا بما نعمل، وأن نطهّر سرائرنا ونجعلها خالصة لله تعالى. فطاقة العمل مرتبطة بنيّته، فإن كانت نيّته الثناء انتهت طاقته بالثناء، وإن كانت نيّته المردود الماديّ انتهت طاقة عمله بالمردود المادّيّ، أمّا إن كانت نيّته خالصة لوجه الله فإن أثر العمل يبقى ولا يفنى، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَام} (ٱلرَّحمَٰن: 26-27).

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


(*) إعداد: سعد حذيفة ومايا حمزة حذيفة، بإشراف ومراجعة: الدّكتور جورج ضّاهر.

لماذا أكتب

د. عبد الكريم بكار (*)

قبل فترة، تعرضتُ لموقف محرج؛ نسيتُ أين وضعتُ مفاتيح سيارتي، وبقيتُ أبحث عنها لنصف ساعة كاملة. في تلك اللحظة تملكني غيظ شديد من دماغي، هذا الجهاز الخارق الذي يحتوي على مئة مليار خلية عصبية، ولكنه يعجز عن تذكر مكان بضع قطع معدنية صغيرة!

​هذا الإحباط اليومي دفعني “للنبش” وراء حقيقة بيولوجية مرعبة: الدماغ البشري لم يُصمم أصلاً ليتذكر!

​علمياً، دماغنا بارع جداً في “النسيان“. إنه يمحو آلاف التفاصيل يومياً تلقائياً ليوفر الطاقة. بيولوجياً، ذاكرتنا الداخلية هشة وسريعة العطب، وهنا واجهتُ السؤال الصادم:

كيف وصلنا كبشر إلى كل هذا التقدم العلمي المعقد إذا كانت عقولنا بهذه الغربالية؟

​الإجابة اختصرها لغز تاريخي حقيقي غيّر وجه البشرية.

​تجربة “شامبليون” وثورة الحجر

​في عام 1799، عثر جنود فرنسيون في مصر على حجر أسود غريب (حجر رشيد). هذا الحجر لم يكن يحوي قصيدة شعرية أو تنبؤات للمستقبل، بل كان مجرد مرسوم ملكي إداري ممل، كُتب بثلاث لغات مختلفة.

​لكن هذا الحجر “الممل” كان نافذة لفك شفرة الحضارة المصرية القديمة بأكملها.

​عندما كنتُ أقرأ عن هذا، صعقتني فكرة: الفراعنة ماتوا، وتحللت أجسادهم، ونسي أحفادهم لغتهم تماماً. لولا أن شخصاً ما قرر أن ينحت تلك الكلمات على حجر صلب، لضاعت عقول ملايين البشر وتجاربهم في طيات النسيان إلى الأبد.

​منذ تلك اللحظة، أدركتُ أن الكتابة لم تكن يومًا ترفًا، ولا مجرد هواية، وإنما نعمة امتنَّ الله بها على الإنسان، وجعلها سببًا لحفظ العلم، وتراكم الخبرة، واستمرار الحضارة عبر الأجيال. ولذلك افتتح سبحانه أول ما نزل من الوحي بقوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾.

​معجزة الذاكرة الخارجية

​لو نظرنا إلى الأمر من زاوية علمية مجردة، سنجد أن الكائنات الحية الأخرى تنقل خبراتها عبر “الحمض النووي” (DNA) فقط. الفأر لا يستطيع أن يترك لابنه كتاباً يخبره فيه كيف يتجنب المصيدة، لذا يضطر كل فأر جديد أن يتعلم بالخطأ والتهلكة.

​الإنسان هو الكائن الوحيد على هذا الكوكب الذي استطاع نقل معلوماته خارج جسده.

​الكتابة هي عملية “تثبيت الوعي“. عندما أكتب فكرة خطرت لي، أنا حرفياً أنقل نبضة كهربائية سريعة الزوال من داخل خلايا دماغي، وأحولها إلى مادة فيزيائية مستقرة (حبر أو بكسلات رقمية). هذه المادة تمتلك خاصية خارقة: إنها لا تمرض، لا تشيخ، ولا تنسى.

​لماذا أكتب؟

​اليوم، حين أمسك بالقلم أو أضغط على لوحة المفاتيح، أدرك تماماً ماذا أفعل.

​أنا لا أمارس طقساً أدبياً، بل أقوم بعملية “ترقية” بيولوجية لدماغي المحدود. أفرغ شحنات التفكير المزدحمة في رأسي على الورق، ليتسنى لعقلي أن يرتاح، ويتأمل، ويبني فوق ما كُتب.

​بدون الكتابة، كنا سنضطر في كل جيل أن نعيد اكتشاف العجلة، والنار، ومضادات الحيوية. نحن حرفياً نقف فوق أكتاف العمالقة الذين كتبوا تجاربهم قبلنا، وأنا أكتب اليوم حتى يجد من يأتي بعدي كتفاً يستند إليه.


(*) د عبد الكريم بكار، لغوي وأكاديمي سوري، يهتم بتجديد الفهم الإسلامي وربطه بواقع الحياة وبناء الإنسان.

نصائح عملية للحفاظ على صحتك العقلية

ناتالي ماكنزي* عادات صحية صغيرة وقابلة للتحقيق تدعم صحتك العقلية وتقلل من خطر الإصابة بالخرف، خاصة مرض ألزهايمر. فبدلا من الانغماس في قرارات السنة الجديدة غير الواقعية، توضح معالِجة إعادة التأهيل المعرفي، ناتالي ماكنزي، أنه من الأفضل التركيز على خطوات … Continue reading →

إعجاز القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}

ع. د. محمد فرشوخ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول الله تعالى في سورة الإسراء:  ﴿‌وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا … Continue reading →

المسلمون الذين لا يعرفهم المسلمون: الهنود الحمر

أ. جهاد ترباني* زرعوا في عقولنا من قبل أن قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية كانتا مجهولتين حتى عام 1492 م، عندما اكتشفها بحار إيطالي يدعى “كريستوفر كولومبوس”، وأن هذا البحار الذي كان يعمل لصالح ملكي إسبانيا فرناندو وإيزابيلا، قد وجد أناساً … Continue reading →

دراسات حول الصيام الطبي المتقطع وأثره على الصحة

د. حيدر محمد الجدي* أدناه مجموعة من الدراسات الموثقة والنتائج العلمية التي تم التوصل إليها من أعرق الجامعات والمراكز البحثية، والتي تقدم شهادة علمية على أهمية الصيام وفوائده الصحية: الدراسة الأولى: صيام ثلاثين يوماً مضاد للسرطان ويقوي المناعة نشرت مجلة  … Continue reading →

مخطوط قرآني في القارة الأميركية سبق كولومبوس بخمسة قرون

اكتشاف جديد

ترجمة وإعداد أ. دانة عبده جرادي

مقدمة- صدمة الاكتشاف الجديد: يتضمن هذا المقال حقيقتين، الأولى أنه كان من المعتقد منذ قرونٍ عديدة، أنَّ كريستوفر كولومبس هو أوّل العابرين للمحيط الأطلسي وصولاً إلى العالم الجديد. ولكن وجدت مجموعة باحثين من جامعة رود ايلاند (Rhode Island) أنَّ المسلمين هم أوَّل العابرين والمستقرين على شواطئ أمريكا، ويعتبر هذا البحث مغَيِّراً للتاريخ الذي نعرفه.
وقد صرَّحَ البروفيسور ايفان يوريسكو (Evan Yuriesci)، المسؤول عن فريق البحث، أنَّ هذا الاكتشاف كان صادماً لجميع أفراد فريق البحث.

قبور جماعية لبحارة قبل كولومبوس بخمسة قرون:
قال البروفيسور يوريسكو: “كنا نتوقع إيجاد آثار للأمريكان الأصليين في عصور ما قبل التاريخ، لأنَّ هذا ما كنا نجده في تلك المنطقة خلال العقود الماضية. لم نكن نتوقع إيجاد أواني فخّارية تعود للقرن التاسع، والتي احتوت على مخطوطات قديمة مكتوبة باللغة العربية”.
كما وجد الباحثون آثاراً لقبورٍ جماعيّة لبحّارة ذلك القرن، ولكن كانت العظام في حالة متقدّمة من التحلّل، ما جعل من المستحيل الحصول على عينة من الحمض النووي (DNA).
من جهة أخرى، أظهرت أسنان البحّارة تسوّس سابق لأوانه، ما قد يظهر أنَّ سبب الوفاة هو الحمية الغذائية الفقيرة بالإضافة لمرض غير معروف.
كما وجد الباحثون العديد من الأقمشة والعملات النقديّة. وللأسف لم يستطع فريق البحث التعرّف على باقي القطع الأثرية، وذلك بسبب الصّدأ الذي محا أي أثر للكتابات الموجودة على السيوف والعملات النقديّة.

المخطوطة القرآنية
وجد الباحثون آنيتين فخّاريتين بحالة جيّدة، احتوت الأولى على مخطوطة والأخرى على بهارات مجهولة المصدر، والتي من الممكن أن تساعد فريق البحث على معرفة أصول أولئك البحارين.
حدّد المختص بالعصور الوسطى كريم ابن فلاح (Karim Ibn Fallah) من جامعة ماستشوستس (Massachussets) عمر المخطوطة مستنداً إلى الخط الكوفي، فقال كريم أن هذه المخطوطة تعود إلى القرن التاسع.
وأضاف: “الخط الكوفي هو أقدم الخطوط العربية، يتضمّن هذا الخط نسخة معدّلة من الخطّ النبطيّ القديم. وكان أول ظهور للخط الكوفي في نهاية القرن السابع في مدينة الكوفة في العراق، ومن المذهل إيجاد هذا الخط في أمريكا”.
ويؤكد عالم المتاحف بايرون كنت (Byron Kent) أنّ هذا الاكتشاف مقلق، يقول كنت: “لا شك أن الخرائط العربية كانت من الأفضل في العالم، ولكن لم تُظهر خرائطهم القديمة معرفتهم بأمريكا. كان العرب آنذاك ذوي خبرة تكنولوجية كافية لإيصالهم إلى أمريكا، ولكن لم يكن في السابق أي دليل مُعتمد يُثبت نجاحهم في الوصول، إلى الآن”.
يقول العلماء أنَّ كولومبس بذاته يدين لمهارات المسلمين في الملاحة البحرية، حيث أن تلك الخبرات التكنولوجية كانت تمكنهم من الوصول إلى العالم الجديد (مصدر هنا).

كريستوف كولومبوس إلى مزبلة التاريخ
أما الحقيقة الثانية فهي أن شعوب الغرب اكتشفت أن كولومبوس لم يكن سوى قرصاناً سيء السمعة قام بأعمال اضطهاد واغتصاب وإبادات جماعية لأعداد من السكان الأصليين، وانطلقت في الولايات المتحدة والمكسيك حملات لتحطيم تماثيل كولومبوس أو إزالتها من الحدائق والساحات العامة في المدن الكبرى بدأت في 24/11/2018، حيث أزيل تمثال كريستوفر كولومبوس في مدينة لوس أنجلوس باعتباره نقطة سوداء في تاريخ القارة الأمريكية، وقال متظاهرون إن كريستوفر كولومبس مجرم حرب وبمثابة قرصان قاد حملة احتلال غاصبة كما ارتكب جرائم كبرى في حق شعوب أمريكا الأصليين الهنود الحمر وليس كما صوره لنا الإعلام وما درسناه من حقائق وقصص زائفة في المناهج التعليمية…
ثم كرّت السبحة في أوائل شهر حزيران من عام 2020، حين أسقط متظاهرون تمثالاً لكريستوفر كولومبوس في مدينة ريتشموند بولاية فرجينيا الأمريكية. وحطم التمثال، الذي كان يستقر في حديقة بايرد بارك، محتجون ضد العنصرية على هامش المظاهرات المتواصلة منذ وفاة الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد على يد ضابط شرطة في مينيابوليس. وأظهرت لقطات مصورة قيام عدد من الأشخاص بالإطاحة بالتمثال، ثم إشعال النار فيه قبل أن يتم رميه في بحيرة بالحديقة الكائنة في وسط مدينة ريتشموند. وبنفس التاريخ أزيل تمثال آخر لكولومبوس في مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا الأميركية.
وتحت عنوان “كاليفورنيا تتخلص من تماثيل كريستوفر كولومبوس” خرجت مواقع التواصل في 19 حزيران وذلك في أعقاب تجمع تخللته خطابات لسكان البلاد الأصليين من قوميتي “اتفونغا” و”تاتافيام”، أزيل تمثال برونزي للمستكشف كريستوف كولومبوس من وسط حديقة في لوس أنجلوس؛ وكان التمثال أهداه اتحاد نقابات جنوب كاليفورنيا إلى إدارة الإقليم سنة 1973 (مصدر هنا).
وفي تعليقها، اعتبرت العضوة في هيئة مراقبي اقليم لوس أنجلوس هيلدا سوليس، إن التمثال “يعيد كتابة فصل مشوه من التاريخ الذي يمجد توسع الامبراطوريات الأوروبية، واستغلال البشر والثروات الطبيعية”.

