دخل العالم في مسار الاقتصاد الاسلامي

أ.خالد حنون*

 مقدمة

        في العدد التاسع والعشرين من هذه المجلة الغراء كان عنوان مقالنا السابق ” هل يتجه العالم للمعاملات المالية المرتكزة على الشريعة الاسلامية “. وقتها سألنا وأجبنا على ذلك – تحليليًا – بنعم. الآن نقول نعم عمليًا وواقعيًا. فالعالم فعليًا دخل في مسار الاقتصاد الاسلامي لانه تبين انه الملاذ الآمن للأموال وللاستثمارات .

CNN تفتح قسمًا على موقعها لدراسة وتحليل الاقتصاد الاسلامي

        “المصرفية الإسلامية على CNN بالعربية… صفحة متخصصة لقطاع واعد”. هكذا كانت افتتاحية الصفحة الاقتصادية الاسلامية على أشهر قناة اخبارية في العالم.” وانطلاقًا من أهمية العمل المصرفي الإسلامي رأت CNN بالعربية تخصيص المزيد من التغطية الإعلامية له لتقديم رؤية أشمل تقوم على معرفة الأسس التي يقوم عليها والتحديات التي يواجهها، والتعرف على أبرز الوجوه والشخصيات العاملة في القطاع” وهكذا كان التعليل لذلك.(1)

بدء العمل بقانون المصارف الإسلامية في طاجكستان… وروسيا تتطلع إليه

دخل قانون المصارف الإسلامية حيز التطبيق رسميًا في طاجكستان، بعد أيام على نشره في الصحيفة الرسمية للدولة بالخامس من أغسطس/آب المنصرم، لتنضم الدولة التي كانت سابقًا ضمن الاتحاد السوفيتي إلى قائمة الدول التي تنظم عمل قطاع التمويل الإسلامي السريع النمو حول العالم، في وقت أشارت تقارير إلى إمكانية إقدام روسيا المجاورة على خطوة مماثلة.

ونقلت المواقع الإخبارية الطاجيكية عن مصادر في مصرف طاجيكستان المركزي أن البلاد تسعى للحصول على مساعدة تقنية من بنك التنمية الإسلامي من أجل تنفيذ القانون وتفعيله. وكان مجلس النواب الطاجيكي قد وافق على مشروع القانون في 14 مايو/أيار الماضي، وقال محافظ المصرف المركزي الطاجيكي آنذاك، عبدالجبار شيرانوف، إن القانون يأتي بعد قيام العديد من الدول بوضع تشريعات مماثلة، بينها دول أوروبية وعربية، إلى جانب أذربيجان وقرغيزستان وكازاخستان…(2)

وفي تقرير آخر لرويتر نقلته الجزيرة” حثت رابطة البنوك الروسية البنك المركزي الروسي على اتخاذ إجراءات لتشجيع التمويل الإسلامي، بينما يواجه القطاع المصرفي مشاكل في الحصول على تمويل خارجي بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا فيما يتعلق بأزمة أوكرانيا.

وقالت الرابطة في رسالة إلى البنك المركزي: “إن تشجيع التمويل الإسلامي قد يعطي دفعة للاقتصاد ويجتذب استثمارات كبيرة من الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا حيث يزدهر التمويل الإسلامي”. وجاءت الدعوة بينما يترنح اقتصاد روسيا -الذي يبلغ حجمه تريليوني دولار- على شفا الركود مع منع عدة بنوك روسية كبرى فعليًا من دخول أسواق رأس المال الغربية بسبب العقوبات المفروضة على روسيا لدعمها  للانفصاليين في شرق أوكرانيا.

ومن بين أهم بواعث القلق لدى الرابطة غياب تشريع روسي ينظم قطاع التمويل الإسلامي، وهو ما يعني عجز البنوك عن عرض أدوات محددة للتمويل الإسلامي على عملائها فضلاً عن غياب البنوك الإسلامية والخبرات اللازمة لإدارتها. وكتبت الرابطة في الرسالة التي نشرت في موقعها الإلكتروني “لا توضح أي من الوثائق القانونية الروسية ما المقصود بمؤسسة للتمويل الإسلامي أو الصكوك أوالسندات الإسلامية أو المرابحة، ولحل هذه المشكلة نقترح إصدار قانون اتحادي خاص. هناك نقص في رأس المال في روسيا في الوقت الحالي والاقتصاد الروسي يحتاج إلى استثمارات ومصادر تمويل مستقرة والأنشطة المصرفية الإسلامية مصدر بديل للتمويل في روسيا”

