الدود يشفي الأحياء ويأكل الأموات

بروفيسور محمد هاشم عبد الباري

 

كلما هرمت المجتمعات الإنسانية كلما كانت أعداد المرضى الذين يعانون من الجروح المزمنة التي يمكن إرجاعها إلى أمراض مثل السكري وأمراض الأوعية الدموية السطحية في ارتفاع. إن ذلك يشير إلى تأثيرهم الجوهري على نظام الرعاية الصحية بسبب الاهتمام المتأصل المطلوب وتكاليفه المرتبطة به.

ولا يتقدم الجرح المزمن خلال الأطوار الأربعة المتداخلة لالتئام الجروح. ولكن بدلا من ذلك فانه من المألوف أن يتوقف عند طور الالتهاب، بسبب وجود النسيج المتحلل وأنقاض النسيج الميت والتلوث. إن أسس العلاج التقليدية للجروح الحادة والمزمنة تتضمن تنظيف وتطهير الجرح ووضع الضمادات. ويتضمن تنظيف وتطهير الجرح إزالة الأنسجة الميتة والإفرازات والمواد الغريبة والبكتريا بدرجة تسمح بحدوث المراحل الطبيعية لالتئام الجرح. إن استعمال المواد الضمادية يمنع التلوث الموضعي لمكان الجرح ويساعد على التخلص من الافرارازات ويمنع العدوى.

ولقد تفانت بحوث كثيرة لتطوير براعات وتقنيات لزيادة وتعزيز وحث أو استعجال عملية التئام الجروح، متضمنة عوامل لنمو المحفزات المناعية غير المتخصصة أو عوامل مساعدة، ومنتجات الأنسجة المهندسة، والعلاج بالأكسجين المضغوط Hyper baric oxygen therapy ، والعلاج بالضغط السالب Negative pressure wound therapy . وكطريقة بديلة للجراحة فان العلاج بتنظيف وتطهير الجرح بالديدان Maggot debridement therapy أظهرت أنها تعطى تنظيفًا وتطهيرًا سريعًا وفعالاً للجروح المزمنة وعلى ذلك فإنها تحث وتستعجل عملية التئام الجرح وتقلل التكاليف الإجمالية للعملية.
نظرة تاريخية

إن استخدام الدود في لأم الجروح قد تم توثيقه جيدًا عبر القرون في ثقافات مختلفة بما فيها التراث الصيني. إن الآثار النافعة لاستخدام يرقات الذباب في الجروح لوحظت للمرة الأولى بواسطة أمبرويز بارى في عام (1517 – 1590). وعندما كان يعالج جروح المعارك في جيش نابوليون لاحظ رئيس الجراحين البارون دومينيك لارى 1829 أن الديدان أدت إلى زيادة تكوين النسيج المحبب granulation . وأول تطبيق سريري للعلاج بالديدان كان قد أجري بواسطة كل من ج. ف. زخارياس JF Zacharias وج. جونز J. Jones عام (1861-1865) خلال الحرب الأهلية الأمريكية. وفيما بعد قام جراح العظام ويليام بير William Baer عام 1928 خلال الحرب العالمية الأولى بتهذيب التقنية باستخدام ديدان معقمة لمنع تلوث الجرح بالديدان.

ولقد أصبح العلاج بالدود أكثر شعبية وشيوعًا بطريقة متزايدة، واستخدم بتوسع لعلاج الجروح المزمنة الملوثة عبر أمريكا وأوربا خلال ثلاثينات القرن العشرين. فلقد استخدم ذلك العلاج حتى منتصف الأربعينات في أكثر من 300 مستشفى في الولايات المتحدة.
وبإدخال والتوسع في استعمال المضادات الحيوية في أربعينات القرن العشرين تضاءلت شعبية علاج الجروح بالدود تدريجيًا ونسيت إلى حد كبير في الوسط الطبي. وعلى كل حال فانه بارتفاع حوادث مقاومة المضادات الحيوية في أواخر التسعينات فقد تجدد الاهتمام بالدود واستعماله القوي في التعامل مع الجروح المزمنة.

