ما هو الأفضل في الصيـام؟ الحركة أم السكون؟

د. عبد الجواد الصاوي*

 

يأتي شهر رمضان الكريم والناس فيه فريقان: الأول يهتم بالأغذية الروحية من الذكر وقراءة القرآن والصلاة والصدقة وفعل الخيرات والسعي في الأرض بما ينفع البلاد والعباد وعدم ضياع الوقت في اللهو وتحصيل الشهوات وصيانة النفس من الوقوع في الآثام والموبقات، والفريق الثاني عندما يحل عليه الشهر الكريم كل همه أن يحافظ على صحته الجسدية فيهتم بالأغذية الجسمانية طوال الليل ويقضي معظم النهار نائمًا أو جالسًا في بيته معتقدًا أن الحركة والنشاط أثناء الصيام تضعف الجسد وتنهك القوى. فهل الصيام الإسلامي يفعل ذلك؟ أم هو العكس تماما من ذلك؟.

وسنبين في هذا المقال بالدليل العلمي القاطع أن الحركة والنشاط أثناء الصيام يقويان الجسد ويجددان العافية.

ذكرت المراجع الطبية، أن الحركة العضلية في فترة ما بعد امتصاص الغذاء أثناء الصوم تؤكسد مجموعة خاصة من الأحماض الأمينية ذات السلسلة المتفرعة ( ليوسين وأيسوليوسين والفالين )، وتتأكسد هذه الأحماض أساسًا في العضلات، حيث يوجد الأنزيم الخاص بتحويل مجموعة الأمين ( Amino Transferase ) بكثرة في جهازي الاحتراق ( الميتوكندريا والسيتوزول ) ( Cytosol ) في الخلايا العضلية، وبعد أن تحصل الخلايا العضلية على الطاقة المنبعثة من هذا التأكسد، يتكون داخل هذه الخلايا حمضين أمينيين في غاية الأهمية، وهما حمضا الآلانين والجلوتامين، ويعتبر الأول وقودًا أساسيًا في تصنيع الجلوكوز الجديد في الكبد، ويدخل الثاني في تصنيع الأحماض النووية، ويتحول جزء منه إلى الحمض الأول.

 

تتحول الأحماض الأمينية ذات السلسلة المتفرعة إلى أحماض أكسوجينية في العضلات، والتي تتأكسد فتنطلق منها الطاقة، ثم يتكون منها حمضي الجلوتاميت والألانين، ويتكون الأخير أيضا من البيروفيت والجلوتاميت، ويعبر إلى الدم ومنه إلى الكبد ليشارك في صنع جلوكوز جديد به يمد العضلات بالطاقة، وهكذا فإن الحركة عمل إيجابي يفيد في إمداد الجهاز الحركي بطاقات جديدة. كما يتكون أثناء النشاط والحركة حمضا البيروفيت واللاكتيت من أكسدة الجلوكوز في الخلايا العضلية، واللذان يعتبران أيضا الوقود الأولي لتصنيع جلوكوز الكبد.

في ما يعرف بدورة كوريحيث يتكون الحمض اللبني (Lactic Acid ) في العضلات النشطة،

ثم يتحول إلى جلوكوز بواسطة الكبد، ويمد العضلات مرة أخرى بالطاقة اللازمة.

وتزداد هذه الأكسدة بالحركة، لذلك فعملية تصنيع جلوكوز جديد في الكبد تزداد بازدياد الحركة العضلية، وربما تصل إلى ثلاثة أضعافها في حالة عدم الحركة، ويعتبر حمض الألانين أهم الأحماض الأمينية المتكونة في العضلات أثناء الصيام، إذ يبلغ ( 30% ) منها، وتزيد هذه النسبة بالحركة والنشاط، ويتكون من أكسدة بعض الأحماض الأمينية ومن البيروفيت، يتحول هو أيضا إلى البيروفيت عبر دائرة تصنيع الجلوكوز في الكبد، وأكسدته في العضلات.

 

يبين استقلاب البروتينفي العضلات، وتحول الأحماض الأمينية ذات السلسلة المتفرعة إلى بيروفيت، ثم إلى الأنين الذي يتحولفي الكبد إلى جلوكوز، ويعود إلى العضلات مرة أخرى ليمدها بالطاقة.

ويستهلك الجهاز العضلي الجلوكوز القادم من الكبد للحصول منه على الطاقة، فإن زادت الحركة وأصبح الجلوكوز غير كاف لإمداد العضلات بالطاقة، حصلت على حاجتها من أكسدة الأحماض الدهنية الحرة القادمة من تحلل الدهن في الأنسجة الشحمية. فإن نقضت الأحماض الدهنية حصلت العضلات على الطاقة من الأجسام الكيتونية الناتجة من أكسدة الدهون في الكبد، والذي يؤكد أن النشاط والحركة تنشط جميع عمليات الأكسدة لكل المركبات التي تمد الجسم بالطاقة وتنشط عملية تحلل الدهون، كما تنشط أيضا عملية تصنيع الجلوكوز بالكبد من الجليسرول الناتج من تحلل الدهون في النسيج الشحمي، ومن الاكتيت الناتج من أكسدة الجلوكوز في العضلات.

