العفو مدعاة الى الصحة

د. هشام المشد*

 

قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى: 40) العفو هو تنازل الإنسان عن حقه طواعية، وصفحه عمن أساء إليه ابتغاء الثواب والأجر من الله، وهو خلق رفيع عالٍ لا يتحلى به إلا من حسن خلقه وكمل إيمانه, والعفو صعب أداؤه على النفس إلا أن استشعار الإنسان الراحة النفسية بعدما يعفو عمن أساء إليه تسكب على نفسه راحة وسعادة غامرة.

والعَفُوّ اسم من أسماء الله الحسنى، فعفا عن الذنب أي محاه وأزاله وهو بذلك أبلغ من اسم الله الغفور إذ الغفران هو الطمس والتغطية. فالأول محا الذنب وأزاله من أساسه، أما الثاني فقد غطاه وستره فحسب. وربما لهذا السبب صح عن الرسول أنه نصح السيدة عائشة ـ رضي الله عنها وعن أبيها ـ أن تدعو بهذا الاسم في دعاء ليلة القدر المشهور: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه البخاري. وهو من الصفات التي يحب الله ـ سبحانه وتعالى ـ من عباده أن يتصفوا بها، تمامًا مثلما يحب أن يتصف عباده بالكرم والرحمة والصبر…

 

والعفو فضيلة كبرى ونعمة عظمى تقي صاحبها براثن الغضب وتحميه من نيران الثأر. وتتنوع مضاعفات الغضب بين أعراض عضوية يشعر بها الغاضب ويمكن قياسها وتحديدها مثل الارتفاع في ضغط الدم وزيادة معدل السكر والتعرض لنوبات الذبحة الصدرية، وأعراض أخرى نفسية مثل القهر والاكتئاب. وفضيلة العفو قد يتحلى بها البعض فتصير طبعاً لهم وهؤلاء هم الصفوة والأقلية {وَإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37)، أما غالبية البشر فهم يفتقدون هذه الصفة ومن ثم يعانون كثيرا ويواجهون صعوبات جمة في تعاملهم حيال من يسيء إليهم. ولقد انتبه كثير من علماء علم النفس في الغرب لهذه المجموعة، فأجروا عليهم الأبحاث, وألفوا لهم الكتب والنظريات بل أنشأوا حلقات ودورات تدريبية, بل واخترعوا أجهزة وبرامج كمبيوتر تعينهم على تعلم العفو واتخاذه فضيلة وصفة يواجهون بها الغضب ويحمون أنفسهم من تبعاته (…).

 

كيف يشعر الإنسان بالإساءة وكيف يضخمها حتى تتحول إلى مأساة:

تنشأ المأساة عندما يتزامن أمران: الأول حدوث شيء لم نكن نود أو نتوقع حدوثه في حياتنا, والثاني التعامل مع هذا الشيء عن طريق التفكير فيه كثيرًا, وهذا التفكير وتداعياته هو الذى يوّلد المأساة. وعلى هذا النهج يتعامل كثير من الناس بطريقة غير صحيحة مع مواقف الحياة المؤلمة عندما يضخمون مشاعر الظلم ويحتفظون بها في مساحات كبيرة من عقولهم و لفترات طويلة أيضا.

وغالبا ما يتساءل الناس عما اذا كان السبب وراء شعورهم بالغضب هو أن ما أصابهم كان أعظم مما أصاب الآخرين، والحقيقة أنهم يشعرون بهذا الألم لأنهم أكثر حساسية من غيرهم. وهذا الذى يقودهم إلى الخطوات الثلاثة الأساسية ليتكون لديهم الشعور بالظلم الذى يكدر صفو حياتهم:

ـ الخطوة الأولى هي التعامل مع الإساءة بدرجة شخصية أكثر من اللازم (…) وللخروج من ذلك لا بد من أمرين:

الأول: الطبيعة غير الشخصية للألم (لست وحدك), فمن حقائق الحياة أن ماحدث لك ليس شيئا فريدًا و أنك واحد من كثيرين قد تعرضوا لمثل ما تعرضت له، فإن إدراك شيوع المعاناة يهون من شدتها.

الثاني: (بدون قصد) أما الأمر الثاني لاكتشاف البعد غير الشخصي للألم فهو أن تدرك أن معظم الإساءات ترتكب بدون قصد الإضرار بك بصورة شخصية (…).

– الخطوة الثانية هي لوم المسيء: (…)

إن الخطير في لعبة اللوم هذه، هو أنك ربما تشعر في البداية بشعور أفضل، فربما تشعر براحة مؤقتة، إذ إنك ألقيت بالمسؤولية عن ألمك على شخص آخر, ومع ذلك فإن هذه المشاعر الطيبة تتضاءل مع الوقت وتدخل في حلقة مفرغة من الألم واللوم… [وعندما يتكرر اللوم يزداد الحقد على الظالم ولا يصل صاحب الحق إلى حقه.]

ولكن كيف يؤثر اللوم؟؟

عندما نتعرض لضررٍ ما أو حتى نفكر فيه أو نتعرض لتوتر أو ضغط نفسي أو عصبي فإن أجسامنا تستجيب كما لو كانت في خطر وتقوم بتفعيل ما يُعرف باستجابة المقاومة أو الفرار. وعندئذ يقوم الجسم بإفراز مواد كيميائية تعمل على إعدادنا لهذا الخطر من خلال دفعه أو الهروب منه. وهذه المواد الكيميائية تعرف باسم كيميائيات الضغط أو التوتر كما أنها مصممة لجعلنا نشعر بعدم الراحة حتى نقوم بفعل شيء يخلصنا من الخطر الذى نحن بصدده.

فهذه المواد الكيميائية تثير انتباهنا عن طريق إحداث بعض التغيرات الفسيولوجية في أجسامنا. فهي تزيد من سرعة ضربات القلب واضطراب في تناسقها (rhythm)، بينما تتناسق هذه الضربات عندما يمارس القلب مشاعر إيجابية كالامتنان والود والعفو، كما تضيق الأوعية الدموية أثناء التوتر مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم, وكذلك ارتفاع السكر وحمض اللاكتيك في الدم. وكذلك يقوم الكبد بالتخلص من الكوليسترول في مجرى الدم. وكذلك تقوم كيميائيات الضغط هذه بإحداث اضطراب في عملية الهضم وتوتر في العضلات مع ضيق في التنفس. بل حتى الجهاز المناعي للجسم يتأثر بنوبات الغضب هذه حيث تحدث زيادة مؤقتة في الـ (IgA)، وهو نوع من البروتين الخاص بالمناعة, ويعتبر خط الدفاع الأول في جهاز المناعة ضد نزلات البرد وإلتهابات الجهاز التنفسي والبولي, ثم يعقب هذه الزيادة انخفاض شديد في هذا البروتين لمدة تمتد إلى ست ساعات, وذلك عندما نُعرِّض الشخص لخمس دقائق من الغضب, بينما عندما يركز الإنسان تفكيره في مشاعر الود والامتنان، لمدة خمس دقائق أيضا, فإن هذا البروتين يزداد بنسبة ملحوظة لمدة ساعة ثم يعود إلى الوضع الطبيعي، ليبدأ زيادة طفيفة خلال باقي ساعات النهار.

ليس هذا فحسب, فإن كيميائيات الضغط هذه تقوم بجزء من دورها في حمايتنا من الخطر عن طريق الحد من نسبة النشاط الكهربي المتاح للجزء الخاص بالتفكير من المخ وذلك بتحويل تدفق الدم من مركز التفكير إلى أجزاء أقل تعقيدا في المخ. ويتم ذلك من خلال الجهاز العصبي السمبثاوي الذي يعمل بصورة سريعة ومفاجئة عند تعرض الجسم لخطر ما بإفراز مواد كيميائية معينة أهمها الأدرينالين, ويظل في حالة استنفار حتى يزول الخطر وعندها ينشط الجهاز العصبي اللاسيمبثاوي ليعيد الجسم إلى حالة هدوئه الأولى.

والجهـــازان معا يشكلان ما يعرف بالجهاز العصبي اللاإرادى. ومن أهم النصائح للتحكم في الغضب (Anger management tips) وأكثرها تكرارًا في هذه الحالة أن تقوم بنشاط بدني جسماني تنفث فيه عن غضبك، مثل المشي أو الجري أو السباحة.