وفى دراسة نشرت عام 1999 في مجلة ديرماتولوجى تم تطهير وتنظيف 38 جرحًا تنظيفًا تامًا لدى 25 مريضًا بنسبة 88.4 % وفى ثلاثة جروح (7%) كان التطهير جوهريًا وكان التطهير جزئيًا لدى مريض واحد (2.3%)وبقي مريض واحد كما هو (2.3%).
أي دود ؟؟

هي يرقات ذبابة تسمى في الغرب بذبابة الزجاجة الخضراء ونسميها عندنا بالذبابة الزرقاء ولكنها عمليًا تسمى بذباب المقابر وهي في حجم الذبابة المنزلية تقريبًا ولونها أخضر معدني واسمها العلمي “ليوسيليا سيريكاتا” Lucilia sericata وهي الأكثر شيوعًا في الاستخدام لالتئام الجروح المزمنة. هذه الذبابة تتبع رتبة حشرات ذات الجناحين.فهي لها زوج واحد فقط من الأجنحة, وهى قادرة على إصابة العوائل الحية من الحيوان والإنسان وتتطفل على أنسجته. يرقاتها (ديدانها) ذات 1-2 ملليمتر في الطول عندما تفقس من البيض في غضون 12-24 ساعة من وضعه. تتغذى على الأنسجة الميتة والمتحللة في البيئات الرطبة للجروح. وتنمو سريعًا وتنضج في 4-5 أيام حيث يصل طولها إلى 1سم ثم بعد ذلك تتحول إلى خادرات (عذارى) ساكنة ثم تصبح ذبابًا يافعًا.

تنظيف و تطهير الجروح بالديدان:

اليرقات التي تستعمل في ذلك العلاج تحتاج إلى تعقيم لمنع التلوث. ولذلك يجب أن تربى في بيئة رطبة محكمة ومعقمة. اليرقات حديثة الفقس يجب أن تستعمل خلال 8 ساعات من الفقس أو تخزن في الثلاجة على درجة 8-10 مئوية لإبطاء عمليات الأيض فيها ونموها إلى حين استعمالها. ولتعظيم عملية التطهير والتنظيف فانه من المهم التأكد من انتظام درجة حرارة المريض صاحب الجرح على الدرجة المثالية والإمداد المناسب بالأكسجين والرطوبة المناسبة، لأن الرطوبة الزائدة عن الحد قد تقتل اليرقات. ويجب أن نتجنب استعمال الضمادات الماصة لأن اليرقات تحتاج الأكسجين لتبقى حية. ضمادات الهيدروجيل hydrogel ( وهى التي تتكون من مادة بوليمر من الجيلاتين المائي) التي تحتوى على البروبيلين جليكول يمكن أن تحد من نمو وحيوية الدود، بينما المضادات الحيوية الجهازية ( التي تسري في الدم والأنسجة )لاتؤثر على نمو تلك الديدان أو اليرقات.

آليات العلاج بالتنظيف و التطهير بالدود:

التنظيف:
افترض العلماء في بادئ الأمر بأن التأثير أو الفعل المطهر للدود كان يرجع إلى ميكانيكية حركات التلوي والتمعّج. وتستعمل الديدان زوج من الفكوك الخطافية للتحرك والتعلق أو الارتباط بالجرح، وكان يعتقد أن التغلغل بالخطاطيف قد يساعد في تنظيف الجرح. ولكن حديثًا أمكن التعرف على ثلاثة فئات من الإنزيمات التي تحلل البروتين والتي تسمى  Proteolytic enzymes ”   بروتيوليتيك انزايمز” في إفرازات ومخلفات الديدان. هذه الإنزيمات تحلل المواد الموجودة خارج خلايا نسيج الجرح بكفاءة واقتدار بما فيها صبغة الميلانين Melanin (التي تعطى لون البشرة الأسمر) والفيبرونكيتن Fibronectin وهو البروتين السكري (الجليكوبروتين) الثقيل الذي يوجد فى صورة ألياف غير ذائبة خارج الخلايا في الإنسان والحيوان. وعلى ذلك فان إفرازات وفضلات الدود تستطيع أن تهضم مواد الجرح التي بين الخلايا والتي تسمى ماتريكس Matrix مما يؤدى إلى تنظيف وتطهير فعال للجرح المزمن.
التطهير:
إن وجود المواد المضادة للبكتريا أمكن تحديده من زمن طويل في إفرازات ومخلفات الدود. ولذلك فان لإفرازات ومخلفات ذلك الدود تأثير قاتل على البكتريا الموجبة لصبغة جرام والسالبة لصبغة جرام على السواء، بما فيها البكتريا المستعصية المقاومة للمضاد الحيوي ميثيسللين Methicllin وهى “ستافيلوكوكاس أورياس “Staphilococcus aureus والتي يرمز لها بالاختصار MRSA وكذلك بكتريا “ستافيلوكوكاس أورياس” الحساسة للميثيسللين والبكتريا “ايشيريشيا كولاى Escherichia coli ” وكذلك بكتريا “سودوموناس ايروجينوزا .

