كم عدد الحواس عند الإنسان؟

د. ناصر أحمد محمد سنه*

العدد السابع والثلاثون – ربيع 2016

حواسنا.. بين العلم، والدين

الحواس”نوافذ طبيعية وضرورية للتعلم والإدراك والبيان والتواصل مع العالم الخارجي”. أنعم الله تعالى علينا بها وأتقن صنعها وعملها: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم}(التين:4).. إعانة للناس على إدراك الغاية من وجودهم على هذه الأرض:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات:56).
فما هي هذه الحواس، وكيف تعمل، وكيف نسعد بها. وما هي مسئوليتنا نحوها وفق ضوابط الشرع الحنيف.
تتفاعل الحواس فتستقبل من الخارج المرئيات، والمُدركات، والمثيرات، والمحفزات، والملموسات والمحسوسات إلخ. وترسل إشاراتها إلى الداخل العصبي والنزوعي والوجداني. ومن ثم تستقبل، مع باقي أجزاء الجسم ـ ردود الأفعال المتنوعة والمناسبة والمتخصصة. فبواسطة الأشعة التي تنعكس من الجسم المرئي باتجاه العين ـ عضو الإبصار المُحكم التكوين، والمُتقن الخِلقة والوظائف ـ تبدأ في إرسال الصور مقلوبة إلى المخ، فيراها. ومن ثم ينفعل لها الوعي والإدراك والشعور وباقي جوانب وملكات الجسم، والنفس. إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. كما يستطيع جهاز الإبصار التمييز بين الألوان والأشكال والأحجام والضوء والظلام. والعين قادرة على الإفصاح عما يعجز عنه اللسان وتفيض بالدموع شكوى أو مراوغة أو حزناً أو فرحاً. ومن فضل الله ونعمته. أمد العين بوسائل وسبل لنظافتها وحمايتها ووقايتها من الأخطار والأضرار الطبيعية والبيولوجية. فالدموع الملحية غسول ورطوبة ووقاية من الميكروبات. وحركة الرموش ـ تتم بطريقة لا واعية ودون تفكيرـ وقاية، وتلطيفاً للقرنية إلخ.

ولقد وهبنا الله تعالى القدرة على التمييز بين الأصوات المختلفة (أصوات البشر، والحيوانات، والطبيعة، والآلات، والطائرات، إلخ) ودلالاتها ومغزاها وما وراءها من خلال جهاز السمع الرائع: الأذن وأجزاءها، ومركز السمع في المخ. وعند التواجد في واقع جسماني/ أو فيزيائي جديد (ركوب طائرة أو صعود/ هبوط بواسطة مصعد كهربائي سريع) نشعر بقرقعة في الأذن، بسبب التغير السريع في ضغط الهواء، ويبذل الجسم محاولات للتكيف والتوازن مع هذا الواقع الجديد. إن نعمتيّ البصر والسمع عظيمتان، شأن سائر النعم، لا يشعر بقيمتهما إلا من فقدهما، ومع ذلك فالله تعالى قد منح حواسًا أخرى، فالأعمى أو الأصم يستطيعان العيش حياة عادية على الرغم من فقدهما لهاتين الحاستين.

أما حاسة الشم، والمسؤول عنها هو الأنف، والذي يحتوي على شعر دقيق لحجز الأتربة والميكروبات. فضلاً عن أن التجويف الأنفي متعرج ليزيد من مساحة السطح الداخلي، ومبطن بغشاء مخاطي يفرز مواداً مخاطية تعمل على تنقية الهواء مما فيه وترطيبه. بينما تقوم الشعيرات الدموية بتدفئة الهواء ليتناسب وحرارة الجسم. والتجويف العلوي للأنف يحتوي على الكثير من المراكز الحسية المكونة لبداية العصب الشمي، حيث تتعرف هذه المراكز الحسية على المثيرات الشمية، والمواد الطيارة إلخ. وترسل معلومات إلى المخ فيحللها، وهاكم النتيجة: إنها روائح عطرة جميلة، ولها درجات وتنوعات وتركيزات عدة، وتلك روائح كريهة إلخ.