إن هذه الإستجابة البدنية الطبيعية، بالإضافة إلى اللوم الذي توجهه إلى الشخص الذي أضرك، ترسخ الشعور بالظلم الذى بدأ عندما تعاملت مع شيء لا تحبه بدرجة شخصية أكثر من اللازم. وأخطر من ذلك وأهم هو أننا عندما نرتكب هذا الخطأ فإننا بذلك نأخذ مفاتيح حريتنا من أيدينا ونضعها في يد شخص آخر.

– الخطوة الثالثة إنشاء قصة شعور بالظلم: إن الطريقة التي نُنشئ بها الذكريات هي التي تجعل من الصعب علينا التخلص من قصص مآسينا. فالعقل يقوم بتخزين الذكريات في مجموعات مصنفة. (…) والبعض منا لديه مساحات كبيرة لهذه التصنيفات ومن ثم فإنه يتذكر بسهولة الآلام والمظالم التي تعرض لها.

وخطورة إنشاء قصة الشعور بالظلم هذه هي أنها تعكس وجهة نظرك أنت, بالإضافة إلى أنها تعمل على توصيل فكرة معينة. وعند اختيار هذه الفكرة, فإنك غالبا ما تضطر إلى الاختيار بين شيئين: إما أن تقوم بدور البطل، أو دور الضحية. فتختلف القصص لموقف واحد باختلاف الرواة ورؤية كل منهم لهذا الموقف. إن القصة التي ترويها عن ألم لحق بك يمكن أن تتغير تبعا لما إذا كنت أنت الجاني أو المجني عليه (…).

الاستعداد للعفو: يجب أن تدرك أن العفو أمرٌ اختياريٌ, فلست مرغما على العفو عمن أساء إليك, ولكنه أيضا لا يحدث بمحض الصدفة إذ لا بدّ أن نتخذ قرارا به. إن للعفو ثلاثة شروط يجب أن تتوفر فيمن يريد أن يعفو، وهي:

– اعرف مشاعرك نحو ما حدث.

– كن واضحا عند تحديد الحدث الذى أضر بك.

– أشرك معك في تجربتك شخصا واحدا أو اثنين ممن تثق بهم.

إن اختيارك لشخص لتخبره لهو من الأهمية بمكان لأن ذلك يساعدك على تحويل مشاعرك إلى كلمات ويجعلها أكثر وضوحا. إن إشراك الآخرين معنا في الألم يمكنهم من الاهتمام بنا وتزويدنا بالدعم والإرشاد, كما أن ذلك يساعدنا على تخفيف آلامنا لأننا نشعر بأننا بدرجة أقل من الوحدة. ولكن علينا أن ندرك أن حديثنا الصريح مع شخص أو اثنين ممن نثق بهم لا يعني أنه من الأفضل أن نخبر عشرين شخصًا, لأننا في الحالة الأخيرة نفعل ذلك حتى نشجب الجاني ونسمعهم صرخة الألم, ونريهم كيف تم إيذاؤنا. وهذه الأسباب تختلف عن البحث عن المساعدة والإرشاد ولا تعدو عن كونها مجرد تكرار لحكاية قصة المأساة التي تعرضنا لها. والمهم في هذه النقطة ألا تشرك معك في ألمك إلا من تثق بهم. [وأفضل من تثق به هو من يمكنه مساعدتك وأفضلهم هو الله تعالى الذي يأخذ لك حقك أو يعوض لك ظلم الناس. لذلك قال سيدنا يعقوب عليه السلام {…إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ…} (يوسف 86)]

فإذا اكتملت هذه الشروط فأنت الآن مستعد للعفو.

والعفو في حقيقته شعور بالطمأنينة يتأتى عندما تتعامل مع ألمك بدرجة أقل شخصية، وكذلك عندما تتحمل المسؤولية عن مشاعرك, وتصبح في القصة التي ترويها بطلا بدل أن تكون الضحية. إن العفو هو تجربة الراحة التي تشعر بها في الوقت الحاضر. فالعفو لا يغير الماضي، لكنه يغير الحاضر. والعفو يعني أنك اخترت أن تتألم بدرجة أقل حتى لو كنت مجروحا. إن العفو ملك لك وليس لأحد آخر. إن ماضي الفرد لا ينبغى أن يكون سجنا، فإذا كنا لا نملك أن نغيره فلا بد أن نبحث عن طريقة نتخلص بها من ذكرياتنا المؤلمة. إن العفو يمكننا من الاعتراف بالماضي مع الاستمرار في الحياة.

لقد أثبتت الأبحاث العلمية بشكل واضح أن تعلم العفو يعد أمرا جيدا لصحة الفرد وسعادته, فهو جيد للصحة النفسية والبدنية على السواء. [والنبي صلى الله عليه وسلم يعد المظلوم بأن الله تعالى سيعوّض عليه مظلمته فيقول “وما ظلم عبدٌ مظلمة إلا زاده الله بها عزًّا “].

وقد أوضحت مجموعة من دراسات العفو المتخصصة ـ تجدون تفصيلاتها في مصادر البحث ــ أن كثرة العفو تحسن صحة الفرد. كما أوضحت بعض الدراسات الموجودة في الأبحاث المتعلقة بالمجالات ذات الصلة مثل علم النفس والطب والدين أن الشعور بمزيد من المشاعر الإيجابية مثل الإمتنان والاهتمام والإيمان له تأثير إيجابي على وظائف الجهاز الدوري والجهاز المناعي, إن كلا من النوعين من الدراسات يرى أن تعلم العفو له نتائج إيجابية على حياة الفرد.

معوقات العفو: إن أهم معوقات العفو، يتمثل في الخلط بين أمرين:

الإساءة غير القابلة للعفو . وبين العجز عن العفو.

(…)إن التردد نحو القيام بالعفو هو مسألة تتعلق بالدافع. إن الموازنة بين الأضرار والفوائد ــ أضرار الاستمرار في المعاناة وبين فوائد العفو ــ تُرسِّخ هذا الدافع وتقويه, بالإضافة إلى معرفتك أنك بعفوك تسترد القوة التي منحتها للماضي ليدمر حاضرك, فغالبا ما ننسى أن العفو ملك لنا وليس للمسيء.

العفو من المنظور الإسلامي:

(…) الحقيقة أنه عند استعراضنا للنصوص الشرعية, آيات قرآنية كانت أو أحاديث نبوية، التي تحدثت عن العفو فسيصعب حصرها وذلك لتعددها وتنوع المناسبات التي ذكرت فيها. ونكتفي بالقليل للدلالة على ان الله تعالى حضّ عباده مع مكافحة الغضب والسيطرة على النفس والرد على الأذى بالعفو قال تعالى:

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} (آل عمران: 134). ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال (الذين ينفقون في السراء والضراء) أي في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال والمعنى أنهم لا يشغلهم أمرعن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر, وقوله تعالى (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم (…).

والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان لكن فرقان ما بينهما، أن الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما ولا بد; قال تعالى في الغضب: (…)

{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى: 37، 40). [وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نكافح الغضب بتبريد الجوارح فقال: “ان الغضب من الشيطان وان الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فاذا غضب أحدكم فليتوضأ”].

قَال الْعلَماء: جعل اللَّه الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ؛ صِنْف يَعْفُونَ عَنْ الظَّالِم فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْله {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} أي سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس, ليس سجيتهم الانتقام، وهؤلاء هم الصفوة السابقون المقربون وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ما انتقم لنفسه قط إلا أن تُنتهك حرمات الله. ولأنه سبحانه خالق البشر فهو يعلم قدراتهم وتفاوتهم فليس كل البشر يستطيع العفو ابتداءً فذكر الصنف الثانى وهم الذين ينتصرون من ظَالمهم. ثم بين حد الانتصار بِقَوله: (وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها) فَينتصر ممن ظَلمه من غَير أَن يعتدي. ثم رغب هؤلاء في العفو وحثهم عليه ونفرهم من القصاص الذى قد يؤدي إلى الظلم (والله لا يحب الظالمين).

فالآيات السابقة شرعت العدل وهو الْقصاص ونَدبت إلى الفَضل وهو العفو. فإن لم تطب نفسك أيها المصاب بالعفو ابتداءً فقد شرع لك الحق تبارك وتعالى القصاص والانتصار لنفسك, حتى لا تقع فريسةً للصراع النفسي بين هذه المنزلة السامية وبين متطلبات نفسك الجبلِّية من التشفي وأخذ حقك أو رد الاعتداء عليك، ولكنه سبحانه وفي نفس الوقت وبل وبنفس الكلمات حثَّك على العفو ورغَّبك فيه.

إن الناظر في هذه الآيات الكريمة ليدرك أن من أساء إليك فلك أن ترد إساءته, وأنت حين ترد الإساءه فلست بمسيء كذلك ولكن انظر إلى عظمة القرآن عندما يريد أن يشد النفس البشرية من الانتصار لنفسها والتغلب على شهوة الانتقام إلى آفاق أعلى ومستويات أرحب للنفس المؤمنة التواقة إلى ما عند الله وتأكيده على ذلك بتكرار ذات المعنى في مواضع كثيرة كما رأينا، فالذي يردُّ الإساءة ليس بمسيء ولكن القرآن العظيم سماها إساءة لينفر النفس منها ويسمو بها إلى المستوى الأعلى والأكمل, إلى مستوى العفو والإصلاح (فمن عفا وأصلح) فأجره على من؟؟…. (فأجره على الله)، ولك أن تتخيل أجير يأخذ أجره من سلطان أو ملك كيف يجزل له العطاء؟؟ فكيف يكون الأمر عندما يكون أجرك على ملك الملوك. وانظر إلى كرم الكريم وجوده فلم يقل أجره (من الله) أو (عند الله)، ولكن قال (على الله)، وكأنه دين عليه ـ سبحانه وتعالى ـ للذي يعفو و يصفح؟؟!! (…) فدافعك أيها المؤمن هو تحصيل محبة الله وما وعدك به من أجر, تكفَّل به وجعله كأنه دين لك عليه ـ سبحانه وتعالى ـ.

جائزة العفو:

ونتيجة هذا العفو هو ما أخبر عنه نبينا :

عن سهل بن معاذ عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله ـ عز وجل ـ على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء). وفى رواية (ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا). سنن أبو داوود، تأمل (وهو قادر على أن ينفذه) فهو عفو القادر القوي لا عفو الضعيف المغلوب على أمره.

ثم انظر إلى عِظَم الثواب في الدنيا (ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا) وفى الآخرة (يخيره الله من الحور العين ما شاء).

وقد ضرب لنا الرسول أروع المثل في التحلي بهذه الخصلة الحميدة فموقفه يوم فتح مكة المكرمة معروف

حينما عفا عن كل الذين أساءوا إليه وآذوه وأخرجوه وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلاقاء.

هكذا وجدنا كيف أن علماء النفس اليوم بعد كل هذا التقدم يصلون إلى بعض ما دلنا عليه حبيبنا ومصطفانا ، فهم يتعلمون الصفح لينعموا بالأمن في الدنيا، أما نحن المسلمين فنظرتنا أوسع وأرحب وهدفنا أسمى وأرفع, فمن يعفو من المسلمين ينعم بالأمن والسلام النفسيين في الدنيا وهو يؤمِّل في الآخرة الثواب الجزيل فيفوز بخيري الدنيا والآخرة, أما غير المسلمين فغايتهم محدودة وهدفهم قاصر على هذه الحياة الفانية. فإن كان قائلهم يقول: (Forgive For Good) بمعنى إعفُ من أجل الخير، فنحن نقول (Forgive For God) اعفُ من أجل الله..

 __________________________________________

* للراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.nooran.org

المصادر العربية:

 

1. تفسير القرطبي.

2. تفسير ابن كثير.

3. تفسير الجلالين.

4. تفسير الطبري.

5. المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى للغزالي.

6. مختار الصحاح.

7. عون المعبود شرح سنن أبي داود.

8. الشيخ الدكتور صالح بن حميد. دروس في الحرم المكي الشريف.

المصادر الأجنبية:

1) Forgive for Good by Frederic Luskin ( Feb، 2003)

2) Forgiveness: How to Make Peace With Your Pastband get on with yoyr life… by Sidney B. Simon.(Oct. 1990).

3) Forgiveness Is a Choice: A Step-By-Step Pr… by Robert D. Enright.( May 2001).

4) Forgive and Forget: Healing the Hurts We Don’t deserve… by Lewis B. Smedes. ( Sept.2007)

5) Forgive and Love Again: Healing Wounded Re… by John Nieder (jul. 2003).

6) Art of Forgiving by Lewis B. Smedes (Aug. 1997).

7) Anger management tips: Tame your temper. (MayoClinic.com).

8) The Science of HeartMath: http://www.heartmath.com/freezeframer/science_of_freezeframer.html