“Pseudomonas aeruginosa”.

هذا النشاط الجبار الهائل لإفرازات ومخلفات الدود يعتبر ثابتًا حراريًا، ومقاومًا لإنزيمات هضم البروتين. وباستخدام الترشيح بالغ الدقة أثبتت الدراسة وجود جزأين من تلك الإفرازات والمخلفات لهما تأثير قاتل على كل من بكتريا “ستافيلوكوكاس أورياس” الحساسة والمقاومة. ويعتقد أن الأمونيا التي يفرزها الدود تزيد من قلوية الجرح وبذلك تخلق بيئة غير مريحة وغير ملائمة للنمو البكتيري.

وبناء على افتراضات أخرى فان الدود يبتلع البكتريا ويقتلها داخل جهازه الهضمي. ولقد تتبع مامكوجلو ورفاقه (2001) مصير بكتريا “ايشيريشيا كولاى” بعد ابتلاعها بواسطة دود (يرقات) ذبابة المقابر”ليوسيليا سيريكانا”. وقد وجدوا أن الجزء الأمامي من القناة الهضمية كان أكثر احتواء على تلك البكتريا الحية حيث شكلت نحو 67% من مجموع البكتريا، ثم تتهاوى الأعداد فجائيًا كلما تحركت البكتريا نحو العمق في القناة الهضمية للديدان. فكان 18% فقط من الجزء الخلفي للقناة الهضمية للدود يحتوى على بكتريا حية.،ذلك مما يدل على أن البكتيريا يتم قتلها كلما توغلت فى القناة الهضمية للدودة.

تمكين التئام الجرح

لقد كان يعتقد أن التعزيز في نمو النسيج كان يرجع إلى زيادة تكاثر الخلايا الليفية البشرية (الفيبروبلاست Fibroblast ) والتي تسببها إفرازات ومخلفات الديدان. وقد أوضح هوروبين ورفاقه عام 2005 أن تلك الإفرازات والمخلفات غيّرت من الخيوط اللاصقة الناشئة من الالتهاب إلى الكولاجين Collagen وهو بروتين النسيج الليفي, والفيبرونكيتين Fibronectin  وهو البروتين السكري (جليكوبروتين) الثقيل الذي يوجد في صورة ألياف غير ذائبة. ويترتب على ذلك أنها زاد ت من هجرة (وليس تكاثر) الخلايا الليفية البشرية.
ويرجع ذلك بصفة رئيسية إلى فعل السيرين ـوهو حامض أميني – وإنزيمات تحليل البروتين ـ البروتينيزات. ويفترض آخرون أن الدود يفرز سيتوكينات Cytokines – وهى بروتينات تنتج بواسطة الخلايا وتتفاعل مع خلايا الجهاز المناعي لتنظيم استجابات الجسم للأمراض والتلوث وهى تعمل كوسيط للعمليات الخلوية الطبيعية في الجسم – والتي تساعد في التئام الجرح. ولقد وجدت مستويات عالية من جاما-انترفيرون ومن انترليوكين 10 في إفرازات ومخلفات الدود, ولكن معرفة إلى أي مدى تعتبر تلك السيتوكينات مسئولة عن زيادة تكوين الحبيبات – وهو تكوين كتل مستديرة صغيرة من النسيج خلال الالتئام – يحتاج إلى المزيد من الدراسة.
(جاما-انترفيرون Gamma- interferon ) هو شكل من الانترفيرون تنتجه خلايا الدم البيضاء التي تسمى T-cells أو الخلايا التائية ذات الأهمية القصوى في الجهاز المناعي. وهى مثل الجنود التي تبحث عن الغزاة وتدمّرهم ، وتنتجه كذلك خلايا الدم البيضاء الكبيرة التي تهاجم البكتريا. وهو يدخل في تنشيط الخلايا الآكلة. والانترفيرون هو بروتين مضاد للفيروس تنتجه الخلايا التي يهاجمها ويجتاحها الفيروس، وهو يوقف تضاعف الفيروس.
إشارات إلى علاج التطهير بالدود

