البحر المسجور واتساع قاع البحر

يقول الله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور) (الطور 6)، وفي سنن أبي داود “لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً” الحديث… وروى الإمام أحمد بسنده عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم فيكفه الله عز وجل” وقال سعيد بن المسيِّب: قال علي ـ رضي الله عنه ـ لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر.. قال ما أراك إلا صادقا. وتلا: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور). (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَت) (التكوير: 6).

يقسم رب العالمين في كتابه المبين قائلا: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور).. والقسم عظيم لأن المقسم هو الأعظم، لذا اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى:(الْمَسْجُورِ) فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة ناراً كقوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)، وقال قتادة: المملوء، وقال مجاهد: الموقد, وقال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش: بأنه الموقد المحمي بمنزلة التنور والمختلط فيه الماء العذب بالماء المالح… والمتأمل يرى أن القسم يأتي في السياق القرآني مشيرًا إلى صفة ملازمة للبحر وهي أنه مسجور. وأنواع المقسم عليه في صدر سورة الطور يدل على أنها واقعة في الحياة الدنيا، يقول تعالى:(وَالطُّورِ . وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ . وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ . وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (الطور: 1 ـ 6).

وقد أثبت العلم في سنة 1962 أن قاع البحر يتسع من منتصفه، واتساع البحر صفة تلازم بحار العالم اليوم، وأحدث محيط وهو البحر الأحمر الذي يسمى المحيط الوليد (Baby Ocean) يتسع قاعه منذ نشأته باستمرار، ويبلغ معدل اتساعه السنوي حاليًا 4 ـ 6 سم. والمعروف بالمشاهدة أن الحمم تصعد، من تحت البحر، من عند الأماكن التي يتسع فيها البحر، وتبرد وتكون قاع البحار. ومن المؤكد أن تحت البحر ناراً كما أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن المعلوم لدى علماء الجيولوجيا والبحار أن البحر الأحمر لم يكن له وجود في الزمن الماضي وكانت أرض العرب وأرض أفريقية قطعة واحدة تشكل يابسة تسمى الأرض العربية النوبية, ثم خسفت الأرض عبر الخط الذي يمتد بمحاذاة منتصف البحر الأحمر الحالي. ومدت الأرض من هذا الموضع، وتصدعت وأخذ الخسف يكبر شيئا فشيئاً، وصاحبه هبوط الأرض، واتصل جوفها بسطحها، وصعدت الحمم من باطن الأرض، وبردت الحمم لتكون أول جزء من قاع البحر، وكانت تلك اللحظة شهادة ميلاد البحر. ومنذ تلك اللحظة والبحر يتسع باستمرار من منتصفه، ومنذ تلك اللحظة لا يتوقف صعود الحمم، ويظل البحر مسجوراً بالنار من منتصفه.

ومن الجدير بالذكر أن القرآن سبق العلوم الحديثة في التفرقة بين البحار والمحيطات والذي ماء كل منهما مالح. فالمحيط يقينًا هو البحر المسجور الممتد قاعه من عند منتصفه. وبناء عليه فالبحر الأحمر هو أحدث محيطات الأرض تكونًا لأنه مسجور, بينما البحر الأبيض المتوسط على سبيل المثال ليس محيطًا لأنه ليس ممدودًا من منتصفه. وهكذا يفتح باستمرار في أثناء نمو قاع البحر باب يصل بين جوف الأرض وسطحها، وما الباب إلا شق في وسط البحر… ومنذ نشأة المحيط والشق يتسع بقدر, ولن يغلق ذلك الباب إلا إذا تقاربت حافتا ذلك الشق، ولذا فقد سبق الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ علماء اليوم حينما صدق على جواب اليهودي على: أن جهنم البحر حينما قال اليهودي البحر. ولن يتسع البحر إلا إذا كان مسجراً من منتصفه.. وحال البحر هو ما وصفه بعض المفسرين بأنه موقد محمي بمنزلة التنور المسجور. وتركيب صخور قاع البحر أشبه في بنائها بكفي اليد المبسوطتين المتباعدتين باستمرار، والفرجة بين الكفين المتباعدين تمثل المنطقة التي يتسع قاع من عندها البحر باستمرار.

ولسوف تتضح تلك الإشارة العلمية للبحر المسجور في القسم القرآني بصدع الأرض. وقد أصاب مترجم معاني القرآن الكريم حينما ترجم (المسجور) بما يفيد التمدد في قوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ).

الحقيقة المؤكدة أن قاع البحر مسجور، والدليل على ذلك حيد وسط المحيط.

وترجع قصة اكتشاف حيد أو حافة وسط المحيط إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تمكن دارسو المحيطات من قراءة خرائط تضاريس قاع البحر، وكم كانت دهشة العلماء وهم يكتشفون سلسلة جبال تمتد من شمال إلى جنوب المحيط الأطلسي بمحاذاة منتصف المحيط. وكان اكتشاف تلك السلسلة شيء غريب، فبينما كان من المتوقع أن يكون القاع أعمق ما يكون من عند منتصف قاع البحر،إذا بنا نجد القاع يحيد عن الانخفاض ويرتفع مكونا ما يشبه الدرع, وكان المثير حقا وجود تلك السلسلة الجبلية في جميع محيطات العالم، وأقرب تشبيه له أنه (مطب) يمتد عند منتصف قيعان المحيطات، يحيط بالكرة الأرضية، ويزيد طول السلسلة تلك عن 80 ألف كيلو متر، وعرضه يزيد عن 1500كم، ويعلو قاع المحيط بمترين أو ثلاثة أمتار، ويغطي حوالي 20% من سطح الأرض في قيعان بحار اليوم. والأكثر عجبا أن تلك السلسلة يشطرها وادي خسيف عميق على شكل أخدود عمقه 1 ـ 2كم, وعرضه عدة كيلومترات. ولوحظ وجود شقوق في قاع ذلك الوادي الخسيف يفيض منه البازلت ويملأ قاع الوادي. ويمثل الوادي الخسيف حافة تباعد بين قطعتين (لوحين) من قطع الغلاف الصخري.

وعند المنطقة الناتجة من تباعد القطعتين المتجاورتين يسجَر قاع البحر بالنار(الحمم). ولا يكون البحر بحراً إلا إذا كانت حالته أنه مسجور. ولم يكتشف أن قاع البحر منشَطر من منتصفه بواسطة العلماء الفرنسيين والأمريكان إلا في سنة 1974م باستخدام غواصة أبحاث صغيرة تمكنوا من الغطس بها في وادي الخسف في المحيط الأطلسي.

والآن لنتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً”. حقًا البحار مسجورة من منتصفاتها، ولكن بالقدر الذي يسمح لها بالوجود إلى أن يأتيها الأمر فتسجر وتفجر (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) (التكوير: 6)، (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) (الانفطار: 3). وحينئذ ستمد الأرض مداً من منتصفات قيعان البحار, وتصعد الحمم من عندها فتملأ البحر ناراً وحينئذ تسجر البحار، وتمد البحار من منتصفاتها فتخرج أثقال الأرض, وحينئذ تفجر البحار ويكون قد تحقق قوله تعالى: (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ . وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) (الانشقاق: 3 ـ 5).

__________________________________

* للراغبين بمتابعة البحث بكامله مع الرسوم التوضيحية مراجعة الموقع www.eajaz.org