المواطنة محك الوعي والقيم والأخلاق والإيمان

ع.د. محمد فرشوخ

العدد السابع والثلاثون – ربيع 2016

جلس الحكيم يستمع إلى امتعاض الشباب مما جرى بالأمس في شوارع العاصمة والضواحي: شتائم متبادلة وقطع طرقات وإشعال إطارات، وشعارات وسفاهات، أصغى وتابع وبدت على وجهه إمارات التأثر، فطلب من الحاضرين الهدوء وشرع يشرح تباعاً، فقال:

” الوطن هو محل إقامة المواطن وحماه، هو مرقد الأجداد، ومرتع الطفولة والصبا، والأمل بالاطمئنان إلى مكان آمن تعيش فيه ذريته بعد ذلك. هو مجموعة الأرض والكيان السياسي والقاطنين فيه. يتمتع المواطن فيه بحقوق رئيسية ثلاثة: أولها حرية الفكر والتعبير والحرية الدينية، وثانيها الحقوق الاجتماعية بالتملك والإقامة والتنقل والعمل والأمن، وثالثها الحرية السياسية بحيث يحق له المشاركة في التصويت وفي إدارة الشان العام للبلاد وفي الترشح للوظائف العامة.

في المقابل تترتب على المواطن واجبات تجاه الدولة وتجاه بقية المواطنين، فيتعهد المواطن بالولاء للدولة (الكيان) وليس لدولة أخرى أو لتجمع خارجي آخر وبالالتزام بقوانينها، مقابل الحماية والحرية التي تؤمنها له. وأما تجاه بقية المواطنين فالمواطنة تفترض احترام حقوق الآخرين وحرياتهم وشعائرهم لأن الأمر متبادل، ولا احتكام خارج إطار الدولة ومؤسساتها.

تتعهد الدولة بالمقابل بتأمين المستلزمات الضرورية للمواطن مثل حق التعليم والضمان الصحي والاجتماعي والأمن والحد الأدنى من الغذاء الضروري لأدنى الطبقات الاجتماعية، وتكافؤ الفرص في العمل والتقديمات. دونما تمييز تِبعاً للدين أو اللون أو العرق او المستوى الاجتماعي والاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري.

صحيح أن العلاقة بين المواطن والدولة هي علاقة ثقة، تضعف سلباً أو تقوى إيجاباً بحسب قدرة كل من الطرفين على الوفاء بالتزاماته. لكن لا ينبغي للمواطن الصادق أن يخلّ بالقيم مهما جرى لأن الدولة بأشخاصها متغيرة، أما استقرار المجتمع وأمنه وأمور معيشته فهم من ضروريات حياته، وينبغي بالتالي المحافظة عليهم في كافة الظروف لأن تغيرهم يؤدي إلى عواقب قد يصعب ترميمها وتعويضها لاحقا.

المفهوم القومي للمواطنة يعني الولاء وحب الوطن وخدمته بإخلاص والتعاون والمشاركة في الأمور العامة وفي حفظ أمنه وسلامة منشآته العامة والخاصة، وبالتالي فإن الولاء لدولة أخرى هو نوع من أنواع الخيانة وقد يجر صاحبه إلى ازدراء الناس له وإلى ارتكاب ما يعاقب عليه القانون.

وأما المفهوم الأخلاقي والحضاري للمواطنة، فيعني السلام والتسامح والمساعدة واحترام ثقافة الآخرين وتقديرها وحسن الجوار والتعايش مع بقية المكونات الاجتماعية في الوطن.

من الأمثلة على الإخلال بالمواطنة: سرقة أعمدة وكابلات الكهرباء والهاتف، سرقة أو إتلاف ممتلكات عامة، سرقة السيارات، تهريب الآثار الوطنية، إختلاس أموال من مؤسسات عامة أو خاصة، سرقة مواد بناء، التعدي على دور عبادة الآخرين، قطع الطرق وإعاقة مرور الناس، خطف الناس وطلب الفدية، التعامل والتخابر مع جهات أجنبية وتنفيذ مآربها على حساب الأمن الوطني.

أيها الأحبة:”حب الوطن من الإيمان”، كما ورد، والتعلق بالأرض سنّة شريفة، جاء في السيرة النبوية الشريفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجبر على مغادرة مكة المكرمة، قال: ” ما أطيبك من بلدٍ وأحبَّكِ إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”، والشوق إلى الوطن شعور سامٍ يظهر صدق الولاء، روي أن اصيل الْهُدَلِيّ قَدِمَ مِنْ مَكّةَ، إلى المدينة حيث هاجر النبي وأصحابه، فَسَأَلْته عَائِشَةُ: كَيْفَ تَرَكْت مَكّةَ يَا أُصَيْلُ؟ فَقَالَ: تركتها حين ابيضّت أباطحها، وأحجن ثمامها، وأعذق إذْخِرَهَا، وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- وقال: لاتشوّقنا يَاأُصَيْلُ، وَيُرْوَى أَنّهُ قَال َلَهُ: دَعْ الْقُلُوبَ تَقَرْ(1).

والولاء للوطن يعني الولاء للأرض عمارة وزراعة وتطويرا، وللمواطنين إحساناً وتسامحاً وغفراناً وتعليما ، وللقانون التزاماً واحتراما، وللسلطة طاعة فيما يحفظ على البلاد أمنها ومواردها وازدهارها.

المسلم وغير المسلم هم إخوة في الإنسانية وإخوة وشركاء في الوطن، ولا تستقر الأوطان ولا تنعم بالأمن والرخاء إلا إذا التزم كل منهم بحفظ حياة الآخر وكرامته ومعتقده فلا تقدم الطائفية ولا العرقية على سلامة الوطن.

