الإعجاز العلمي في سورة الطارق – النجم الثاقب

العميد الركن المتقاعد الدكتور محمد فرشوخ[1]

بسم الله الرحمن الرحيم، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)}.{سورة سبأ}. والصلاة والسلام على نبي الرحمة والعلم، جمع إشغال القلوب بالله إلى إعمال العقل بالعلوم والاجتهاد، ففتح للناس مجالات الفوز بالدنيا والآخرة، وبعد:

مقدمة: يقول الله تعالى في سورة الطارق: بسم الله الرحمن الرحيم

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17). صدق الله العظيم[2].

 clip_image487ما علاقة الماء الدافق بالطارق

بين يدي السورة: لهذه السورة وقع خاص في النفس، طرق وثقب ودفق ورجع وصدع، قال صاحب الظلال عنها: سورةٌ تمثل طرقات متوالية على الحس. طرقات عنيفة قوية عالية، وصيحات بنوّم غارقين في النوم … تتوالى على حسّهم تلك الطرقات والصيحات بإيقاع واحد ونذير واحد. «اصحوا. تيقّظوا. انظروا. تلفّتوا. تفكّروا. تدبّروا. إن هنالك إلها. وإن هنالك تدبيرا. وإن هنالك تقديرا. وإن هنالك ابتلاء. وإن هنالك تبعة. وإن هنالك حسابا وجزاء. وإن هنالك عذابا شديدا ونعيما كبيرا..»[3] .

-من أغراض هذه السورة : إِثْبَاتُ إِحْصَاءِ الْأَعْمَالِ وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ.

–       وَإِثْبَاتُ إِمْكَانِ الْبَعْثِ بِنَقْضِ مَا أَحَالَهُ الْمُشْرِكُونَ بِبَيَانِ إِمْكَانِ إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ.

–       وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِدَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ.

–       وَالتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الْقُرْآنِ.

–       وَصِدْقُ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ لِأَنَّ إِخْبَارَ الْقُرْآنِ بِهِ لَمَّا اسْتَبْعَدُوهُ وَمَوَّهُوا عَلَى النَّاسِ بِأَنَّ مَا فِيهِ غَيْرُ صِدْقٍ. وَتَهْدِيدُ الْمُشْركين الَّذين ناوؤا الْمُسْلِمِينَ.

–       وَتَثْبِيتُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعْدُهُ بِأَنَّ اللَّهَ مُنْتَصِرٌ لَهُ غير بعيد. [4]

منطلق البحث: تدفع القراءة المتأنية لهذه السورة الكريمة إلى التساؤل: إنها تبدأ بقسَم والقسَم لا يكون إلا لأمر عظيم، فما هو؟ ثم ما علاقة النجم الطارق بكيفية توالد البشر؟ ثم إن في السورة ذكر لحفظ النفس البشرية أو لمراقبة أعمال ابن آدم، ولما عجزت عن إيجاد الرابط بين آيات السور، وأنا واثق من تناسبها، استناداً لقوله تعالى: {إنه لقول فصل وما هو بالهزل}، إنطلق هذا البحث.

الحدث العظيم: في مكان آخر، وقبل عقدين من السنين، أثار حفيظة جمهرة من العلماء خبر اكتشاف الضربة التي تلقتها الأرض قبل ملايين السنين في خليج يوكاتان المكسيكي، واخترقت اليابسة إلى الطبقة العجينية وعن التداعيات التي تسببت بقتل الديناصورات وبتغير الحياة والمناخ على مجمل الكرة الأرضية.

clip_image489 

وبمتابعة الأبحاث والاستكشافات منذ ذلك اليوم بدأ التساؤل: ما الذي ضرب الأرض؟ ومتى؟ وكيف؟ وماذا نجم عن هذه الضربة تحديداً؟ وبمتابعة هذه البحوث بتنا نتساءل: هل هو الطارق الذي تحدث عنه القرآن الكريم؟ وهل من دلائل على أنه النجم الثاقب؟ كان لا بد من مراجعة هذه الآيات الكريمة ومقارنتها بنتائج البحوث والاكتشافات ولكن بذهنية علمية، وبدون أفكار مسبقة.