وتقترح الرابطة أيضا في الرسالة إنشاء مجموعة عمل يشارك فيها علماء دين مسلمون روس لصوغ التعديلات القانونية اللازمة وإنشاء إدارة بالبنك المركزي للإشراف على المؤسسات المالية الإسلامية. ورفض البنك المركزي الادلاء بتعقيب عندما سئل بشأن مبادرة رابطة البنوك الروسية. وقال عدنان حسن، عالم الشريعة والعضو السابق في المجلس الاستشاري الشرعي التابع للبنك المركزي الماليزي، إن البنوك الإسلامية في الخارج مستعدة للاستثمار في روسيا إذا عدلت التشريعات المحلية، كما أن البنوك الماليزية مستعدة لدراسة الذهاب إلى روسيا.(3)

لوكسمبورغ ثاني دولة بأوروبا بعد بريطانيا تُدخِل الصكوك الإسلامية… وتونس تستعد

        باتت لوكسمبورغ ثاني دولة أوروبية تدخل مجال الصكوك الإسلامية، إذ أقر برلمانها مشروع قانون ينظم إصدارها بحسب متطلبات الشريعة الإسلامية، في حين أشارت تونس إلى نيتها إصدار صكوك هذا العام.

وقالت مجلة جمعية المحامين في لوكسمبورغ إن البرلمان أقر مشروع القانون الذي حمل رقم 6631 والذي يجيز بيع إعادة شراء الأصول العقارية الضرورية لإصدار الصكوك الإسلامية، مضيفة أن تلك الموافقة البرلمانية تسمح لوزارة المالية بتطوير الخدمات المالية الإسلامية في دوقية لوكسمبورغ. ورأت المجلة أن الموافقة تظهر الرغبة السياسية في البلاد بتنويع أسواق التمويل وبتحويل لوكسمبورغ إلى مركز دولي للخدمات المالية.

وبهذه الخطوة تصبح لوكسمبوغ ثاني دولة أوروبية بعد بريطانيا تستخدم سوق الصكوك، بعدما طرحت لندن في يونيو/حزيران الماضي صكوكًا بقيمة 200 مليون جنيه استرليني. ويترافق قرار لوكسمبورغ مع إعلان حكيم بن حمودة وزير الاقتصاد والمالية التونسي أن تونس “مقرة العزم على الخروج إلى السوق العالمية لإصدار صكوك إسلامية لتعبئة تمويلات تتراوح بين 180 و 300 مليون دينار” خلال سنة 2014، ( ما بين 106 و177 مليون دولار .)

وقال بن حمودة إن المفاوضات مع البنك الإسلامي للتنمية لإصدار هذه الصكوك بلغت مراحل متقدمة برغم صعوبة إصدارها لما تتطلبه من ضمانات عينية، وأوضح أنه يتم تدارس عدة خيارات للاستجابة إلى الشروط بما يتيح الحصول على التمويلات اللازمة، وفقًا لوكالة الأنباء التونسية.(4)

الهند تبحث تشريع المصارف الإسلامية لجذب المليارات… والجانب الديني يقلقها

        قال تقرير صحفي هندي إن السلطات في نيودلهي تبحث بجدية قضية المصارف الإسلامية، خاصة في ظل الحاجة الماسة لدى البلاد لاجتذاب التمويل من الدول الإسلامية الثرية من أجل استخدامها بمشاريع البنية التحتية، مضيفًا أن لدى البنك المركزي الهندي بعض التردد على أساس ديني حيال القضية.

وقال تقرير صحفي منشور بموقع “فيرست بوست” الهندي الشقيق لـCNN إن طرح اعتماد المصرفية الإسلامية موجود في الهند، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، خاصة مع انفتاح البلاد على مشاريع الإصلاح الاقتصادي، على ضوء إعلان المصرف الاحتياطي الهندي (المركزي) عن إقرار إرشادات تنظم عمل نوعين من المصارف هما “مصارف الدفع” و”المصارف الصغيرة.” وذكر التقرير أن الجهات الداعمة لإقرار نظام المصرفية الإسلامية في الهند تشير إلى أن اعتماده يجذب الأموال من الدول الثرية التي تقطنها غالبية إسلامية، ما يساعد بالتالي على تمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة في الهند، والتي تعاني خططها التنموية حاليًا من فجوة تمويلية تقدّر بترليون دولار.

