عجب الذنب إعجاز نبوي طبي

د. محمد عليّ البار

 

أوضحت أحاديث المصطفى صلّى الله عليه وسلّم قضايا كثيرة عن جسم الإنسان وعن سواه من الأمور [العلمية] التي لم يكشف عنها اللثام إلاّ في الآونة الأخيرة، كما لا يزال بعضها يحتاج إلى المزيد من التقدم في العلوم الكونية حتى تتضح كل أبعاد حقائقها الرائعة البعيدة الغور الصعبة المنال مصداقًا لقول الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق[53]} (سورة فصلت). ومن جملة هذه الأحاديث تلك الأحاديث المتعلقة بعجب الذنب والتي أوضحت أن جسم الإنسان كله يركب منه عند تكوين الجنين، كما أن ما يبقى منه في التراب هو الذي يعاد تركيبه يوم القيامة بأمر الله تعالى.

بعض الأحاديث الواردة في عجب الذنب:

1- أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “ما بين النفختين أربعون. قال: أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة: أبيت. قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت0( أي أن أبا هريرة أبى أن يحدد الأربعين هل هي يومًا أو شهرًا أو سنة) قال: ( أي أبو هريرة يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ): “ثم يُنْـزِل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة.”

2- أخرج الإمام مسلم في صحيحه مثله عن أبي هريرة وجاء فيه: “كل ابن آدم يأكله التراب إلاّ عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب” وفي لفظ أخر له: “وليس من الإنسان شيء إلاّ يبلى إلاّ عظمًا واحدًا هو عجب الذنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة.”

وفي لفظ آخر لمسلم أيضًا: “إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه يركّب يوم القيامة. قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب”.

3- وأخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة بلفظ: “كل ابن آدم تأكل الأرض إلاّ عجب الذنب منه خلق وفيه يركّب.”

4- وأخرجه الإمام مالك في الموطأ: باللفظ السابق.

5- وأخرجه الإمام النسائي في كتاب الجنائز من السنن الكبرى.

6- وأخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الزهد.

7- وأخرجه الإمام أحمد في مسنده في عدة مواضع .

8- وأخرجه ابن حبان في صحيحه في مواضع متعددة بنفس الألفاظ السابقة وكلها عن أبي هريرة إلاّ حديثًا واحدًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برفعه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلاّ عجب ذنبه. قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: مثل حبة خردل منه ينشأ “.


عجب الذنب في علم الأجنة (الشريط الأوّلي):

شكل1: صورة حميل يبلغ من العمر18 يومًا منذ التلقيح. وقد أزيح كيس السلى (الأمنون) ويبدو الحميل معلقًا بالمعلاق إلى الغشاء المسيمي (الكوريون) كما يبين الشريط البدائي، والفتحة الجرثومية التي تمتد عبر الحبل الظهري فتصل ما بين الطبقة الخارجية الأكتودرم والطبقة الداخلية الأنتودرم مؤقتًا، ويظهر الشريط الأوّلي الذي لولا وجوده (بأمر الله تعالى) لما تكونت أجهزة الجنين المختلفة ولما بدأ مرحلة النمو السريع والتباين والتمايز في طبقات الجنين المختلفة وما يأتي منها من أعضاء مختلفة.

أوضح علم الأجنة الحديث أن عجب الذنب هو الشريط الأوّلي Primitive Streak حيث إن هذا الشريط الأوّلي هو الذي يتكون إثر ظهوره الجنين بكافة طبقاته وخاصة الجهاز العصبي، ثم يندثر هذا الشريط ولا يبقي منه إلا أثر فيما يسمى عظم العصعصي (عجب الذنب).

