لا يأس مع الإيمان

أ. صلاح سلام

كان للمواعظ في أيام دراستنا الابتدائية، آثارها العميقة في نفوس فتيان الجيل الذي أنتمي إليه وفي صلابة إراداته. كانت تأتينا في سلسلة من القصص المعبرة والتجارب المؤثرة مدعمة بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والأبيات من الشعر والمنثور من الحكم.

من تلك المواعظ أذكر قصة الاسكندر وحصار مدينة صور الذي طال، والدرس في الصبر والتضحية الذي تعلمه القائد الإغريقي من الجسر الذي شبكه النمل المستميت بأجساده على سطح الماء كي يصل الناجون منهم إلى إناء العسل.

ومن العبر قصة الأسير المظلوم الذي تمكن من النجاة بعد أن أمضى شهوراً وهو يحفر بمفتاحه في جدار السجن حتى تمكن من فتح ثغرة إلى الحرية.

دوافع عدة تحفّز الانسان وتحضّه على الصبر والمثابرة، منها حب البقاء والتوق إلى الحرية، والشوق إلى الأهل وإلى الأولاد والأحبة، وتعلق الانسان ببيته وأرضه وبلده. وكل هذه الآمال قد تنقطع في لحظة يأس، إلا أن دافعاً واحداً يشد العصب ويشحذ الهمم وتهون عنده التضحيات، إنه الإيمان بالله تعالى.

هو اليقين بأن ما نقوم به يوافق ما أمر الله به، وأن الله يعين على الخير والصواب وعلى الحق والعدل، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن الانسان وإن ضحى بنفسه وبذل روحه، فإنما يقضي هذه الحياة الدنيا وأنه سيبعث من جديد وسيحيا حياة طيبة خالداً فيها، تجمعه مع من يحب. هناك يُقتص من كل غاصب وظالم ويُعوض لكل مقهور ومظلوم.

قال صلى الله عليه وسلم:”وأن النصر مع الصبر”، لكن النصر غالباً ما يتأخر حتى يكاد اليأس يهيمن على القلوب، كما وصف الله تعالى حال المؤمنين في سورة الأحزاب: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا لكن النصر لا بد آت لقول الله تعالى في سورة يوسف: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

ولربما كان تأخر النصر لحكمة يريدها الله تعالى، لعلها ترسيخ القلوب على التقوى أو تصويب النوايا صدقاً وإخلاصاً لله دون سواه، واعتماداً على الله دون غيره، أو مكراً بأهل المكر فيزيدهم تورطاً فيخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. أو أن الله تعالى يريد للناس أن يقدروا ثمن النصر العزيز فلا يفرطوا بمكتسباتهم إذا بلغوها، ولا يلتفتوا إلا للمولى الذي أنجدهم بالنصر. ولئن كان الصبر من جلد الناس فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.