كذلك فإن للأجانب المقيمين على أرض الوطن بصورة شرعية وللزائرين والسياح منهم حق على كل مواطن لأن تأشيرة دولتنا على جوازات سفرهم هي بمثابة عهد أمان لهم يحفظ عليهم أرواحهم وممتلكاتهم وحرياتهم ويضمن لهم سلامتهم، ويلزم المواطنين بعدم التعرض لهم. وحق للدولة ان تلاحق المخالفين وتقتص منهم.

أردف الحكيم قائلاً: ” علموا أولادكم آداب المواطنة ومنها:

-الدعاء للوطن بالأمن والرخاء وسعة الأرزاق، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ»(2).

-يحل للمواطن السفر والترحال خارج الوطن طلباً للرزق على أن لا يخاطر بعائلته وألا يتخلى عن بيته وممتلكاته في موطنه.

-لا تحل الهجرة من الوطن إلا بصورة مؤقتة وفقط في حال التعرض للخطر فراراً بالدين أو بالنفس، والإقامة في وطننا رباط .

-أن يرسخ الأهل في أذهان أولادهم حب الوطن والتعلق بأرضه والتباهي بقيمه وأعرافه. وعياً وثقافةً وممارسة.

-احترام ثوابت اللغة والتاريخ والقيم والآداب العامة: كان السلف الصالح يعلمون أولادهم السيرة والمغازي أي التاريخ كما يعلمونهم السورة من القرآن.

-الوفاء بالالتزامات المادية والسلوكية تجاه الدولة وسائر المواطنين، فالدولة هي الحامي والمنظم والضامن.

-الطواعية والتطوع في خدمة الوطن وأبنائه بصورة فردية أو عبر الجمعيات الأهلية.

– احترام علم البلاد ونشيدها الوطني وعدم الاستهزاء بشخصيات رؤساء البلاد، كي لا تنتقص هيبة الوطن ولا يغتر العدو الخارجي من النيل من البلاد. وقد ورد:”لاتَدْعُوا على أمرائكم، فإنكم كما تكونون يُؤَمَّرُ عليكم”(3).

-عدم الاستجابة لإغراءات أعداء الداخل والخارج للإخلال بشيء من الثوابت والقيم والمؤسسات التي قام عليها الوطن.

-عدم التعدي على دور العبادة عند الآخرين، واحترام أعيادهم وأفراحهم وجنائزهم وسائر احتفالاتهم، وقد روي أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟»(4).

-عدم النيل من كرامة الآخرين واحترام خصوصياتهم الاعتقادية والاجتماعية والمناطقية، كاللهجة واللباس وطرق المعيشة ورموزهم الدينية وشعائرهم المذهبية.

-عدم الإساءة إلى اي أجنبي مقيم أو زائر، احتراماً لذمة السلطات الوطنية وعهدها له، وإظهاراً لقيم ديننا الحنيف لقول الله تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}.

ارتفع صوت الحكيم منبهاً: “إن إخلال الدولة احياناً ببعض التزاماتها لا يعني انفلات الحبل، وإشاعة الفوضى وتفلّت المواطن من التزاماته الوطنية. والأمر رهن بما رسخ لدى المواطنين من قيم ومثل عليا ومفاهيم وطنية راقية فالوطن هو البيت الكبير لكل مواطن ولكل المواطنين. ولا يجوز الانتقام من الوطن للثأر من أيٍ كان”.

“وإذا كان الأمن يقع على عاتق الدولة فإن الأمان يقع على عاتق المواطنين المتمسكين بالقيم الأخلاقية والمبادئ والمثل العليا الدينية والتربوية بمعزل عن كل الظروف السلبية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لقد مرّ الوطن من قبل بظروف صعبة غابت فيها سلطة الدولة عن بعض المناطق، لكن قيم المواطنين وأخلاقهم ودياناتهم جعلتهم يراعون حق الجوار وحرمة الأنفس”.

” كذلك،لا ينبغي للولاء للدين أن يتعارض مع الولاء للدولة التي تتيح حرية المعتقد وتحمي دور العبادة وتحقق الأمن والسلامة لمواطنيها. فالولاء للدين أساس للمعتقد ولراحة النفس والممارسة الانسانية الراقية وأما الولاء للوطن فأساس للطمأنينة وراحة البال ولاستقرار الوطن ومكوناته الاجتماعية ولحالته الاقتصادية والأمنية ولا بد للولاءين من أن يتكاملا حفاظاً على الوطن والمواطن”.

في الختام أوجز الحكيم كلامه فقال: “يا أحبتي إن الذي يسيء إلى وطنه ومواطنيه مخالف لشرع ربه وللقانون العام، مثله كمثل الذي يحفر تحت بيته بيده، إلى أن يخرّ بمن فيه، قد نسي هذا أن أولاده وهم يرون ما يقوم به من مخالفات وإساءات قد تحطمت لديهم المفاهيم والقيم، فالسرقة تبقى سرقة مهما غلّفتها العبارات والمبررات، فكيف يرضى بأن يربي جيلاً من الخارجين على القانون، مطلوبين للعدالة؟ وهل يعلم أنه يزرع الحقد والفوضى ليحصد أولاده النزاعات والفقر والحروب. أيها الأحبة، يقول الله تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. علموا أولادكم حب الوطن، وشددوا على احترامهم للمواطن وتقديرهم لعمل المؤسسات وحفظهم للمنشآت العامة والخاصة وقد علّمنا التاريخ أن المستقبل لا يكون إلا لأهل العلم والأخلاق والقيم”.  

__________________________

1- الروض الأنف ت الوكيل (5/ 44).

2- صحيح مسلم (2/ 1002) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.

3- فيض الباري على صحيح البخاري (3/ 403).

4- صحيح البخاري (2/ 85).