المجالس الطيبة

رئيس التحرير

 العدد الخامس والثلاثون – خريف 2015

 

حين نعود بالذاكرة إلى الوراء لبضعة عقود، نكتشف أننا قد فقدنا إرثاً هاماً وتقليداً عريقًا، التهمته الحرب، ألا وهو المجالس الراقية، حيث كان أهل العلم والذوق والأدب والمعرفة يتصدرون ويتجاذبون أطراف الحديث، فيدلي كلٌ بِدَلْوِه، بقصة معبرة أو ببيت من الشعر مستشهدين بآية كريمة أو بحديث شريف. وإذا الشيء بالشيء يذكر، فتتفتح قريحة أحدهم عن شعر أو سجع، ويستذكر آخرٌ قصة لا تخلو من الطرافة تناسب الموضوع،ويخرج الجمع من المجلس وقد علا السرور الوجوه، وانشرحت الصدور، فاتعظ الجاهل، واستيقظ ضمير الغافل، وتعلّم الصغير، وازداد احترام الناس للمسنّووقارهم للمحدث وقويت الألفة وشاعت المحبة.

 بات من النادر أن يحظى بعضنا بصحبة طيبة كهذه، ويندر أن تفتح القنوات الفضائية شاشاتها لمثل هذه الأندية. وشتان بين مجلس يتبادل جلاسه حديثاً يرقى بالأنفس ويهذب المشاعر وتتفتح له مدارك العقل ويبلور القيم، بعبارات رقيقة راقية تطرب لها الأذن ويهتز منها القلب، وبين مجلس يختلط فيه أهل الغفلة بأهل المعصية يتصدره أثرياء الحرب وأمراؤها، تُتبادل فيه التهم ولا يخلو من الهزء والسخرية والبذاءة والفحش والغيبة والنميمة، ولا يسلم من ألسنة هؤلاء إلا من رحم الله. ومن خرج من هكذا مجلس خرج وقد قسا قلبه وتكدر مزاجه وثبطت عزيمته وازداد يأسه.

هل يمكن إعادة إحياء مثل تلك المجالس الطيبة؟ ممكن طبعاً، ومن بحث عنها لا بد أن يجدها، ومَثَلُها كمثل الحلوى الطيبة المذاق لا يعرف قدرها إلا من تذوقها، وأولادنا بحاجة ماسة إليها فهم على خطر عظيم. فهل من سائل جاد؟ وهل من عاقل يكترث لتوجيه أولاده ورفاقهم؟ وهل من مستعد لأن يفتح بيته للنور ولو لساعة في الأسبوع؟