في تداخل وتناغم يساعدان على التمييز بين الأطعمة والأشربة المختلفة، تؤثر حاسة الشم في حاسة التذوق. وتنتشر على اللسان حلمات التذوق (اللسان مجهز بحوالي 10,000 حليمة تذوق) مختلفة الشكل والحجم تحتوي على خلايا حسية تميز بين المذاقات الرئيسية الأربعة: الحلو، الحامض، المر، والمالح. والخلايا حساسة لواحد أو اثنين منها، ثم تنتقل النبضات العصبية إلى القشرة المخية حيث يتم إدراك الطعم. ويقوم طرف اللسان بالتمييز بين طعم السكر والملح، بينما جانبي اللسان يمكنهما تحديد الطعم القابض مثل الخل. أما نهاية اللسان فيدرك الطعم المر. وبعض مواضع اللسان أكثر حساسية إزاء بعض أنواع المذاقات من سائر المواضع الأخرى. ولا يفوتنا أن للسان دور هام.. كونه “الناطق الرسمي” والترجمان الفعلي المُعبر عن أفكار وعقل وأحاسيس ومشاعر الإنسان.
أما حاسة اللمس فتكشف لنا عن التمايز بين الملمس الخشن والناعم، والساخن والبارد، والمؤلم والممتع. وهي تنظم الكثير من علاقات التفاهم والتواصل والاستحسان أو الرفض إلخ. فضلاً عن قيام الجلد ـ الكساء الحيوي الخارجي للجسد، ومرآة صحة البدن وجماله ـ بحماية الجسم ووقايته من الميكروبات وإفراز العرق إلخ. لذا يعده العلماء عضواً من أعضاء الجسم.

لكن هذه الحواس لها مدىً وقدرة مُقدرة لا تستطيع تجاوزهما. فمثلاً لا يمكننا رؤية ماذا يجري في الشارع المجاور لنا، أو خلف جدران غرفتنا؟. فالجدار يحجب مدى وقدرة العين المبصرة. والأذن كذلك، لها ذبذبات معينة لتسمعها وهو ما يُعرف بـ”حد السمع”(تردد ما بين 16- 20000 هيرتس HZ). فلو زادت عن هذا الحد الطبيعي فوق السمعي Ultrasound أو نقصت Infrasound لم نستطع سماع شيءٍ. ذلك لأن قدرة استيعاب الأذن لذبذبات الصوت قدرة محدودة (وما ينطبق على حاسة البصر والسمع ينطبق كذلك على حاسة الشم). ومع ذلك فالموجات تحت السمعية، قد لا تسمعها فعلاً، لكن قد تشعر بوجودها. الأمر الذي قد يفسر شعور البعض بأنه “مراقب أو مطارد من قبل شخص يسير خلفه”.

هل الحواس خمسة فقط؟

النظر، والسمع، والشم، والتذوق، واللمس خمس حواس تعمل على رسم صورة للعالم داخل أمخاخنا. لكن الطرق الحديثة في دراسة المخ والأعصاب وعمل الدماغ تقلب تلك النظرية للإدراك الحسي رأساً على عقب. فنرى رأياً علمياً يُفصل الحواس ويشير إلى امتلاكنا إحدى عشر حاسة: البصر، والسمع، والتذوق، والشم، واللمس، والضغط، والحرارة، والبرودة، والألم، الإحساس بالحركة، والإحساس بالتوازن. والحاسة الأخيرة تتبدى عند فقد التوازن والتعثر في عائق. فيعمل الإنسان سريعاً على استعادة توازنه، وإلا تعرض للسقوط. وهذه الحاسة (أي التوازن) مركزها الرئيس الأذن. ففي كل أذن ثلاثة أنابيب نصف دائرية تدعى القنوات. وتكشف تلك القنوات طبيعة الحركة التي ننوي القيام بها. وما إذا كانت قياماً أو قعوداً، أو إلى الوراء أو إلى الأمام… فترسل إشارات خاصة إلى الدماغ، فيحللها، ويتولى إصدار الأوامر اللازمة لنحفظ ونحافظ على توازننا. لكن للعينين ومجسات القدمين وكل عضلة في الجسم أيضاً دور في إرسال تقرير سريع للدماغ يوضح موقفها بالنسبة لاستواء الأرض تحتها. كما تتضمن حاسة التوازن نسبة شد العضلات في كل عضو والموقع المفترض لوضع القدم.

وهناك رأي آخر يشير إلى أن حواس الإنسان إحدى وعشرين حاسة. وذلك اعتماداً على أن الخطوط الفاصلة بينها بدأت تذوب وفقاً لكيفية تقسيم الأنظمة الحسية. فعلى سبيل المثال يمكن تصنيف الحواس الخمس حسب نوع المنبه. وستكون الحواس الكيميائية هي التي تُستشعر في صورة تذوق أو روائح أو تحس داخلياً مثل مستوى الجلوكوز بالدم. وهناك الحواس الميكانيكية اللمسية، والسمعية، والبصرية (الرؤية). وتمتلك بعض الحيوانات كذلك إدراكاً كهربياً أو حساً مغناطيسياً. واتضح أن عملية الإبصار مركبة من أربع حواس فرعية تتضمن: التركيز على الهدف، والرؤية الجانبية، وإدراك المنظر العام، والرؤية المرتبطة بالحالة الذهنية: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} (سورة الأعراف، الآية:198).
كما يمكن تقسيمها إلى حاستين اثنتين: الضوء، واللون، أو أربعاً: الضوء، والألوان (الأحمر، والأخضر، والأزرق). وفي بعض الحيوانات هناك خلاف في الشبكية بحيث تستجيب فقط للحركة، والبعض يعتبر ذلك حاسة أخرى.
أما حاسة الشم فتتضمن مقدرتين أساسيتين: الأولى الإحساس بأكثر من 2,000 عنصر كيميائي ثابت، والأخرى التقييم السريع لأي تمازج محتمل بين هذه العناصر يخلق رائحة غير معروفة من قبل!.
على أن كافة مجموعات الحواس تتطلب أنظمة حسية مختلفة تماماً. فمادة تذوب على اللسان وتنتج رائحة معينة تصعد إلى الأنف لتلتصق بمستقبلة معينة تختلف تماماً عن تلك الحركة الميكانيكية للخلية الشعرية في الأذن الداخلية أو عن فوتون ضوء يصطدم بالشبكية. كما أنه يمكن أيضاً تقسيم تلك المجموعات إلى مجموعات فرعية. ومن ثم تُعرف الحاسة على أنها: “منظومة تتكون من نوع متخصص من الخلايا التي تستجيب لإشارات معينة، ومن ثم ترسل إشاراتها العصبية إلى أجزاء محددة من المخ”.
لذا يمكن النظر إلى التذوق لا كحاسة واحدة بل كخمس حواس: حلو، ومالح، وحامض، ومر، ومذاق “الجلوتامات” التي تمنح الشعور بنكهات محتوية على اللحوم.
كما اتضح أن حاسة اللمس تتفرع إلى أربعة أقسام: حالة اللمس الناعم (مثل شعورك بملمس الحرير)، واللمس الفيزيائي (كبرودة الماء)، واللمس العميق (كالشعور بضغط الأصابع)، وأخيراً الإحساس بتغيرات الطقس حولك. ويصنف علماء الأعصاب اللمس إلى: جلدي، وحشوي، وعظمي/ جسدي اعتماداً على المكان الذي تستشعر فيه. لكن هل يعني ذلك وجود أنظمة حسية مختلفة أم أنها مجرد مسألة متعلقة بجغرافية الجسم الداخلية والخارجية؟.
يوافق معظم الناس على أنهم يستطيعون استشعار الحرارة، والضغط، واللمس، وحاسة إدراك حركة الجسم، والتوازن إلخ. لكن هناك أيضاً مجموعة كبيرة من “الحواس الداخلية” تجعلنا على اتصال دائم بما يحدث داخل أجسامنا. فهناك مثلاً الشعور بامتلاء/ فراغ المعدة، وضغط البلازما (المسؤول عن شعورنا بالعطش)، وضغط الدم، وحرارتنا الداخلية، وانتفاخ الرئتين، وامتلاء الأمعاء والمثانة، ونسبة الأوكسجين في الدم إلخ.