لذلك فالحرة والنشاط أثناء الصيام الإسلامي عمل إيجابي وحيوي يزيد من كفاءة عمل الكبد والعضلات، ويخلص الجسم من الشحوم، ويحميه من أخطار زيادة الأجسام الكيتونية في الدم.

 

 

تقوم العلاقة بين العضلات وتصنيع الجلوكوز في الكبد، حيث يتحول البيروفيت إلى لاكتات، وهي نواتج حرق الجلوكوز في العضلات،

وتدخل في تصنيع الجلوكوز في الكبد مع الجليسرول القادم من النسيج الشحمي، كما يبين الشكل المركبات التي تمد العضلات بالطاقة، وهي الجلوكوز، فالأحماض الدهنية، ثم الأجسام الكيتونية عندما تزداد في الدم وتقل الأحماض الدهنية، كما يبين الشكل أيضا تغذية النسيج الشحمي في الجسم بالجلوكوزلإنتاج الطاقة التي تحتاج إليها الخلايا وتحول الجلوكوز فيه إلى دهن، ما يبين الشكل أيضا تخزين الجلوكوز في صورة جليكوجين بعد تناول الغذاء وتحلل الجليكوجين إلى جلوكوز أثناء الصيام في الكبد والعضلات.

كما أن الحركة العضلية تثبط تصنيع البروتين في الكبد والعضلات، وتتناسب درجة التثبيط مع قوة الحركة ومدتها، وهذا بدوره يوفر طاقة هائلة تستخدم في تكوين البروتين، حيث تحتاج كل رابطة من الأحماض الأمينية إلى مخزون الطاقة في خمسة جزئيات للأدينوزين والجوانين ثلاثي الفوسفات ( ATP & GTP )، وإذا كان كل جزيء من هذين المركبين يحتوي على كمية من الطاقة تتراوح من ( 5-10 ) كيلوكالوري، وإذا علمنا أن أبسط أنواع البروتين لا يحتوي الجزيء منه على أقل من 100 حمض أميني، فكم تكون إذا الطاقة المتوفرة من تثبيط تكوين مجموعة البروتينات المختلفة بأنواعها المتعددة.

وفي أثناء الحركة أيضا يستخدم الجلوكوز والأحماض الدهنية والأحماض الأمينية في إنتاج الطاقة للخلايا العضلية، وهذا بدوره يؤدي إلى تنبيه مركز الأكل في الوساد تحت البصري ( Hypothalamus )، وذلك لوجود علاقة عكسية ( Feed back ) بين هذه المواد في الدم ودرجة الشبع وتنبيه مركز الأكل في الدماغ.

لذلك فالحركة العضلية تنبه مركز الأكل وتفتح الشهية للطعام.

كما أن الحركة والنشاط العضلي الزائد يحلل الجليكوجين إلى جلوكوز في حال عدم وجود الأكسجين، وينتج من جراء التمثيل الغذائي للسكر الناتج من حمض اللاكتيك، الذي يمر إلى الدم، ويتحول بدوره إلى جلوكوز وجليكوجين بواسطة الكبد، ففي العضلات لا يتحلل الجليكوجين إلى جلوكوز في حالة السكون كما في الكبد وذلك لغياب أنزيم فوسفاتاز 6 الجلوكوز ( Phosphatas-6-Glucose )، فالحركة إذن عامل هام لتنشيط استقلاب المخزون من الجليكوجين العضلي إلى جلوكوز، وتقديمه للأنسجة التي تعتمد عليه كالمخ، والجهاز العصبي، وخلايا الدم، ونقى العظام، ولب الكلى.

كما يمكن أن تكون للحركة العضلية علاقة بتجديد الخلايا المبطنة للأمعاء، فتحسن بذلك الهضم والامتصاص للمواد الغذائية إذ تحتاج هذه الخلايا لحمض الجلوتامين لتصنيع الأحماض النووية ( Nucleotide Synthesis ) والذي تنتجه العضلات بكثرة أثناء الحركة.

ويتجدد شباب الخلايا المبطنة للأمعاء ( cells Mucosal ) كل يومين إلى ( 6 ) أيام، وتفقد يوميا ( 17 ) بليون خلية ( 15 )، فهل يمكن أن تكون الحركة العضلية علاجا لاضطرابات الهضم وسوء الامتصاص؟.

إن فلسفة الصيام مبنية على ترك الطعام والشراب، وتشجيع آليات الهدم ( العمليات الكيميائية الحيوية ) أساسا في عملية التمثيل الغذائي، والنهار هو الوقت الذي تزداد فيه عمليات التمثيل الغذائي وخصوصا عمليات الهدم لأنه وقت النشاط والحركة واستهلاك الطاقات في أعمال المعاش، وقد هيأ الله سبحانه وتعالى للجسم البشري ساعة بيولوجية تنظم هرمونات الغدد الصماء، وكثيرا من آليات التمثيل الغذائي بما يتوافق ونشاط هذه الآليات أثناء النهار.

ولنضرب مثلا بهرمون الكورتيزول والأدرينالين، فالأول يكون في أقصى زيادة له عند التاسعة صباحا تقريبا في الشخص الذي ينام ليلا ويقل تدريجيا حتى يصل إلى خمس معدل تركيزه عند منتصف الليل، وهذا الهرمون هو من هرمونات الهدم، إذ يعمل على تكسير البروتينات إلى أحماض أمينية. والثاني هرمون الأدرينالين، إذ يصل إلى أقصى معدل له في نهاية فترتي الصباح والظهيرة ( حوالي التاسعة صباحا والثانية ظهرا ). وهذا الهرمون يرفع معدل تركيز الجلوكوز والأحماض الدهنية، ويزيد عن معدل هدمها، كما يساعد في تثبيط تكون البروتين، وأكسدة الأحماض الأمينية في العضلات، ويحرك الألانين إلى الكبد، لتكوين جلوكوز جديد فيه، وتقديم المزيد من الطاقة للجسم، كما ينبه الجهاز العصبي.

لذلك فقد يكون هذا أحد الأسرار التي جعل الله من أجلها الصيام في النهار وقت النشاط والحركة، والسعي في مناكب الأرض ولم يجعله بالليل وقت السكون والراحة.

من أجل هذا يمكننا أن نقول وبكل ثقة ـ: إن النشاط والحركة أثناء الصيام يوفر للجسم من الجلوكوز المصنع أو المخزون في الكبد وهو الوقود المثالي لإمداد المخ وكرات الدم الحمراء، ونقي العظام، والجهاز العصبي بالطاقة اللازمة، لتجعلها أكثر كفاءة لأداء وظائفها، كما توفر الحركة طاقة للجسم البشري تستخدم في عملياته الحيوية، فهي تثبط تكون البروتين من الأحماض الأمينية، وتزيد من تنشيط آليات الهدم أثناء النهار، فتستهلك الطاقات المختزنة، وتنظف المخازن من السموم التي يمكن أن تكون متماسكة أو ذائبة في المركبات الدهنية،أو الأمينية، وإن الكسل والخمول والنوم أثناء نهار الصيام ليعطل كل هذه الفوائد، بل قد يصيب صاحبه بكثير من العلل ويجعله أكثر خمولا وتبلدا.

كما أن النوم أثناء النهار والسهر طوال ليل رمضان، يؤدي إلى اضطراب عمل الساعة البيولوجية في الجسم، مما يكون له أثر سيء على الاستقلاب الغذائي داخل الخلايا.

ولقد أجريت دراسة أثبتت هذا الاضطراب على هرمون الكورتيزول ، قام بها الدكتور محمد الحضرامي في كلية الطب جامعة الملك عبدالعزيز وقد أجرى الدراسة على ( 10 ) أشخاص أصحاء مقيمين خارج المستشفى، وأظهرت الدراسة أن أربعة منهم حصل عندهم اضطراب في دورة الكورتيزول اليومية، وذلك خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر رمضان، مع انقلاب النسب المعهودة في الصباح، وفي منتصف الليل، فقد لوحظ أن المستوى الصباحي قد انخفض، والمستوى المسائي قد ارتفع، وهذا على عكس الوضع الاعتيادي اليومي، وقد عزا الباحث هذا الاضطراب إلى تغير العادات السلوكية عند هؤلاء الصائمين الذين يقضون النهار في النوم، والليل في السهر، وقد عاد الوضع الطبيعي للكورتيزول بعد ( 4 ) أسابيع من نهاية شهر الصيام، وبعد أن استقر نظام النوم ليلا والنشاط نهارا عند هؤلاء الأشخاص.

وقد ثبت بالدليل العلمي القاطع أن الصيام الإسلامي ليس له أي تأثير سلبي على الأداء العضلي، وتحمل المجهود البدني، بل بالعكس أظهرت نتائج البحث القيم الذي أجراه الدكتور أحمد القاضي وزملاؤه بالولايات المتحدة الأمريكية أن درجة تحمل المجهود البدني، وبالتالي كفاءة الأداء العضلي قد ازداد بنسبة ( 200% ) عند ( 30% ) من أفراد التجربة، و( 7% ) عند ( 40% ) منهم في البحث الذي دوناه في الفصل التالي تحت عنوان ( الصيام وتحمل المجهود البدني ) وهذا يبطل المفهوم الشائع عند كثير من الناس من أن الصيام يضعف المجهود البدني، ويؤثر على النشاط فيقضون معظم النهار في النوم والكسل.

من أجل هذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه والمسلمون الأولون لا يفرقون في الأعمال بين أيام الصيام وغيرها، بل كانوا يعقدون ألوية الحرب ويخوضونها صائمين متعبدين، فهل يتحرر المسلمون من أوهام الخوف من الحركة والعمل أثناء الصيام؟ وهل يهبون قائمين لله عاملين ومنتجين ومجاهدين، مقتدين بنبيهم وسلفهم الصالح رضوان الله عليهم؟.

ـــــــــــــ

* وللراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.eajaz.org