تذكرة سفر إيابًا فقط

One Way Ticket

 محمد فرشوخ

العدد الاول – ربيع 2007

 

ما إن جلسنا حتى بادرني صديقي القديم بالسؤال: ماذا تفعل في هذه الأيام؟

قلت: أستعد للسفر.

قال: خير إن شاء الله للعمل أو لتغيير الجو؟

قلت: لا هذه ولا تلك.

قال: ما علينا، متى ستسافر؟

قلت: لا أدري.

قال: تنتظر التأشيرة إذًا!

قلت: شيء من هذا القبيل.

قال: كم ثمن التذكرة؟

قلت: مجانًا.

قال: ذهابًا وإيابًا؟

قلت: ذهابًا فقط.

قال: يقطعون لك وان واي تيكيت؟

قلت: نعم.

قال: عجبًا لهذا الكرم المشروط! هل ستشتري حقائب حديثة ولائقة؟

قلت: لا حاجة لي بالحقائب.

قال: كم ستطول الإقامة؟

قلت: إلى ما شاء الله.

قال: ستشتري ثيابك من هنا أم من هناك؟

قلت: قطعتان من القماش تكفيان.

قال: عجبًا، على كل حال من تدبر لك هذه الرحلة؟

قلت: ليس الأمر بيدي.

قال: قلت لي أنك تستعد للسفر فكيف تستعد إذن؟

قلت: أحب حين أصل هناك أن يحسنوا استقبالي، ويحجزوا لي في أفخم الأماكن وأن يعاملوني برفق واحترام.

قال: طبعًا طبعًا كلنا نحب ذلك وهل من يُعامَل بغير هذه الطريقة؟

قلت: نعم كثيرون يتم استدعاؤهم فجأة ويُنتزعون انتزاعًا ويُساء استقبالهم ويُحشرون في أماكن غير لائقة.

قال: هؤلاء مجرمون إذن.

قلت: أنت تقول ذلك.

قال لي صديقي: أنت إذن تجري اتصالاتك منذ الآن لترتيب الاستقبال اللائق!

قلت: نعم.

قال: هل تعرف أحدًا هناك؟

قلت: أرجو ذلك وقد رتبت بعض العلاقات الطيبة مع أشخاص نافذين سبقوني إلى هناك.

قال: شاطر، إذن هناك واسطة؟

قلت: واسطة مشروطة.

قال: وما هو الشرط؟

قلت: سيرة ذاتية مقبولة.

قال: أفٍ، ما أقسى هذه الأيام، أينما تذهب يطلبون منك نسخة عن سيرتك الذاتية. على كل حال أكتب لهم فقط الجانب الجيّد منها.

قلت: مستحيل.

قال: لماذا، هل لديهم جواسيس؟

قلت: ننسى ولا ينسون. دقيقون أمينون يحصون.

قال: نعم نعم إنه الشرق الأوسط الجديد كله أجهزة وعملاء استخبارات! كم تحتاج من المال في هذه الرحلة؟

قلت: ولا ليرة.

قال: ماذا ستفعل بأموالك؟

قلت: سأتركها للأولاد.

قال: هم سيعطونك هناك إذن!

قلت: أرجو ذلك.

قال: من هو واسطتك أيها الشاطر؟

قلت: الذي اشترط عليّ أن أذكره كثيرًا وأن أذكر رسله بخير.

قال: بسيطة. دلّني عليه.

قلت: هو قريب جداً منك.

قال: لا تقل لي إنك تتحدث عن عمّنا الوجيه فلان.

قلت: عمّك هذا الله يستره من هذه الرحلة.

قال: سامحك الله ضيّعتني.

قلت: هداك الله ألم تفهم بعد؟

قال: آسف، أعتذر منك، لدي الآن موعد مهم، ما رأيك لو نلتقي يومًا ما ونعاود الحديث عن سفرتك هذه؟

قلت: أخشى أن يكون قد فات الأوان.

قال: لا يا شيخ، ما فات شيء: العمر طويل والأيام طيبة والصحة جيدة خلّيك متفائل.

سلّم عليّ صديقي وانصرف ووقفت أعاتب نفسي لِمَ لَمْ أكن معه أكثر وضوحًا؛ كان يكفي أن أردد على مسمعه قول الله عزّ وجلّ { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ }.