الناصية ووظيفة الفص الجبهي للدماغ

دراسة إعجازية لسورة العلق

أ.د. محمد يوسف سكر*

 

ورد في القرآن الكريم ذكر الناصية – وهي مقدمة الرأس أو الجبهة – في آيتين من سورة العلق، وربطت الأولى منهما بين الناصية والتحكم في اتخاذ القرار، في قوله تعالى: {…لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة ِ[15]}. ووصفت الآية الثانية، ذات الناصية بالكذب والخطأ في قوله تعالى: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [16]}. ووصفتها آية أخرى في سورة هود بأنها مكان القيادة في المخلوق الحي وبها جماع أمره كله، قال تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [56]}. كما أشارت إلى هذا المعنى آيات أخرى وأحاديث نبوية كريمة. 

 

الجانب التفسيري: (…)

1- وصف ذات الناصية وصفًا حقيقيًا بالكذب والخطأ، فمعنى ناصية كاذبة خاطئة: أي كاذبة في قولها خاطئة في فعلها[أ‌]، أي أن القدرة على التحكم في الأقوال بجعلها كاذبة أو صادقة والقدرة على التحكم في الأفعال بجعلها خطأ أو صواب وصف لازم من أوصاف الناصية، وهذا الوصف وإن كان واردًا للناصية – التي تعني مقدم الجبهة – إلا أنه لا يوصف بهذه الأوصاف على الحقيقة؛ لأنه جزء عظمي من الرأس. فعند التحقيق بدراسة التركيب التشريحي لمنطقة أعلى الجبهة وجد أنها تتكون من أحد عظام الجمجمة المسمى بالعظم الجبهي (Frontal bone) ويستتر خلفه محميًا به أحد فصوص المخ المسمى بالفص الجبهي (Front lobe) وبهذا يمكن القول بأن الناصية كما تطلق على العظم الجبهي، يمكن أن تطلق أيضًا على ما يستتر خلفه من الفص الجبهي للدماغ، حيث إنه الجزء والمكان الذي يمكن أن يوصف بهذه الأوصاف وصفًا حقيقيًا، ويتحقق العمل فيه بظاهر النص من غير حاجة إلى تأويل أو مجاز، وتعبير إسناد الوصف أو الفعل لشيء والمراد ما فيه تعبير شائع في القرآن الكريم، ولا أدلّ على هذا من قوله تعالى في سورة يوسف: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَالّعِيْرَ الّتِيَ أَقْبَلْنَا فِيهَا [82]} حيث لا يوجه السؤال إلى مباني القرية أو إلى ذوات العير، وإنما للناس داخل هذه القرية والمصاحبين منهم لهذه العير. كما أن مفهوم النص في قوله تعالى:{ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} وقول النبيّ، صلى الله عليه وسلم، في الحديث “ناصيتي بيدك”[ب‌] يؤكد هذا المعنى حيث تشير النصوص إلى أن الجزء المختص بقيادة الدواب كلها وتوجيهها- وعلى رأسها الإنسان – يخضع لهيمنة الله وسلطانه. وهذا الجزء لا بد أن يكون في الدماغ حيث هو العضو المختص بتسيير شؤون الدواب والسيطرة على تصرفاتها. وبما أن النصوص سمّت هذا الجزء بالناصية فلا بد أن يشمل الجزء الأمامي من الدماغ الذي يقع خلف مقدمة الرأس. بناء على ذلك فإن مفهوم النصوص يتيح لنا أن نقول بأن الناصية بما تحوي من الفص الجبهي للدماغ هي مكان القيادة والتوجيه للسلوك والتصرفات الإنسانية.

2- حرية الاختيار متاحة للإنسان وهي مرتبطة كما يفهم من الآية بالناصية، أي بالفص الجبهي للدماغ، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يمكن أن يتحكم في سلوكه وفق ضوابط التصرفات القولية والفعلية – من الصدق والكذب والخطأ – لذا قال ربنا سبحانه:{لئن لم ينته لنسفعن بالناصية} أي لئن لم ينته عما يقول ويفعل وينزجر، لنأخذن بناصيته أخذًا عنيفًا (…).

الجانب العلمي: (…)

1- دماغ الإنسان هو الأضخم: يعتبر دماغ الإنسان من وجهة النظر التشريحية، أضخم ما في مملكة الحيوان بالنسبة لوزن الجسم، لكن هناك ثلاثة حيوانات فقط تتمتع بأكبر وزن مطلق للمخ وهي: الحوت والفيل وخنزير البحر.

