الإسلام والطب يحاربان الضوضاء ورفع الأصوات

الدكتور محمد نزار الدقر*

 

        قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (سورة الإسراء الآية 36).

ينشأ الصوت عن حركة اهتزازية على درجات مختلفة (1). والآذن تسمع الأصوات التي يكون مقدار اهتزازاتها ما بين 16 ـ 20 ألف هزة /ثانية، وما زاد عن ذلك لا يسمع، لأنه يحدث اضطراباً في الأذن وشعوراً مزعجاً غامضاً. ويعرف العالم ” زيلر” الضوضاء بأنها الأصوات التي تحدث اضطراباً ويمكن القول بأن الأصوات العالية تحدث اضطراباً أكثر من المنخفضة، والأصوات الحادة أكثر خطورة من الغليظة، وكذا الأصوات غير المنسقة أكثر من الأصوات جيدة التلحين.

ولا شك بأن الضوضاء هي إحدى أسباب التوتر النفسي والقلق في المجتمعات (2) خاصة بعد انتشار الراديو والتلفيزيون ومكبرات الصوت ووسائل النقل وغيرها من وسائل الضجة. لكن الضوضاء لم تعد مشكلة نفسية فقط، بل أصبحت مشكلة جسمانية فهي تؤثر على أعضاء السمع وعلى أعضاء الجسم مجتمعة .

ففي بحث نشرته المجلة الطبية العربية (3) قسمت الأضرار الناجمة عن الضجيج إلى :

أولاً: أضرار لها علاقة بالسمع: منها ضعف سمع عصبي مؤقت تختلف درجته حسب نوع الضجيج وشدته ومدة التعرض له يرافقه طنين في الأذن. ومنها ضعف سمع عصبي دائم يحدث نتيجة التعرض المديد للأصوات العالية، وقد يحدث انثقاب غشاء الطبل وتحطيم عظيمات السمع نتيجة التعرض للإنفجارات المفاجئة. 

ثانياً: آثار ليس لها علاقة بالسمع: منها الانزعاج المفرط من الضجيج والقلق والإرهاق واضطرابات نفسية وسلوكية منها العصبية المفرطة وعدم الاستقرار والإحباط والاكتئاب وغيرها. وقد يصاب ببعض الاضطرابات القلبية الوعائية كخناق الصدر وارتفاع الضغط. ولعل من أهم النتائج تراجع الإنتاج والتهرب من العمل.

وبرهن د. هيلدنج أن سبب الصمم يرجع إلى تأثير الأصوات العالية على عضو كورتي الموجود في الأذن الباطنية وأن التعرض المديد لبضع ساعات كل يوم يؤدي إلى أضرار في بعض أعضاء الأذن الباطنية. وتؤثر الضوضاء على مختلف مراكز المخ ووظائفه وبالتالي يمتد تأثيرها إلى الجوانب العضوية كلها .

يقول د. أحمد شوقي الفنجري: ” ومن أخطر الأمور في حياة الإنسان ألا يأخذ حظه من الراحة والنوم بسبب الضجيج، فهو أحد عوامل الإجهاد الذهني والعصبي وأحد معوقات الإنتاج والعمل. والضوضاء من أهم أسباب انتشار الأمراض النفسية ـ العصبية، وأكثر الناس تأثراً هم أصحاب المهن الثقافية والفنية، وكلما ثقل رأس الإنسان بالعلم والمعرفة كان أكثر حاجة من غيره إلى الهدوء والراحة حتى ينتج لمجتمعه من علمه وفكره .

ويعلم الرياضيون أيضاً أن تناسق حركات الجسم يستلزم قدراً كبيراً من التركيز و لا يتسنى لهم الحصول عليه ضمن أجواء الضجيج .

وينقل د. سلطان أن الأبحاث الغريزية أثبتت أن التعرض المديد للضجيج يسبب ازدياداً في عملية الاستقلاب والهدم وارتفاعاً في الضغط وازدياداً في التوتر العضلي، ولها تأثيراً سيئا على رجولة الرجل وأنوثة المرأة ، ومجموع هذه الاضطرابات يدل على أضرار تلحق الجهاز العصبي اللاإرادي بشكل حاد نتيجة الضجيج .

ومن أجل درء الخطر الناجم عن الضجيج خصصت هيئة الأمم أسبوعاً في العالم كله لمحاربة الضوضاء وجعلت شعارها في ذلك الأسبوع ” الهدوء ذوق وأخلاق والضجة جهل وتخلف ” يمتنع فيه عن استعمال الزمور العالي ورفع صوت المسجلات والمكبرات والراديو وسواها .

وتعاليم الإسلام الحنيف التي جاءت لسعادة البشر في دنياهم وآخرتهم جاءت لبناء حياة رغيدة ومجتمع هادئ لا يعرف الضوضاء، عكس ما يفعله المسلمون اليوم في كل مفاصل الحياة(4). وقد وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ” عباد الرحمن ” بمشيتهم الهادئة بلا استكبار ولا جبروت، يتعاملون بالرحمة فيما بينهم ولا يؤذون الناس بضجيجهم ورفع أصواتهم. قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (سورة الفرقان).

