الصراع الخفي: صراع النفوس قبل التقاء الأجساد

ع.د. محمد فرشوخ

تفرّد الإسلام ومنذ ظهوره بالكشف عن القدرات الروحية للبشر، وأنعم الله تعالى على نبيه صلّى الله عليه وسلّم بعلوم لم يجاره بها أحد، كان من بينها ما بلّغه الرسول الكريم لبعض أصحابه، وصل إلينا منها أمثال حديث الجليس الصالح وجليس السوء، وحديث تعارف الأرواح قبل لقاء الأجساد، وحديث عروج روح المؤمن خلال نومه على طهارة، وحديث فراسة المؤمن، ولربما كنا علمنا المزيد عن علوم النفوس والأرواح لولا أن الله تعالى أمر نبيّه بإرجاع أمر الروح إليه وحده جلّ وعلا، فقال في سورة الإسراء: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)}.

فالأرواح يشم بعضها بعضا، فتستشعر الخير أو الشر، والمحبة أو العداوة قبل المواجهة، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما: يَا أَبَا حَسَنٍ، رُبَّمَا شَهِدْتَ وَغِبْنَا، وَرُبَّمَا شَهِدْنَا وَغِبْتَ، ثَلَاثٌ أَسْأَلُكُ عَنْهُنَّ، هَلْ عِنْدِكَ مِنْهُنَّ عِلْمٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ خَيْرًا، وَالرَّجُلُ يُبْغِضُ الرَّجُلَ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ شَرًّا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْأَرْوَاحَ فِي الْهَوَاءِ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَلْتَقِي، فَتَشَامَّ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»[1]. قال البغوي في شرح السنة: (فترى الْبر الْخَيْر يجذب مثله، والفاجر يألف شكله، وينفر كل عَن ضِدّه)[2]. وقال تعالى في سورة التكوير: {وإذا النفوس زُوِّجت}.

يتبين من هذا الحديث الشريف أن الأرواح تسبق الأجساد في اللقاء وتجسّ كل منهما الأخرى فإما أن تتقارب لوجود شيء مشترك بينها فإيمان أو كفر، وصدق أو كذب، واستقامة أو فسوق، وإما أن تتنافر لتعارض ما بينهما من ميول وأهواء. وهذا أيضاً حال فراسة الشرطي بالسارق، ورجل الجمارك بالمهرب، والمحقق بالمجرم، إلخ…

وبالتالي فإن مفعول المصافحة والابتسام وتبادل العبارات اللائقة قد لا يدوم إلا لبضع دقائق تظهر بعدها حقيقة المشاعر، فميل واستلطاف أو تنافر وكره أو لامبالاة واستخفاف.

وماذا ينبيء عن ذلك العلم الحديث والتجارب والأبحاث؟

إن صاحب الحدس القوي وخاصة الانسان الذي يتمتع بالصفاء الداخلي والذي لا ينغمس في الضوضاء والجلبة ولا يشغل نفسه بتفاهات الأمور، يملك أكثر من سواه قدرة على التمييز والتقدير، وما يسميه العرب الفراسة ويسميه المؤمنون البصيرة ويسميه الغرب الحاسة السادسة، إن هي إلا تسميات لمسمىً واحد هو القدرة الروحية على استشراف ما لم ينكشف بعد للعِيان. وهذه الميزة لا تتأتى لمن يخوض مع الخائضين، ويمضي وقته في اللهو والغفلة.

وكلما تقارب الجسدان المتناغمان أو المتناقضان كلما اشتد الميل أو التنافر أكثر بينهما. إلى أن يدخل كل منهما في ما يدعى بحيّز الآخر أو نطاقه أو هالته، بحيث يبدأ الصراع الخفي حتى قبل وقوع بصر الواحد على الآخر وقبل المصافحة وقبل الكلام.

وليس من الضروري أن يسيطر مؤمن على كافر ولا شرطي على سارق ولا محقق على متهم لمجرد امتلاك أحدهم الحق أو السلطة، فالمسألة هنا تتعلق بمن هو أصفى داخلياً وأقل انشغالاً بالصغائر، وأكثر تركيزاً على قضيته، يضاف إلى ذلك تجاربه السابقة وثقافته وقوة شخصيته.

وعلى عكس المتوقع فإن بعض جلساء السوء يرتاحون إلى مجالسة الصالحين بحيث يلقون بقذاراتهم النفسية عليهم ويستمدون منهم ولو لفترة وجيزة بعضاً من صفائهم وسكينتهم وطاقتهم الإيجابية.

فالانسان الصادق والصافي يشعر عند الاقتراب من الفاسق والفاجر والكاذب بضيق في الصدر وبتعكر في المزاج، والعكس صحيح فالعاصي والمرتكب يشعر بالراحة حين يجاور المؤمن الصافي والصادق، فيلقي العاصي على الصافي بعض رجسه ويمتص منه بعض طاقته وصفائه.

ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً “[3] ، والغلبة تكون عادة للرائحة الكريهة ولجليس السوء، ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين باجتناب الجلوس مع الطغاة والأشرار والملحدين فقال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }، وقال: {فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [الأنعام: 68]. وقال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) } [السجدة: 30].

مما يحتم ضرورة تحصيل القدر الكافي من العلم وتحصينه بالطاعات قبل مجالسة المتمرسين بالكفر والزندقة، الضالعين بالفسوق والمتلهين بإغواء الناس، حتى لا ينقلب الأمر على المؤمن، فيتأثر بالمجالسة ويرى أثر ذلك سلباً في فتور همته وضعف يقينه وتقاعسه عن أداء فرائضه.

تفاعل النفوس وحركة الأجساد هذه لا يكتشفها إلا أصحاب النظرة الثاقبة والخبرة الطويلة والقادرون على تركيز انتباههم على ما هو غير عادي في جوارهم. تماما كما يفعل المهرة من الأطباء الذين يتفرسون في وجوه مرضاهم وأجسادهم قبل الكشف عليهم، باحثين عن عوارض المرض وآثاره عبر العلامات غير الاعتيادية البادية على أعضاء الجسد.

أما من تشعبت به الأهواء فلا يعرف طعم الصفاء، ويفقد قدرته على التركيز، ويتلهى بما يظهر ويفوته ما يخفى. ومن أجمل ما ينطبق على هذا الوضع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “…وإن المنافق إذا ابتلى ثم عوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه لم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه”.

 



[1]  المعجم الأوسط للطبراني، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ. وروى مسلم قريبا منه في الصحيح عن قتيبة. ومثله البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن مسعود في شعب الإيمان.

[2]  شرح السنة للبغوي (13/ 57)

[3]  عن أبي موسى الأشعري، متفق عليه.