2- الفص الجبهي أكبر فصوص الدماغ: يتكون دماغ الإنسان من عدة فصوص: الفص القذالي والجداري والصدغي، وكما نرى في الشكل[ت‌]  فإن الفص الجبهي هو أكبرها على الإطلاق.

3- قشرة المخ هي الوزن أو الحجم الأكبر في الدماغ: يتكون حجم أو وزن دماغ الإنسان إلى حد كبير من المخ (Cerebrum) وعلى الأخص قشرة المخ (Cerebral cortex)، والتي يمثل الجزء الأكبر منها مناطق الربط الثلاث: منطقة الربط الجدارية الصدغية القذالية، ومنطقة الربط الصدغية، ومنطقة الربط الجبهية (شكل 1). وتتكون النسبة الكبرى من مناطق الربط هذه من قشرة الفص الجبهي وامتدادها المباشر من قشرة المنطقة قبل الحركية (Premotor area)، وقشرة المنطقة الحركية الإضافية (Supplementary motor area).

4- يمتلك الإنسان قشرة مخ شاسعة بالنسبة للحيوان، خاصة قشرة الفص الجبهي: يختلف دماغ الإنسان عن دماغ الحيوان من الناحية الشكلية، حيث تتسع مساحة قشرة المخ، وخاصة قشرة الفص الجبهي، كما يزداد حجمه، أما لدى معظم الحيوانات فيتكون الفص الجبهي إلى حد كبير من قشرة الشم، التي تمثل لدى الإنسان جزءًا صغيرًا إذا ما قورنت بالأجزاء الكبرى من قشرة الفص الجبهي (شكل 2).

5- قشرة الدماغ الحوفية التي تتحكم في الوظائف الغريزية أكبر في الحيوان منها في الإنسان: وهناك أيضًا ميزة شكلية أخرى هامة تتعلق بحجم قشرة الدماغ الحوفية، والتي تتحكم في الوظائف الحركية الغريزية أو الانعكاسية، مقارنة بقشرة المخ الحديثة (Neo Cortex) وهذا يقدم لنا الدليل على أن التحكم في الوظائف الحركية لدى الحيوانات يكون إما انعكاسيًا أو موجهًا بالغرائز، أما في الإنسان فتخضع وظائفه الحركية وتصرفاته للوعي والإدراك الموجه من قبل مساحة قشرة الدماغ الشاسعة.

6- تكوين الألفاظ المنطوقة يقع في الفص الجبهي: إن التحكم في اختيار وتكوين الكلمات استعدادًا للنطق بها يظهره شكل 3، حيث تختار الألفاظ في منطقة التلفيف الزاوي ثم تكون الألفاظ أو الكلمات المنطوقة في منطقة (بروكا) في الفص الجبهي الواقعة أمام الجزء الأسفل من القشرة الحركية (Primary Motor Cortex) التي تتحكم في الأعضاء المتعلقة بالنطق، وهذا يدل على أن مفتاح التحكم في الكلمات المنطوقة هو في الفص الجبهي للمخ، أي في الناصية، لذلك فليس كل الألفاظ التي ترد إلى الذهن تظهر على اللسان، وذلك لمرورها على مركز تكوين الكلمات في الناصية، لذا فالإنسان محاسب ومسئول عما ينطق به لسانه طالما يستطيع التحكم في اختيار الألفاظ وأعضاء النطق وعلى رأسها اللسان. وقد أشار النبيّ، صلى الله عليه وسلم، إلى هذه الحقيقة بقوله فأخذ بلسانه وقال: “كف عليك هذا…”[ث‌].

7- التوجيه الإرادي للنظر في اتجاه محدد يقع في الفص الجبهي: وهناك أيضًا في الفص الجبهي ما يماثل منطقة (بروكا) من تلفيف القشرة الحركية وهي منطقة تختص بتحريك العينين ومنطقة فوقها تختص بتحريك الرأس في حركة دائرية وكلا المنطقتين توجه وتركز النظر في اتجاه معين وفق حركة إرادية. وهاتان المنطقتان توجهان قشرة الحركة الأولية (Primary Motor Cortex) لإدارة الرأس وتركيز العينين في اتجاه محدد. إذاً فالتوجيه الإرادي للنظر يقع في الفص الجبهي، وهذا يتوافق مع ما أشار إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، في حديث المؤاخذة على النظر المحرم للمرأة حين قال لعليّ رضي الله عنه: “يا عليّ لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة”[ج‌]، وفي رواية قال: “النظرة الأولى لك والآخرة عليك”[ح‌]، فالأولى فجائية ليس فيها تركيز وتوجيه، وإنما تقع المؤاخذة على النظرة الثانية الإرادية المحددة والموجهة.

8- التحكم الإرادي لحركة جميع أجزاء الجسد يقع في الفص الجبهي: أثبتت الأبحاث أن المنطقة الحركية الإضافية والمنطقة قبل الحركية تعملان باعتبارهما منشئتين للوظيفة الحركية، وتخزنان برامج الحركة التي تعتبر جزءًا من التخطيط الخاص بتحكم مجموعة معينة من العضلات على القيام بحركة طوعية، لذلك فإنه يمكن الاستنتاج أنه كما هو الحال فيما يتعلق بالنطق واختيار الألفاظ وتحريك الرأس والعينين؛ فإن قشرة الفص الجبهي أو الناصية هي المختصة بالتحكم الواعي للقيام بعمل طوعي أو عدم القيام به، مما يتطلب تحريك بعض أو كل أجزاء الجسد.

9- التناسق بين حركة النطق وحركات الجسم يقع في الفص الجبهي: إن احتواء الفص الجبهي للمنطقة الحركية الإضافية والمنطقة الحركية الأولية تشير إلى التناظر ما بين منطقة (بروكا) المتعلقة بالسيطرة على النطق من جهة، ومناطق تحريك الرأس والعينين وبين المنطقة ما قبل الحركية المتعلقة بالسيطرة على الوظائف الحركية الأخرى، تؤدي إلى التصرفات الطوعية لسائر أعضاء الجسد مما يؤكد أن التناسق بين حركة النطق والنظر وحركات الجسم المختلفة يقع في الفص الجبهي (شكل4).

10- قشرة المخ في الفص الجبهي تتحكم في سلوك الإنسان: ولتأكيد هذا الاستنتاج نجد أن عدم وجود معظم قشرة الفص الجبهي في الحيوانات يظهر أثره في السلوك الحيواني، فحاسة الشم تثير السلوك الجنسي مباشرة، وكذلك السلوك الغذائي والنشاط الحركي المتعلق بهذه الوظائف، أما بالنسبة للإنسان فلابد من اعتبارات ومعلومات تم تخزينها وترسيخها مسبقًا في وظائف قشرة الدماغ، خاصة في مناطق الربط، بالإضافة إلى الوظائف الحوفية الغرائزية، قبل أن يقع السلوك الجنسي أو الغذائي أو أي سلوك آخر، مع ما يتبع ذلك من القيام بأعمال حركية أخرى بالأيدي أو الأرجل أو أي أجزاء أخرى من الجسم كحركة العين للرؤية، وحركة اللسان بالنطق، وهكذا يكون الخيار بالقيام بعمل أو عدم القيام به مركوزًا في مناطق الحركة الإرادية في الفص الجبهي ذو المساحة الشاسعة من قشرة الدماغ، خاصة في مناطق الربط فيه.

11- السلوك الغريزي والسلوك المكتسب: يمكننا بعبارات تواكب عصر الحاسوب وصف السلوك الغريزى بالبرامج الداخلية التكوين التي تحركها منبهات محددة، ووصف السلوك المكتسب بالبرامج الخارجية للحاسوب.

     ويتمثل السلوك الغريزي بوضوح في سلوك الحيوانات؛(…) والدليل على ذلك كبر حجم قشرة الدماغ الحوفية (Limic cortex) مقارنة بقشرة المخ الحديثة (New cortex) في جميع الحيوانات (…). وهذا يثبت لنا أن التحكم في الوظائف لأعضاء جسم الحيوان يكون إما انعكاسيًا أو موجهًا بالغرائز إلى درجة كبيرة. هذا وقد أثبتت التجارب أن الدافع لسلوك الحيوان هو غريزي أو فطري بناء على معلومات مركوزة محددة في قشرة الدماغ الحوفية وقد تؤثر عليه بعض التجارب المكتسبة من البيئة. وقد وجد بعض الباحثين أن الفئران التي تمت تنشئتها في ظلام تام منذ ولادتها استطاعت أن تتبين حجم الأشكال وبريقها بالقدر نفسه من الدقة التي ظهرت لدى فئران تم تنشئتها في ظروف طبيعية[خ‌]، لذلك فإن المعلومات الغريزية هي العامل الرئيسي الموجه للسلوك الحيواني.      

     أما السلوك المكتسب فهو السلوك الذي توجهه معلومات مكتسبة من البيئة، تركزت في قشرة مخ الحيوان. وإذا نظرنا إلى قشرة المخ الإنساني نجد أن مناطق الربط فيها (Association) لما لها من سيطرة، ولما تقوم به في توظيف المعلومات الحسية، لتؤدي دورًا بارزًا ومهمًا في إمكانات التعلم الهائلة لدى البشر، فهناك كم هائل من المعلومات المبرمجة والتي يتم اكتسابها إما من خلال الخبرات العشوائية المستمدة من البيئة، أو من خلال عملية التربية والبرامج الدراسية. وتعتبر مناطق الربط الجدارية الصدغية القذالية التي توجد غالبًا في نصف المخ السائد hemisphere) Categoric or dominant) هي المختصة بعملية تعلم اللغات عبر حواس السمع والبصر ثم تنتقل هذه المعلومات المكتسبة من الألفاظ وسائر العلاقات المرئية من خلال التلفيف الزاوي((angular gyrus والحزمة المقوسة (Arcuate fasciculus) التي تقع تحته إلى منطقة (بروكا) في الفص الجبهي، والتي تقوم بتكوين الكلمات المنطوقة كما تنتقل الاستجابة النطقية عن طريق الحزمة المقوسة من منطقة (فيرنيكى) (Werniks area) الواقعة في أعلى التلفيف الصدغي والمسئولة عن فهم المعلومات السمعية والمرئية إلى منطقة (بروكا) أيضًا الواقعة أمام الجزء الأسفل من القشرة الحركية والتي تتحكم في الأعضاء المتعلقة بالنطق (شكل 3). وهكذا تنتقل جميع المعلومات المكتسبة والمفهومة بالتعلم بواسطة السمع والبصر إلى مركز التحكم النهائي في الفص الجبهي لاستخدامها في النطق بالألفاظ المناسبة. هذا وقد تمت دراسة منطقة المهارات الإدراكية (Cognitive Skills) ذات العلاقة بوظائف الرؤية والسمع وغيرها من الوظائف الحسية، وثبت ارتباطها وتأثيرها على الوظائف الحركية. وقد أولت البرامج التعليمية هذه الحقيقة اهتمامًا كبيرًا في تركيزها على تطوير المهارات الإدراكية والحركية معًا.

clip_image101

الاستنتاج:  

     كل ذلك يثبت أن السلوك الإنساني ليس كالسلوك الحيواني توجهه الغرائز فقط وإنما تسيطر عليه وتوجهه المعلومات والخبرات المكتسبة من البيئة لذلك فالسلوك الإنساني المكتسب قابل للتغيير والتطوير عكس السلوك الحيواني الغريزي. ويمتلك الإنسان المقدرة لإحداث هذا التغيير في سلوكه بناءًا على خصوصيته في اختيار معلوماته واكتساب خبراته وضبط سلوكه وفق معايير وقيم مكتسبة، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، وقد أثبت القرآن الكريم هذه الحقيقة وبيّن أنها قانون عام وسنة مضطردة في قوله تعالى:{إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [11]} (سورة الرعد).

    كما أشار القرآن الكريم إلى أن الأشياء المسموعة والمبصرة والمدركة بالفؤاد تصب كلها في محل التحكم في السلوك واتخاذ القرار التي تنبني عليها المسئولية في قوله تعالى:{ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولـَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [36]} (سورة الإسراء) وهذا يتوافق مع ما سبق من حقائق في هذا الموضوع.

    إن الإنسان يكتسب في بيئته المعلومات التي توجه سلوكه وتصرفاته إما من برامج التربية والتعليم القائمة على الدين والأخلاق فينشأ الفرد بسلوك قويم وتصرفات رشيدة وفق صحة هذا الدين ورسوخ قيمه وأخلاقه في قشرة دماغه بغير معارضة لما فطر عليه من معلومات بديهيّة مركوزة فيه، أو يتلقى الإنسان معلوماته من مصادر لا تعتمد في برامجها النواحي الدينية والأخلاقية، فينشأ الفرد على اتّباع الهوى والغرائز تحت شعار الحرية الشخصية، وأحيانًا يتصرف هذا الإنسان بسلوك أدنى وأضلّ من سلوك الحيوان. وقد أثبتت الدراسات هذه الحقيقة فقد وجد أن المجتمعات التي تهمل فيها برامج التربية والتعليم الناحية الروحية ولا تهتم بالقيم الدينية اللازمة لتوجيه سلوك الإنسان ينشأ الفرد فيها وقد سيطرت ووجهت سلوكه الأهواء والغرائز والقيم المادية دون واعظ من الفطرة التي جبلت على الخير أو دين يهدى إلى الرشد.

    هذا ويتوافق مفهوم السلوك الغريزي والسلوك المكتسب عند الإنسان – كما أثبته العلم – مع نصوص القرآن والسنة التي أشارت إلى هذه الحقائق منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان. فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وميزه بالعقل والإدراك وأودع فيه – بجانب غرائزه الحيوانية – قدرًا من المعلومات الأساسية الهامة وسماها الفطرة، أو فطرة الإيمان كما قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [30]} (سورة الروم). وكما قال النبي، صلى الله علية وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه…”[د‌]، وكقوله: “أصبحنا على فطرة الإيمان[ذ‌]…”، فالفطرة على الإيمان تمثل البرنامج الداخلي للدماغ التي تكون قاعدة ثابتة وراسخة من المعلومات المركوزة في نفس الإنسان، تجعله دائمًا على استعداد للإيمان وطاعة الله، ما لم يشوش عليها أو تطمسها معلومات أخرى – مضادة لها أو متعارضة معها – مكتسبة من البيئة المحيطة، وهذا ما أشار إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحديث: “فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”، وأشار إليه في الحديث الآخر: “إنى خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (فاجتالتهم: أي استخفوهم فذهبوا بهم وازالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل) عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانًا”[ر‌]. بينما تمثل التعاليم التي أوحى الله بها إلى الأنبياء لتبليغها للناس برامج مكتسبة لضبط وتوجيه سلوكهم وهي التي فيها التكليف والاختيار وعليها الجزاء. قال تعالى: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ [48]} (سورة المائدة).

     إذن يمكننا أن نقول: بأن الوحي – الذي لم يتبدل ولم يتغير، والمتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، هو بمثابة برنامج مكتسب ومنهاج للتحكم أو السيطرة على تصرفات البشر أفرادًا كانوا أو جماعة وأممًا، بما يحقق مصالحهم العاجلة والآجلة، وهذا ما يتوافق ومفهوم الآية الكريمة: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان [72]} (سورة الأحزاب) فكلمة الأمانة تعني قبول التكليف بطاعة الله على أساس من حرية الاختيار المركوز في العقل الإنساني، حيث إن الإنسان هو المخلوق الذي وهبه الله هذه الخاصية في قدرته على النظر والتفكير والتأمل واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية عن جميع ما يقوم به من سلوك وتصرف بناءً على برنامج أساس مركوز في النفس الإنسانية وبرنامج آخر مكتسب(…).

الأدلة العلمية في صحة هذه الحقائق:

أ‌- فصل أو تلف الفص الجبهي يؤدّي إلى اضطراب الشخصية في الأقوال والأفعال: أثبتت الأدلة الإكلينيكية (السريرية) أن تلف الفص الجبهي أو فصله يؤدّي إلى فقدان المريض التحكم في سلوكه الاجتماعي، والمقدرة على استعمال الألفاظ، مع تغييرات كبيرة في معالم الشخصية، حيث تنقص قدرته في التركيز وروح المبادرة والتحمل، وعلى حل المشكلات التي تحتاج لقدرة عقلية متميزة، وتتأثر قدرة المريض على الحكم على موقفه فيفقد الشعور بالمسؤولية نحو نفسه كما تحدث بعض التغيرات العاطفية فيبدي المريض علامات الابتهاج والرضا عن النفس كما يفقد اهتمامه بمظهره الاجتماعي وقد يعاني من هبوط في المعايير الأخلاقية. وقد أخذ هذا كدليل قوي على وظيفة قشرة ما قبل الجبهة في التحكم في الجوانب الأكثر تعقيدًا في السلوك البشرى.