ويضيف التقرير أن الدعوة إلى اعتماد المصرفية الإسلامية اكتسبت زخما بعد طرح القضية أمام “لجنة الأقليات” التي قام رئيسها “وجاهة حبيب الله” بتقديم مذكرة حول القضية إلى وزارة المالية عام 2012، ولكن المصرف الاحتياطي الهندي رأى أنه سيكون من الصعب السماح بعمل مصارف لا تقبل الفائدة، وذلك لأسباب قانونية، غير أن المصرف عاد ووافق بصورة مفاجئة في أغسطس/آب 2013 على عمل شركة تمويل متلائمة مع الشريعة في ولاية كيرلا الهندية.

ورجح التقرير وجود تردد لدى المصرف الاحتياطي الهندي في اعتماد المصرفية الإسلامية لأسباب دينية، مشيرًا إلى أن المصرف يشعر بالقلق من إمكانية أن يعترض لاحقًا على بعض أشكال النشاط الاقتصادي لتلك المصارف ما يفتح باب الانتقادات عليه من قبل المسلمين في البلاد.

ولفت التقرير إلى إمكانية معالجة تلك المخاوف لدى السلطات الهندية من خلال فرض إجراءات رقابية حول مصدر الأموال وطريقة التحويل والشفافية وتحديد وجهة الأموال النهائية، وهي أمور سهلة إذا ما قورنت بالمكاسب التي قد تجنيها الهند جراء اجتذاب مليارات الدولارات من الدول الإسلامية الثرية بالنفط.(5)

خبراء غربيون: لا حل للأزمة المالية العالمية الا باتباع النظام الاقتصادي الاسلامي

        قالت دراسة بحثية أردنية اعدتها “ملك غانم”، المستشارة لدى هيئة الأوراق المالية الأردنية حول المصارف الإسلامية: إن الأزمة المالية التي عصفت بالعالم لم تُظهر بوضوح ضعف النظام الرأسمالي فحسب، بل شهدت انهيار النظريات المالية الرأسمالية الواحدة تلو الأخرى، مضيفة أن الدليل على قوة النظام المالي الإسلامي يظهر في تحول دول غربية إلى مراكز لذلك النوع من التمويل. وتنقل عن رئيس تحرير مجلة ” تشالنجز”، بوفيس فانسون، قوله معلقًا على الأزمة المالية العالمية: “إننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن الكريم لفهم ما يحدث في مصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هنا لأن النقود لا تولد نقوداً. وتضيف غانم أن رئيس تحرير صحيفة “لوجورنارل دي فينانس”، رولان لاسكين نادى بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد للأزمة المالية التي تمر بها أسواق العالم، وأشارت إلى أن مجلس الشيوخ الفرنسي دعا إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا وقال في تقرير أعدته لجنة تعنى بالشؤون المالية في المجلس أن النظام الإسلامي المستمد من الشريعة الإسلامية مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين.” (6)

خاتمة

        على ما يبدو هذا غيض من فيض بحسب ما تطالعنا به الاخبار يوميًا على الأقنية الاخبارية والمواقع الالكترونية، ويبدو أن جلّ ما يريده  الذين يعدون هذه الدراسات في الغرب هو جذب الاستثمارات الإسلامية الضخمة في العالم، بينما يسعى البعض عبثاً إلى معرفة بواطن القوة في هذا النظام الاقتصادي الإسلامي لمحاربته.

لكن وعلى الرغم من الحملة المبرمجة على الإسلام في هذه الايام لتشوية صورته امام العالم. فإن مصالح الدول الكبرى والنامية جعلت كبار الاقتصاديين في العالم ورجال السياسة على إثرهم، يذعنون للنظام الإلهي الذي فرضه الله تعالى على الناس، إذ تبين لهم أنه لا مناص من ذلك وهذا هو سر هذا الدين. فكلما اعتقد الهدامون انهم نجحوا في مقاصدهم سطع نوره وكأن شيئًا لم يكن.

__________________________________

* عضو الهيئة العامة لمنتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان.

الهوامش:

1- انظرالرابط التالي: http://arabic.cnn.com/business/2014/06/30/islamic-finance-introduction

2- انظرالرابط التالي:  http://arabic.cnn.com/business/2014/08/13/taj-russia-islamic-finance

3- انظر الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2014/8/14/بنوك-روسية-تدعو-لاعتماد-التمويل-الإسلامي

4- انظر الرابط التالي: http://arabic.cnn.com/business/2014/07/12/islamic-sukuk-new-story

5- انظر الرابط التالي : http://arabic.cnn.com/business/2014/07/21/india-islamic-banks#216

6-  انظر الرابط التالي:  http://arabic.cnn.com/business/2014/08/14/jordan-quran-islamic-banking