تكوين الشريط الأوّلي:

بعد أن تعلق الكرة الجرثومية (الأريمة) (جرثومة الشيء أصله، وكذلك أرومته أي أصله)، وهذه الكرة الجرثومية تتكون من النطفة الأمشاج (الزيحوت) بعد أن يلقح الحيوان المنوي البيضة، ثم يبدأ في الانقسامات المتتالية حتى تصبح مثل التوتة وهي مصمتة من الداخل ثم تصبح مثل الكرة حيث يتكون بداخلها سائل ويصير لها جوف ولهذا تدعى الكرة الجرثومية أو الأريمة (تصغيرًا) ثم تعلق بجدار الرحم في اليوم السابع أو السادس منذ التلقيح) Blastula في الرحم تنغرز فيه ثم تتمايز إلى كتلتين من الخلايا هما:

أ- الكتلة الخارجية: وهي تحتوي على الخلايا الأكلة Cytotrophoblasts التي تقضم جدار الرحم وتثبت الكرة الجرثومية فيه، كما أنها تسمح بتغذية الكرة الجرثومية مما يتكون حولها من الدماء والإفرازات الموجودة في غدد الرحم.

ب- الكتلة الداخلية: التي منها يتكون الجنين بإذن الله تعالى، وهذه بدروها تنقسم إلى ورقتين:

1- خارجية وتدعى الاكتودرم Ectoderm

2- داخلية تدعى الانتودرم Endoderm.

وتظهر طبقة الانتوردم الداخلية في اليوم الثامن منذ التلقيح، ويظهر شق صغير أعلى الطبقة الاكتودرمية الخارجية مكونًا بداية تجويف الأمينون (السلي)، ويكون سقف تجويف السلي من الخلايا الأكلة بينما قاعدته من خلايا الاكتودرم. وفي اليوم التاسع يمتد من خلايا الطبقة بخلايا “الانتودرم” شريط من الخلايا ويتصل بخلايا الميزودم الخارجية Extra Embryonic Mesoderm مكونًا كيس المخ الأوّلي Primary Yolk Sac. وفي اليوم الثالث عشر تنمو من الخلايا الآكلة الخارجية Cytotrophoblasts نتوءات تعرف بحملات الغشاء المشيمي Chorionic Villi التي تثبت كيس الجنين بالرحم، ثم تتفرع بعد ذلك مثل فروع الشجرة. كما تنمو الخلايا الانتودرم الداخلية مكونة كيس المخ الثاني والذي يصغر الكيس الأوّلي بكثير. وفي نـهاية الأسبوع الثاني يكون الجنين ممثلاً بقرصين متلاحقين:

1- القرص الخارجي ( الاكتودرم ) ويكون قاع تجويف الأمنيون.

2- القرص الداخلي ( الانتودرم ) الذي يكون سقف تجويف كيس المخ.

ويلتصق القرصان في الجزء الأمامي أو ما سيعرف لاحقًا بجهة الرأس Cephalic Portion نتيجة ثخانة خلايا الانتودرم، وتعرف هذه المنطقة باسم الصفيحة سالفة القلب Prochordal Plate. وكذلك يلتصق القرصان في المنطقة المؤخرية (الذيلية) Caudal Portion مكونة صفيحة المزرق مستقبلاً Cloacal Plate.

وفي اليوم الرابع عشر يستطيل القرصان حتى يأخذا شكل الكمثري فيكون الجزء العريض هو الجزء الأمامي بينما يدق الجزء المؤخري، وتنشط خلايا الاكتودرم في الجزء المؤخري مكونة الشريط الأوّلي Primitive Streak الذي يظهر لأوّل مرة في اليوم الخامس عشر منذ بدء التلقيح. ويظهر انقسام سريع ونمو متكاثر في الشريط الأوّلي وتهاجر الخلايا يمنة ويسرة بين طبقة الاكتودرم الخارجية وطبقة الانتوردم الداخلية مكونة طبقة جديدة هي الطبقة المتوسطة (الميزودم) Mesoderm.

ونتيجة لظهور الشريط الأوّلي يبدأ تكون الجهاز العصبي والنوتوكورد (سالفة العمود الفقري) كما تتكون الطبقة المتوسطة (الميزودرم) ويشهد الجنين بداية تكوين الأعضاء. أما عند غياب أو عدم تكون الشريط الأولي فإن هذه الأعضاء لا تتكون وبالتالي لا يتحول القرص الجنيني البدائي إلى مرحلة تكوّن الأعضاء بما فيها الجهاز العصبي.