تستعمل طريقة علاج التطهير بالدود لتنظيف وتطهير الجروح المزمنة المتعفنة ذات الأنسجة الميتة والملوثة. الدراسات السريرية المختلفة أوضحت كفاءة ذلك العلاج في معاملة الجروح التي فشلت في الالتئام بعد استخدام الطرق البديلة المختلفة من العلاج. البروفيسور وولينا ورفاقه في مجلة انترناشيونال ديرماتولوجى (2002) أوضحوا أن العلاج بالدود يستطيع سريعًا اختزال تقييم الجروح من متوسط 13.5 إلى 6.3 بدرجة احتمال عالية جدا باستخدام الدود لمرة واحدة فقط لمدة من 1-4 أيام. ولقد حسب تقييم الجروح wound score ونسب إلى غطاء الجروح بالأجزاء المتهالكة المتساقطة والإفرازات، والنزّ ،والرشح من الشعيرات، وتكوين النسيج الحبيبي, والتهاب الجلد المحيط بالجرح. كانت اليرقات فعالة في إزالة الأنسجة الميتة ورائحة التعفن والنّزّ أو رشح الجرح خارج الشعيرات الدموية دون الإضرار بالأنسجة السليمة المجاورة. وأدى فعل اليرقات إلى تنشيط تكوين النسيج الحبيبي، وخفض رائحة التعفن الناجمة عن التلوث.

إن منافع العلاج بالدود ثبت في تشكيله من الجروح المزمنة بالعديد من المراجع والأبحاث. وبظهور أو بزوغ المقاومة للمضادات الحيوية فقد أظهر العلاج بالدود أنه مفيد في جراحات الجروح الملوثة بالبكتريا المقاومة “ستافيلوكوكاس أورياس” بالمقارنة بالعلاج التقليدي بالمداواة بالهيدروجيل. وكان العلاج بالدود أكثر فعالية للقرح الوريدية المزمنة, والقروح السكرية.

وفي دراسة محكمة على قروح القدم السكري وقروح الضغط قسّم 14 مريضًا عشوائيًا للخضوع للعلاج بالدود و 14 آخرين للخضوع للعلاج التقليدي. فلم يحدث تنظيف وتطهير يذكر بعد 14 يومًا في مجموعة العلاج التقليدي, بينما بعد 14 يومًا كان هناك متوسط خفض في الأنسجة الميتة قدره 4.1 سم مربع في مجموعة العلاج بالدود, وإحراز تطهيرًا كاملاً وتامًا في أربعة أسابيع. .

وفي دراسة أخرى على القرح الوريدية قسّم 12 مريضًا عشوائيًا لتلقي العلاج بالدود وآخرون لتلقي العلاج التقليدي. ولقد أحرزت مجموعة العلاج بالدود تنظيفًا وتطهيرًا كاملاً بالتطبيق مرة واحدة بالدود في ثلاثة أيام، بينما اثنين فقط من ستة مرضى في مجموعة العلاج التقليدي أحرزوا التنظيف والتطهير الكامل بعد شهر واحد. المرضى الأربعة الآخرون احتاجوا إلى تكرار الضمادات.

وفي قرح الضغط أجريت دراسة على 103 مريضًا عشوائيًا تحدد علاجهم بالدود أو بالعلاج التقليدي. ولقد أحرز 80% من الذين خضعوا لعلاج الدود تنظيفًا وتطهيرًا كاملاً في غضون 5 أسابيع بينما 48% فقط بلغوا ذلك بعد العلاج التقليدي.

هل يعتبر التطهير بالعلاج بالدود مكلفًا ؟

أوضح الدكتور وايمان وزملائه – مستشفى غرب كومبرلاند بالمملكة المتحدة – في بحثهم الذي نشر عام 2000 التكاليف المؤثرة لعلاج مرضى قرحة الوريد المزمنة بالدود.
ففي دراستهم وجدوا أن متوسط تكاليف العلاج للمريض الواحد في المجموعة المعالجة بالدود كانت 79 جنيها بالمقارنة بمبلغ 136 جنيه للمريض الواحد بالعلاج بضمادات الهيدروجيل. مجموعة العلاج بالدود استلزمت من المعالجين الطبيين زيارات أقل للوصول إلى التطهير(3 زيارات) بالمقارنة بمجموعة العلاج بالهيدروجيل (19 زيارة)، للدكتور توماس ودكتور جونز – الكلية الملكية للتمريض ببريطانيا – عندما أدخلا تكاليف التمريض في العلاج – نشرا عام 2001 اجمالي نفقات العلاج للوصول إلى تطهير ناجح للجرح فكانت 82 جنيها للعلاج بالديدان مقابل 503 جنيه للعلاج التقليدي.

ويمكن إرجاع انخفاض تكاليف العلاج بالدود إلى قصر الفترة التي تلزم للتطهير بالدود وانخفاض عدد الزيارات والأيام السريرية. والتي أعطت كلها وفرًا كبيرًا وجوهريًا في نظام الرعاية الصحية.