وبدوره، أكد عضو مجلس المدينة ميتش أوفارال، أنّ الخطوة المقبلة تتمثل في إزالة الرواية الخاطئة التي تدعي أن كريستوف كولومبوس اكتشف أميركا، مبيناً أن “كولومبوس نفسه كان مسؤولا عن ارتكاب فظاعات، وأن اعماله تصنف في خانة كبرى عمليات الإبادة المسجلة عبر التاريخ، وأنه لا ينبغي أن يحتفل بهذه الشخصية مستقبلاً”.
وسحبت بلدية سان فرانسيسكو في كاليفورنيا تمثالا لكريستوفر كولومبوس فيما تنوي الولاية الواقعة في غرب الولايات المتحدة إزالة تمثال البحار الإيطالي من البرلمان المحلي.
وأزيل تمثال المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس المثير للجدل في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية بعد أن أعرب المحتجون عن مخاوفهم من أنه يرمز للقمع.
وفي الثاني من تموز العام ذاته أزيل تمثال كريستوف كولومبوس من ولاية أوهايو استجابة للاحتجاجات على عدم المساواة (مصدر هنا).
وأزيل تمثال آخر لكولومبوس في ولاية فيرجينا وتمثال آخر لكولومبوس في مدينة بوسطن، ولاية ماساتشوستس. وفي 5/7/2020 حطم متظاهرون تمثالاً آخر للمكتشف المزعوم في مدينة بالتيمور الواقعة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة. وفي 25/7/2020 أزيل تمثالان لكولومبوس في مدينة شيكاغو الأميركية. وتمت إزالة العديد من تماثيل كريستوفر كولومبوس أو تخريبها، لا سيما في بوسطن وميامي وفرجينيا وكامدن في نيوجيرسي.
ولم يسلم من أعمال الإزالة هذه حتى تمثال الممثل الفرنسي جيرار دوبارديو، بطل فيلم “1492 كريستوف كولومبوس”. بعد أن كان التمثال منصوباً في متحف غريفان في باريس الثلاثاء 2023/12/19.
وقد تقرر سحب التمثال بعد تسجيل ردود أفعال سلبية لعدد من الزوار خلال مرورهم أمام تمثال دوبارديو.
في خلاصة الأمر، أن التاريخ يكتبه المنتصرون، فينتقصون من الوقائع أو يزيدون، لكن لا بد للحقيقة أن تعود فترتفع خفاقةً ناصعة.

إعجاز التداوي بالعلق

أ. زينب ضاهر حيدر حث سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- على التداوي بالعلق في قوله صلى الله عليه وسلم: “خير الدواء المشي، والحجامة، والعلق”، فما هي العلق وكيف تعالِج هذه الدودة الأمراض؟ تعريف العلق العلق نوع من الحيوانات يتبع … Continue reading →

يا غزة لك أسوة

حزنت وتألمت جداً عندما علمت أن كثيراً من شهداء غزة لم يستطع أهلهم انتشالهم من تحت الأنقاض، أو تعذّر دفنهم من شدّة القصف وكثرة الدمار، فدخلت الكلاب الضالّة لتنهش في أجسادهم وتأكل من جثثهم، ثم تذكرت الحديث الصحيح الذي قال … Continue reading →