هل المشروبات الغازية تهضم الطعام وتروي الظمآن؟

د. فوزي الفيشاوي*

 

1. هل المشروبات الغازية تروي العطشان؟

        إن الشعور بالظمأ أحد الأحاسيس القوية في حياة الإنسان. فما الذي يجري في جسم الظمآن؟ حين يقل معيار الماء بالجسم وتبدأ الخلايا في طلب المزيد تتولد آليتان لطلب الإرواء: فالماء الذي نقص في الدم يجعل تركيز الأملاح يزيد، ومن ثم يزيد الضغط الإزموزي للدماء. وحتى يعوض الدم ما فقد من ماء يلجأ إلى غدد الفم اللعابية يأخذ ما تنطوي عليه من ماء وهكذا يشعر المرء بجفاف فمه، ويطلب الماء للإرواء. وفي الوقت نفسه فإن الدم لا يتوقف عن إرسال إشاراته إلى المخ يبلغه فيها بنقصان الماء مما يولد لدى المرء رغبة في الإرواء. والماء القراح هو مطلب الأبدان ولكن الناس اليوم استبدلوا الأشربة الغازية بالماء القراح فهل هذه الأشربة حقٌّا تروي الظمآن؟

        ربما يدهشك أن تعلم أنها لا تروي أحدًا من ظمأ، بل ربما تزيد حرقة الظمآن ويعود ذلك إلى المحتوى السكري للأشربة والذي يزيد من قيمة الضغط الإزموزي. وهكذا فإذا شرب الظمآن كثيرًا من الشراب زادت إزموزية الدماء وزادت رغبته في الإرواء. وإن المرء ليعجب حقٌّا وهو يرقب الناس في كل لقاء يقدم فيه الطعام وهم يعرضون عن الماء القراح إلى الأشربة الغازية ثم لا يلبثون أن يطلبوا الماء. هذا لأنه لا يطفئ الظمأ شراب مثل الماء، ولا بديل عن الماء في الشعور بالرضا والإرواء.

        وإذا كانت الأشربة الغازية لا تطفئ الظمأ فإن أخذها بحالة باردة ومثلجة في الصيف ليس له أدنى تأثير على شعور المرء بالحر، فهي لا ترطب الأبدان، كما أنها لا تخفف من وطأة الجو الخانق مثلما يعتقد الكثيرون، بل العكس هو الصحيح بمعنى أن تناول السوائل الساخنة هو الذي يخفف من وطأة القيظ ويرطب الأبدان.

        ونستطيع أن نفهم السبب إذا أدركنا آلية الشعور بالحرارة والبرودة، فعندما نأخذ شرابًا ساخنًا فإنه يؤدي إلى الشعور بارتفاع موضعي في حرارة الجسم وإذا ما أزيلت هذه الحرارة بانتشارها في أنحاء الجسم نشعر ببرودة نسبية، وفي الوقت نفسه فإن الأوعية الدموية التي كانت متمددة تتقلص، مما ينجم عنه بطء انتقال الحرارة إلى الجسم. وكذلك يعمل المشروب الدافئ على زيادة تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي ويكون هذا على حساب تدفقه إلى الجلد مما يؤدي إلى الإحساس ببعض البرودة والتلطيف.

2. هل الأشربة الغازية تهضم الطعام؟

        بمجرد أن ينزع غطاء الأشربة الغازية تظهر على الفور فقّاعات كثيرة، ويحدث فوران شديد فما هو السبب؟

        الواقع أن الأشربة الغازية تصنع عادة من مكونين كبيرين أحدهما هو الشراب الأساسي والآخر هو ماء الصودا Soda Water وهذا الأخير هو بغيتنا الآن وهو (ببساطة) المحلول الذي ينتج عن إذابة غاز ثاني أكسيد الكربون النقي في الماء تحت ظروف محددة من حيث درجة الحرارة والضغط.

        وبهذه المناسبة فإن تعبير (ماء الصودا) لا يعني وجود الصوديوم أو أحد أملاحه ضمن تركيب المحلول، بل إنه يعبر عن الطريقة التي كانت سائدة للحصول على غاز ثاني أكسيد الكربون. فقد كان ينتج بطريقة تعتمد على تحميض كربونات الصوديم أو بيكربونات الصوديوم، وبسبب الاعتماد على هذه الأملاح الصوديومية أطلق على المحلول الناتج (ماء الصوداء)، على العموم فإن الغـاز يكـون ذائبًا في الأشربة الغازية بواقع لتر من الغاز في كل لتر من الشراب، وتجري إذابته تحت ضغط مرتفع. ولكن ما إن ينزع غطاء الزجاجة لا سيما عند ارتفاع درجة حرارة الشراب فإن الغاز ينطلق مسرعًا من العبوة في صورة فقاعات وفوران شديد.

        ويدعونا هذا الحديث للتساؤل عن دور غاز ثاني أكسيد الكربون في المساعدة على هضم الطعام، وهل بوسعه حقٌّا إزالة الشعور بالتخمة وحالة التلبك الهضمي؟

الواقع أن هذا السؤال مثير للجدل إلى حد كبير، ولكن العلماء اهتدوا ـ مؤخرًا ـ إلى حل بارع له؛ إذ فكّروا في منح بعض المتطوعين شرابًا غازيًا، بعد أن تناولوا طعامًا أضيف له نظير مشع Radioactive isotope، بغية متابعة حركة الطعام في قناة الهضم، ثم حساب الزمن الذي يمكنه في المعدة قبل الإفراغ.

        والنتيجة لن يصدقها الكثيرون، فقد استبان للباحثين أن أخذ الشراب الغازي لا يزيد من قدرة عضلات المعدة على تحريك الطعام باتجاه المخرج. وبتعبير آخر فإن الشراب لا يزيد من انقباضات المعدة المتجهة من المدخل باتجاه المخرج وهي المعروفة بالتقلصات الدودية  Peristalsis  ومن ثم لا يزيد من قدرة المعدة على تحريك ما تحويه من طعام. وتبين أيضًا أن دور الشراب لا يتجاوز مجرد إعادة توزيع الطعام داخل فراغ المعدة، فالغاز يتجمع في الجزء العلوي من المعدة دافعًا الطعام والسوائل بالجزء السفلي. بقي أن نزيد أن هذه الغازات المتجمعة في المعدة قد تضغط على أعلى البطن مفجرة موجة من الآلام لا تخف بغير إخراج عاجل عن طريق الجشاء، على أنها قد تهرب إلى الأمعاء الدقيقة والغليظة، فيعم عندئذ شعور بالانتفاخ يستوجب إخراج الرياح ومعاودة الجشاء.

        فانظر كم في الأشربة الغازية من متاعب ومنغصات، وانظر كم ينسبون إليها من منافع صحية ومكرمات هي في الحقيقة من قبيل الخرافات…

 



*  جرى تعديل العنوان لكي لا يعتبر المقال إساءة الى نوع معين من المشروبات الغازية. للراغبين بمتابعة المقال بكامله مراجعة الموقع www.nooran.org