ولأهمية هذا الشريط الأوّلي فقد جعلته لجنة وارنك البريطانية (المختصة بالتلقيح الإنساني والأجنة) العلامة الفاصلة بين الوقت الذي يسمح فيه للأطباء والباحثين بإجراء التجارب على الأجنة المبكرة الناتجة عن فائض التلقيح الصناعي في الأنابيب (الأطباق)، فقد سمحت اللجنة بإجراء هذه التجارب قبل ظهور الشريط الأوّلي ومنعته منعًا باتًا بعد ظهوره على اعتبار أن ظهور هذا الشريط يعقبه البدايات الأولى للجهاز العصبي.

وعند ظهور الشريط الأوّلي ونتيجة نشاطه الجم الغزير يظهر الآتي:

1- النوتوكورد (أو الحبل الظهري أو سالفة العمود الفقري) ويمتد إلى جهة الرأس من العقدة الأوّلية Primitive node والتي تعرف أيضًا بعقدة هانسن.

2- يتحول القرص الجنيني المستدير بظهور الشريط الأوّلي إلى شكل كمثري، بحيث يمكن تمييز طرفيه، ويدعى الطرف العريض الجهة الرأسية. والطرف الدقيق الجهة الذيلية أو الذنبية.

3- تظهر بداية الجهاز العصبي من الطبقة الخارجية (الاكتودرم) في نـهاية الأسبوع الثالث (20-21 يومًا) مكونة الصفيحة العصبية Neural Plate التي تمتد من جهة الرأس إلى الشريط الأوّلي وتستطيل هذه الصفيحة وتنثني مكوّنة الانثناء أو الالتفاف العصبي Neural Folds، وتكوّن الجهة المنخفضة ما يعرف باسم الميزاب العصبي Neural groove . وسرعان ما يتلف هذا الميزاب ليقفل مكونًا أنبوبة تدعى الأنبوبة العصبية Neural tube، وتكون فتحة هذا الأنبوب في طرفيه: الرأسي والذيلي.

وتدعى الفتحة الرأسية: الفتحة الأمامية العصبية Anterior Neural Pore أو الفتحة المنقارية Rostral Neuro Pore. وتقفل الفتحة العصبية الأمامية في اليوم الخامس والعشرين بينما تقفل الفتحة الخلفية في اليوم السابع والعشرين. وبهذا يقفل الأنبوب العصبي، ويشكل أغلبية الأنبوب الدماغ بينما يشكل الجزء الأخير (الذنبي) النخاع الشوكي. وفي الوقت الذي يقفل فيه الأنبوب العصبي تظهر الصفيحة السمعية Otic Placode والصفيحة العدية Lens Placode. ويتكون الدماغ في الثلثين العلويين للأنبوب العصبي بينما يتكون النخاع الشوكي في الثلث الأسفل وذلك من مستوى الكتلة (الرابعة – الخامسة). حيث أن الكتل البدنية Somirtes الأربع الأولى تكون جزءًا من قاع الجمجمة.

4- تتكون طبقة الميزودرم التي تتكثف حول المحور الجنيني مكونة الكتل البدنية Somites والتي تشكل العمود الفقري والعضلات كما يخرج منها بدايات الأطراف العليا والسفلى. وهي التي تكوّن الجهاز الهيكلي والعضلي.

وتنقسم طبقة الميزودرم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الميزودرم بجانب المحور وهو الجزء الملامس لمحور الجنين حيث الحبل الظهري والميزاب العصبي ومنه تتكون الكتل البدنية Somites والتي تكون أبرز ما في الجنين فيما بين الأسبوع الثالث إلى الخامس، ومنها يتكون الجهاز الهيكلي والعضلي كما يبرز من تلك الكتل البدنية الطرف العلوي والطرف السفلي.