والمجتمع الفاضل الذي يدعو إليه الإسلام لا ترتفع فيه الأصوات العالية دون مبرر والتي توتر الأعصاب. وقد جاء  الأمر القرآني أن يلتزم المسلم بالسكينة والوقار في مشيته، ولا يصخب رافعاً صوته. وشبه النص القرآني مستنكراً رفع الصوت، من يرفع صوته دون حاجة بالحمار. قال تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (سورة  لقمان).

فلا مبرر لرفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع، هذه هي القاعدة الشرعية، وقد اعتبر القرآن الكريم خفض الصوت في المجالس من التقوى.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (سورة الحجرات).

فما كان مطلوباً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون مطلوباً أمام كبير القوم من أبٍ وأستاذ ومرب أو شيخ، ومن ثم يتعودها المسلم في حياته فيكون خفض الصوت من سماته وكذا عدم إثارة الصخب والضجيج. وقد عاب القرآن على بعض الأعراب مناداتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الجدار وقلة ذوقهم في رفع أصواتهم. قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (سورة: الحجرات).

ولقد نهى الشارع الحكيم عن الضجة والصخب ورفع الصوت في كل أنواع العبادات في مجتمع الإسلام. وعندما أراد رسول  الله صلى الله عليه وسلم اختيار طريقة لتبليغ الناس دخول وقت الصلاة استشار أصحابه في ذلك ورفض اقتراحات بعضهم باستعمال الناقوس أو الطبول أو الأجراس، واختار الأذان بصوت الإنسان لأنه أدعى إلى الهدوء والسكينة والبعد عن الصخب، وطلب تلقينه بلالاً لأدائه لأنه أندى صوتاً !

وعند أداء المسلم لصلاته أمره الشارع ألا يرفع صوته بأكثر من المطلوب وفي حد متوسط مقبول . قال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} .

وكره النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة خارج المسجد فقال: “ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة. فقال : لا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما سبقكم فأتموا”. (رواه البخاري).

والهدي النبوي في الدعاء واضح في النهي عن رفع الصوت أكثر من حاجة المستمعين لما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً “. (رواه البخاري ومسلم).

كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت أثناء تلاوة القرآن في المساجد لئلا يؤثر بعضهم على قراءة البعض الآخر، إذ لا يمكن أن ينعم المصلي بالطمأنينة والخشوع وسط أجواء صاخبة. فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض في الصلاة ” (أخرجه الطبراني وأحمد في مسنده) ورواه البغوي بلفظ: ” إذا كان أحدكم في صلاته فإنه يناجي ربه فلينظر أحدكم ما يقول في صلاته ولا ترفعوا أصواتكم فتؤذوا المؤمنين “.

هذه وصايا ديننا الحنيف ، دين الحياة الهادئة البعيدة عن الصخب والضجيج . وأما ما يفعله جهلاء المسلمين من رفع مكبرات الصوت في المآذن والمساجد والحفلات والمآتم إلى أكبر مدى، سواء في قراءة القرآن أو غيره، فليس من البر أو التقوى في شيء، بل أنزل القرآن العظيم ليقرأ بهدوء وطمأنينة وتدبر ليفهم وليطبق.

وإذا كان الإسلام ينهي عن إحداث الضوضاء في عبادته، فما بالك بهؤلاء الذين يحدثون الضجة بغير هدف سوى التلذذ والتمتع بإيذاء الناس بصراخهم أو إطلاق زمور سيارتهم، أو رفع مكبرات الصوت لمذياعهم أو آلات التسجيل وسواها وإزعاج جيرانهم على سماع ما لا يريدون، كل هذا تعدِّ على الحرية الشخصية التي احترمها الإسلام وأقرتها الشرائع الدولية، وخروج على تعاليم الإسلام ورسالة المآذن والمساجد في التبليغ والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة .

ثم ألا يعلم هؤلاء الذين يحدثون الضجيج، كم من مريض في البيوت يحتاج إلى الراحة والنوم، أو شيخ مسن مضطرب في نومه، أو من طالب علم يحتاج إلى الدراسة والمذاكرة. إن مثل هذه الضوضاء ورفع أصوات المكبرات لا تتنافى فقط مع الذوق السليم والإحساس بالمسؤولية، بل هي ضد الدين والمبادئ والأخلاق علاوة على إحداثها للعديد من الآفات والعاهات الصحية في المجتمع.

ـــــــــــــــــــ

* اختصاصي بالأمراض الجلدية والتناسلية والعلاج التجميلي دكتوراه ” فلسفة ” في العلوم الطبية سوريا ـ دمشق.  وللراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.55a.net

مراجع البحث :

       1.          د . محمد خالد سلطان : ” الطب والشريعة ” رسالة جامعية دمشق 1985

       2.          د. أحمد شوقي الفنجري : ” الطب الواقائي في  الإسلام ” الهيئة المصرية العامة للكتاب.

       3.          د. محمد المصري وآخرون : مقالة ” مخاطر التعرض للضجيج والأصوات العالية ” المجلة الطبية العربية دمشق ع 137 كانون 1، 1997

       4.         الصيدلي عمر محمود عبد الله : ” الطب الوقائي في الإسلام ” الدوحة 1990