نعم… إلى حد كبير يمكن التعرف على مكونات العالم الطبيعي باستخدام حاسة أو اثنتين هما الإبصار واللمس. لكن عند التحدث عن الحواس فينبغي تأمل وتدبر المشاعر والمدركات. فمن دونها لن يتخطى كون أجسامنا تعمل على مستوى “ميكانيكي آلي” لا يزيد كثيراً عن مستوى “الأميبا” أو النباتات. فنبات دوار الشمس الذي ينمو متتبعاً دورة الشمس الظاهرية، أو النباتات صائدة الحشرات والتي تغلق أوراقها عليها لتتغذى بها… تفاعلات ميكانيكية لأحد المنبهات. ونحن البشر ـ بنعمة من الله وفضل ـ على العكس من ذلك، نرى الضوء والظلال، لكننا ندرك الأشياء، والفراغ، والناس، ومواضعها بالنسبة لبعضها البعض. نسمع الأصوات، فنفرق بين أصوات البشر، أو الموسيقى، أو السيارات. نتذوق ونشم مزيجاً معقداً من الإشارات الكيميائية لكن “ندرك” ذلك المزيج ككوب من العصير أو كبرتقالة، أو كقطعة من اللحم المشوي. فالإدراك هو “القيمة المضافة” التي يخلعها المخ المنظم على المعلومات الحسية. وهو يتجاوز بكثير حدود ذلك المزيج المتنافر من الأحاسيس، ليكتنف الذاكرة، والتجارب الباكرة، ويعالج المعلومات الحسية في المستويات المخية العليا.
إن ما نسمعه ليس مجرد حاصل جمع بسيط للأصوات التي تجمعها الأذن. بل صورة أكبر من ذلك، فهناك العديد من العمليات المكتنفة في الأمر، يتيح بعضها للمخ معرفة جمال/ شدة/ اتجاه الصوت. أما العمليات الأكثر تعقيداً، فتسمح لنا بتجاهل أحد الأصوات عندما ننصت لآخر. وفي متلازمة “حفل الكوكيتل” الشهيرة، نقوم بتجاهل كافة الأصوات الخارجية عندما نكون طرفاً في مناقشة. لكن نستطيع تحويل انتباهنا بسرعة إذا ذكر أحد أسمائنا. ويعني ذلك ضمنًا أننا نظل دائمًا “ننصت” للأصوات المحيطة برغم أننا لا “نستمع” إليها إلا عندما تصبح فجأة ذات مغزى بالنسبة لنا. لذا كان الأمر الإلهي المتعلق بالقرآن الكريم: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (سورة الأعراف: الآية: 204).
وهناك الإحساس والحكم على حجم الأشياء وسرعتها: فاتساق رؤيتنا للعالم ينبع من حقيقة أن حجم الأشياء لا يتغير كثيراً خلال فترات زمنية قصيرة. فبالنسبة لجسم معتادون عليه مثل سيارة فكلما بدت أكبر أدركنا أنها أكثر قرباً. وبرغم أن الصورة التي نستشعرها تكون صغيرة، نعلم أن هذا الشيء كبير الحجم. وبرغم أن القطارات مألوفة لنا فإن كثيرين يخطئون في تقدير مدى بعدها، وسرعتها، وهو ما قد يؤدي لوقوع حوادث دهس. ولا تُحل هذه الأمور بالتفكير الداخلي حول أي/ كم من الحواس لها الغلبة في الأمر. بل بالوصول إلى “كـُل إدراكي” من جميعها، وهذا فعل الوظائف العقلية العليا.

الحاسة السادسة… والستون

ورغم أن البعض يطلق على الظواهر النفسية الخارقة لقب “الحاسة السادسة” لكن الحاسة السادسة تتعلق بقدرتنا على (التوازن) وإحساسنا بحركات الجسم المختلفة. ففي الأذن البشرية توجد ثلاث قنوات (أفقية، وعمودية، وجانبية) مليئة بسائل يوضح للدماغ حركة ووضع الجسم. وبدون هذه الحاسة لا يمكن للإنسان الوقوف منتصباً أو الحفاظ على توازنه لمسافة طويلة. وبعد الحاسة السادسة تأتي مجموعة كبيرة من الحواس النفسية الخارقة: كالتخاطر، والبصيرة، والحلم بالمستقبل، والإحساس بقرب المخاطر، ورؤية الأماكن البعيدة (أثناء النوم) إلخ.
فقبل أن يرن الهاتف بثوان يقفز إلى ذهنك (فلان)… لتجده هو من يتصل بك. وتجلس تتذكر (فلاناً)… تجده بعدها بدقائق على بابك، لماذا قبل أن تقابل صديقك الذي لم تره منذ زمن، تجده في عقلك قبلها بيوم مثلا؟، هل تشعر فجأة بأنك قد رأيت هذا المشهد من قبل ولا تعرف متى؟، هل كنت تقف في الطريق لترى من تتوقع له الشر، لتجده بالفعل يسقط أو يحدث له شيء ما أمام عينيك؟.
فأين هي مصدر هذه الظواهر النفسية الخارقة؟. الاحتمال الأول: الغدة الصنوبرية، يقول د. “جوزيف سينيل”:” تعد الغدة الصنوبرية مصدر الحاسة السادسة في الحيوانات الفقارية والمسئولة عن تواصلها من مسافات بعيدة. وبفضلها تنسق الحيوانات أعمالها وتشعر الأم بالمخاطر التي تحيط بوليدها ولو كان على بعد أميال. وقد دلت أبحاثي على مسؤولية هذا العضو عن التواصل الغريزي والاستثنائي لدى الإنسان . كما اتضح أنها في الحيوانات أكبر منها لدى الإنسان، ولدى الرجل البدائي أكبر منها لدى الرجل المتحضر، ولدى الأطفال أكبر منها لدى البالغين”.ومن المعلوم أن الغدة الصنوبرية حساسة للضوء، وتتأثر بالذبذبات الكهرومغناطيسية الضعيفة. وتقع في الحيوانات الثديية في مؤخرة الرأس (تحت الجلد مباشرة) مما يتيح لها التفاعل مع الضوء والظلام. وبفضل حساسيتها للضوء (وزمن الإضاءة) تنظم حياة الكائنات تبعاً لتغير الفصول، وطول النهار. فهي المسؤولة عن توقيت سن البلوغ واليأس لدى الحيوانات، أما لدى الإنسان فتقع هذه الغدة (خلف) عظام الجمجمة مما يصعب وصول النور إليها مقارنة ببقية المخلوقات. ولكنها في المقابل تتأثر بالأشعة السينية والكهرومغناطيسية التي، على عكس الضوء، تستطيع اختراق العظام والتغلغل بداخلها. وبما أن دماغ الإنسان نفسه يصدر ذبذبات كهربائية وتموجات مغناطيسية، يعتقد بعض العلماء أن الغدة الصنوبرية مسؤولة عن استقبال هذه التموجات.
أما الاحتمال الثاني: يفترض بعض الباحثين أن الشعيرات الصغيرة (الموجودة في مؤخرة الرقبة) تلعب دورا مهما في استقبال واستشعار التموجات التي يصدرها الآخرون. والاحتمال الثالث: هو تلك الموجات التي يصدرها الإنسان الى الآخرين “مفهوم التخاطر”. أي: “أرسل إليك موجات استقبلتها أنت وترجمتها، ولكن لك تفهم مغزاها: هل سيأتي الآن؟، هل هو بخير؟.
وكي يسهل الأمر: هناك (10) حواس أساسية يعترف بوجودها… مثل السمع والبصر والتوازن. وهناك (21) حاسة فرعية أو حديثة بدأت تحظى بقبول واسع… كالإحساس بشد العضلات، وتقلبات الضغط الجوي. وهناك (35) حاسة خارقة – محل جدل – كالتخاطر والبصيرة والشعور بقرب الخطر، وبهذا يصبح المجموع (66).

للحواس وظائف أخرى.. كيف نسعد بها؟

للحواس وظائف أخرى تساعد على خفض التوترات والشعور بالراحة بالسعادة النفسية، فكيف يكون ذلك؟. قال تعالى:{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون}(سورة النحل، الآية: 78). وقد ميز الله سبحانه وتعالى السمع والبصر عن بقية الحواس الأخرى كاللمس، الشم والتذوق وهى من النعم التي لا تقدر بثمن وقد ذكر الله نعمة البصر مقترنة بنعمة السمع والفؤاد والسمع والبصر هما من أهم الوسائل التي يتعرف من خلالها الإنسان ما حوله بمساعدة بقية الحواس الأخرى في إمداده بالمعلومات عما حوله ومن هنا ارتبطت نعمة البصر بالعين التي تشبه الكاميرا.
أما نعمة الفؤاد فهي من أكمل النعم ويقصد به الشعور الداخلي الروحي الرباني المرتبط بالقلب. وهو الشعور الذي يمثل حقيقة الإنسان المدرك والمخاطب. ولهذا أعطى الله سبحانه وتعالى الإنسان السمع ليسمع والبصر ليرى آياته الكبرى فيستدل بها على وحدانيته سبحانه:{ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون}(سورة يونس، الآية: 42).. والمقصود بإعطائه الحواس للعلم ومتطلباته لأن السمع والبصر أهم حواس الإنسان التي تساعده على سرعة نموه العقلي ونضجه ورشده. والتي من خلالهما يتعلم الإنسان، وقد تعجب من أنك تتعلم بحاسة السمع أضعاف ما تتعلمه بواسطة البصر؟. إن تقدم السمع على البصر تشير إلى الأولوية وليس إلي التفضيل بالرغم من أن البصر مدخل العلم وهو أعلى درجة من السمع فهو (عين اليقين) قال تعالى:{لنريك من آياتنا الكبرى فاعتبروا يا أولي الأبصار} (سورة الحشر، الآية:10).. فلليقين درجات أولها: السمع، وثانيها البصر، وأعلاها الإدراك والرؤية المباشرة.
أما حاسة الشم فهي تحتوي على 20 مليون خلية عصبية لتمييز الروائح عن طريق سائل ذهني له خاصية عجيبة حيث تتفاعل مع الرائحة كيميائياً فتنتج أشكالاً هندسية مميزة حسب الشعور النفسي.
وحاسة اللمس وتأتي من حيث الأهمية بعد السمع والبصر مباشرة فهي تساعد الإنسان على اكتساب المعلومات من العالم الخارجي عن طريق الأعضاء الحاسة ذات القيمة الكبرى السمع، البصر واللمس.
أما حاسة التذوق فبفضل خلايا خاصة تنتشر على اللسان تساعد على سهولة التذوق، وبالتقاء حاستي الشم والتذوق يتوفر للإنسان الشعور بلذة ما أنعم الله عليه من خيرات الدنيا.
هذه الحواس جميعها لابد لها من أن تنموا نمواً طبيعياً وتمارس دورها وفق ما خلقت من أجله. .أما الركائز الخمس (التوازن،التركيز، المرونة، القوة، الحركة) فمن المهم تدريب الحواس الخمس للتكيف مع التغيرات والواقع الجديد ببعض التمارين التي تعززها. والتي تحقق التوازن والانسجام العصبي العقلي والعاطفي الانفعالي.