القسم الثاني: وهو الجزء المتوسط من هذه الطبقة ويعرف بالميزودرم المتوسط Intermediate Mesoderm، ومنها يخلق الله سبحانه وتعالى الجهاز البولي والتناسلي.

القسم الثالث: وهو الميزودرم الحشوي Lateal Mesoderm وينقسم هذا أيضًا إلى قسمين جداري وحشوي وبينهما تجويف يعرف بالتجويف الجنيني الداخلي Intra Embryonic Ceolom ويخلق الله سبحانه وتعالى منه أغشية البيرتون والبلورا والتمور (غشاء البطن الداخلي وغشاء الرئتين وغشاء القلب على التوالي)، كما يخلق الله سبحانه وتعالى الأوعية الدموية والقلب وعضلات الجهاز الهضمي من القسم الحشوي.

وهكذا فإن تكوّن الشريط الأوّلي علامة هامة على بداية تمايز أنسجة الجنين وتكوّن الطبقات المختلفة ومنها الأعضاء، والواقع أن ما يعرف بمرحلة تكوّن الأعضاء Organogenesis لا تبدأ إلا بعد تكوّن الشريط الأوّلي والميزاب العصبي والكتل البدنية وتستمر من بداية الأسبوع الرابع إلى نـهاية الأسبوع الثامن، بحيث يكون الجنين في نـهاية هذه الفترة قد استكمل وجود جميع الأجهزة الأساسية فيه، وتكونت أعضاؤه ولم يبق إلا التفصيلات الدقيقة والنمو. (…)

مصير الشريط الأوّلي (Primitive Streak):

(…) ما يكاد ينتهي الشريط الأوّلي من مهمته في الأسبوع الرابع حتى يبدأ في الاندثار ويبقى كامنًا في المنطقة العجزية – العصعصية – في الجنين ثم في المولود، ويندثر ما عدا ذلك الأثر الضئيل الذي لا يرى بالعين المجردة.

وقد أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه لا يبقى من الإنسان إلا عجب الذنب فإذا أراد الله بعث الأجساد أنـزل عليها مطرًا من السماء كمنيّ الرجال فينبت الإنسان من بقايا ذلك الشريط الأوّلي الكامن في عجب الذنب (المنطقة العصعصية).

الخلاصة:

إن أحاديث عجب الذنب من معجزاته صلى الله عليه وسلم. فقد أوضح علم الأجنة الحديث، أن الإنسان يتكون، وينشأ من عجب الذنب هذا (يدعونه الشريط الأوّلي Primitive Streak)، وهو الذي يحفّز الخلايا على الانقسام، والتخصص، والتمايز، وعلى أثره مباشرة يظهر الجهاز العصبي في صورته الأولية (الميزاب العصبي، ثم الأنبوب العصبي ثم الجهاز العصبي بأكمله)، ويندثر هذا الشريط الأوّلي إلا جزءًا يسيرًا منه يبقى في المنطقة العصعصية التي يتكون فيها عظم الذنب (عظم العصعص)، ومنه يعاد تركيب خلق الإنسان يوم القيامة كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

 __________

*  إستشاري بأكاديمية الملك فهد الطبية وعضو اللجنة العلمية لهيئة الإعجاز العلمي. للراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.nooran.org

[1]  صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الزمر الآية 86 ج8/551 وسورة النبأ الآية 18 ج8/689 الطبعة السلفية بمصر تصوير دار المعرفة بيروت.

[1]  صحيح مسلم بشرح النووي، دار الفكر، بيروت، كتاب الفتن ج18/91، 92.

[1]  سنن أبي داود ج4 الحديث رقم 4743، كتاب السنة، ذكر البعث والصور، ترقيم وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

[1]  تنوير الحوالك شرح موطأ مالك للإمام السيوطي، كتاب الجنائز ج1/238، دار الندوة الجديدة، بيروت.

[1]  مسند الإمام أحمد ج2/215، و322، ج3/28.

[1]  صحيح ابن حبان ج5/55، 56، الأحاديث رقم 3128-3130.