ب‌- قياس تدفق الدم في قشرة المخ: أصبح من الممكن في السنوات القليلة الماضية قياس تدفق الدم في قشرة المخ أو أجزاء أخرى منه عن طريق النظائر المشعة والرنين المغناطيسى الوظيفي وقد استخدمت هذه الوسائل في دراسة الوظائف العليا للدماغ خاصة في مجال وظائف أجزاء الدماغ المختصة باللغة التي هي من خصائص الإنسان، وقد تبين من هذه الدراسات: أن الفص الجبهي يزداد تدفق الدم في عدة مراكز منه عند التفكر في معاني الكلمات، وعند النطق بها، بينما يزداد النشاط في مناطق الإبصار في مؤخرة الدماغ عند التعرض إلى بعض الحروف كشكل كلمة لا معنى لها (شكل 5). (…) 

وجه الإعجاز:

       أشار القرآن الكريم إلى أن ملاك أمر دواب الأرض كلها بما فيها الإنسان ومكان تسيير شؤونها وقيادتها يكمن في ناصيتها في قوله تعالى: {ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها}. ووصف الله سبحانه ناصية الإنسان بالكذب والخطأ ويتبع ذلك لزومًا وصفها بصفات الصدق والصواب، وهذا الوصف وصف حقيقي للناصية بصفات سلوكية في قوله تعالى {ناصية كاذبة خاطئة}.(…) وأشار أيضًا إلى دور الفص الجبهي في الدماغ الذي يقع داخل الناصية في توجيه السلوك الإنساني، بالتحكم في الأقوال والأعمال من خلال وجود مراكز تكوين الألفاظ والتحكم في الحركات المتعلقة بالنطق والنظر وجميع الحركات الإرادية لكل أجزاء الجسم، ووجود مساحة شاسعة من قشرة الدماغ في هذا الفص تتيح للإنسان تحصيل وتحليل المعلومات المكتسبة مما يحقق له خبرة كبيرة في اختيار الأقوال والأفعال وتوجيه السلوك بمساعدة مركز العقل والإدراك الموجود في هذا الفص، لذلك يمكن ان يشار إلى قشرة الفص الجبهي – لما فيها من هذه المراكز والإمكانات – بأنها المنطقة المسؤولة عما يصدر من الخطأ والصواب والصدق والكذب، وهذا الاستنتاج يتوافق مع نصوص القرآن والسنة التي أشارت بوضوح لهذه الوظائف للفص الجبهي للدماغ الكائن خلف الجبهة أو الناصية، وهو ما لم يكن معروفًا للعلماء في ذلك الزمان، ولم تكتشف هذه الحقائق ألا في النصف الثاني من هذا القرن بعد التقدم الهائل في الأجهزة والدراسات العميقة في علم وظائف الأعضاء ووظائف الفص الجبهي وملفات الدماغ…(…).


*  للراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.nooran.org

المراجع:

1- القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الجامع لاحكام القرآن دار إحياء التراث.

2- ابن الجوزي الفرج بن عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي، زاد المسير في علم التفسير (1404-1984م) ط1 المكتب الإسلامي – بيروت.

3- أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي تفسير البحر المحيط (1403- 1983)ط2 دار الفكر – بيروت.

4- الطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1405-1984)دار الفكر بيروت.

5- الشوكانى محمد بن علي فتح القدير 1983م دار الفكر – بيروت.

6- عبد الرحمن بن ناصر السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1404 هـ الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض.

7- ابن كثير (أبو الفدا إسماعيل بن كثير ) تفسير القرآن العظيم دار المعرفة – بيروت.

[أ‌]  السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.

[ب‌]  أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود وقال صحيح على شرط مسلم.

[ت‌]  ابن منظور، لسان العرب، 15/327.

[ث‌]  رواه الترمذي.

[ج‌]  رواه الترمذي ج 5/101 وقال حسن غريب.

[ح‌]  رواه الطحاوي في شرح معاني الأثار ج 3/15 وهو حديث حسن.

[خ‌]  مجلة العلوم العدد 8،9 (1995م) ص 43،44.

[د‌]   رواه البخاري.

[ذ‌]  “أصبحنا على فطرة الإسلام”.  أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن أبزى.

[ر‌]   رواه مسلم/ حديث 63.