الإسلام.. يحدد مسؤليتنا نحو حواسنا

نِعمُ الله تعالى على الناس أكثر من أن تحصي، يقول تعالى{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيم}(سورة النحل، الآية:18)، ويقول جل شأنه:{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(سورة إبراهيم، الآية:34)، فخلق للإنسان وتكوين، وإيجاد من عدم، وحواس يتعلم ويبين بها، وهداية بالرسل والكتب، ثم تسخير الكون، وتذليل كل ما فيه للإنسان، كي يتفرغ هو لعبادة ربه ويُحسن الخلافة في الأرض:{قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}(سورة الملك، الآية:23). آيات وآلاء متعددة ونعم متعددة لا ينكرها إلا جاحد.
وقال تعالى{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}(سورة الإسراء، الآية:36)، سيسألنا الله تعالى عن المجالات التي استعملنا فيها هذه الحواس كوسائل للمعرفة منّ ـ سبحانه وتعالى ـ بها علينا، فالسمع ينبغي أن يكون في سماع الحق وكلماته من قرآن وسنة، لا الباطل وزيفه وزخرفه من أفكار الشك والإلحاد، يكون في سماع الكلمة الطيبة والهداية لا الخبيثة من غيبة ونميمة وضلالة. كذلك البصر فنري به آيات عظمة الله تعالى في الآفاق والأنفس، تبصرة وذكرى وشكر وحمد: يقول الله تعالى:{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}(سورة السجدة، الآية:9)،….{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}(سورة المؤمنون، الاية:78)، لا أن يستعمل البصر في رؤية المحرمات، وتتبع عورات الناس، واللهو والفساد والإفساد. فحواس لم تستعمل في الحق في الدنيا… ستنقلب وسائل نقمة وألمًا في الآخرة، فها هو الإحساس عبر الجلد:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} (سورة النساء، الاية:56)، كذلك التذوق:{يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}(سورة إبراهيم، ألآية:17).
وتبقي الأفئدة (القلوب) هي الموجهة وهي محل العقيدة السليمة، لا الباطلة، محل التفكر والتبصر السليم لا الضال. فالله تعالى يأمر بالتحري في كل ما يسمع ويبصر ويُدرك، وينهى عن التقليد، والرجم بالغيب، وعدم التثبت…”منهج علمي حق” يهدي إلى توحيد وتصديق وعبادة وإخلاص لله تعالى المنعم المتفضل.
صفوة القول: حواسنا هي بوابات التواصل مع الكون والناس والأشياء. فينبغي استعمالها في حسن السير إلى خالقها، وخالق الكون، فنسعد بها، ونُرضي بها ربنا.
____________________________________
* وللراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة موقع www.quran-m.com

المراجع والمصادر
– موسوعة جسم الإنسان، كتاب المعرفة رقم 1، ط 2، القاهرة.
– موسوعة ويكيبيديا، الموسوعة الحرة علي الإنترنت.
– الملحق العلمي لمجلة العربي الكويتية، عدد نوفمبر 2005م، د. أيهاب عبد الرحيم: قسم التأليف والترجمة بمركز تعريب العلوم الطبية بالكويت.
– بعض المواقع ذات الصلة علي الشبكة الدولية للمعلومات.