وبعيداً عن التوليف وتدوير الزوايا كان لا بد من إجراء مقارنات بين ما ورد في الكتاب الكريم بآياته الوجيزة وبين التفاصيل الكثيرة والمثيرة التي خرج بها العلماء مجتمعين ومجمعين.

 clip_image490

بداية القصة:[5] حين كان المهندسان غلين بنفيلد  Glen Penfield وأنطونيو كامارغو Antonio Camargo   ينقبان عن النفط في أواخر السبعينات، في شبه جزيرة يوكاتان التي تفصل بين خليج المكسيك والبحر الكاريبي، ولدى أخذهما عينات من الأعماق عند الساحل الشمالي لمدينة ميريدا المكسيكية، عثرا على حفرة ضخمة في البحر، مطمورة بطبقة من الأحجار الكلسية تبلغ سماكتها 1300متراً، سميت حفرة “تشيك شولوب” (Chicxulub)، نسبة لأقرب قرية إليها، وفيها شظايا من الكوارتز المصدوم، التكتيت، وشذوذ في الجاذبية في المنطقة. مما يؤشر إلى احتمال تعرض هذه المنطقة لضربة من جرم فضائي.

مراحل الأبحاث: كانت النتائج التي توصل إليها “غلين بنفيلد” ملفتة، لكنه لم يستطع جمع ما يكفي من الأدلة لإثبات نظريته إلى أن أجرى اتصالا مع ألان هيلدبراند Alan Hildebrand، الذي أكدت مكتشفاته وجود ما يلي: الكوارتز المسحوق (الذي تعجز المقذوفات البركانية عن شطبه بالسرعة والحرارة اللازمتين)، وتشوهات في طبقات الأرض، ومادة الإيريديوم[6] بنسب عالية تزيد على النسب التي يفترض وجودها في الأرض بــ 130 ضعفاً، وهي مادة لا تتوفر في كوكب الأرض إلا بكميات قليلة لكنها تتوفر عادة بنسب عالية في النيازك والكويكبات التي ترتطم بسطح الأرض. وتأكد وجود زجاج التكتيت الذي ينجم عن برودة سريعة لمواد ملتهبة، وتستعمل للصناعات الفضائية وخاصة في تغليف المركبات الفضائية لعزل ما في داخلها عن الحرارة المرتفعة التي يسببها الاحتكاك بالغلاف الجوي عند العودة.

clip_image491 إيريديوم                                                  تكتيت                                     كوارتز مصعوق

فتبين للباحثين أن الحفرة ليست فوهة بركان بل هي أرض متقعرة نجمت عن ضربة هائلة لكتلة ضخمة هبطت من الفضاء. هكذا بدأت القصة وأخذت فصولها تظهر تباعاً.

في عام 1980 ، نشر لويز ألفاريز  Luis Alvarez وابنه والتر ، وفريقه العلمي، بحثاً يفيد بأن كويكبا قد أدى الى انقراض الديناصورات. وأن ضربة “تشيك شولوب” قد وقعت في الوقت ذاته تقريباً، مما أكسب نظريتهما  قبولا علميا.

clip_image492 أحافير الديناصورات                                                                       طبقة ك/ت الجيولوجية

أخطر هذا الخبر عدداً كبيراً من العلماء في الولايات المتحدة وغيرها ولكنه أثار بصورة خاصة إهتمام علماء بريطانيين كانوا ينكبّون على أبحاث متنوعة محيّرة لتحديد سبب تصحر جنوب غربي الجزيرة الإنكليزية فأتاهم الجواب، وتتالت الأبحاث.

قامت وكالة الفضاء الأميركية “نازا” بتصوير الحفرة بالرادار الذي حمله مكوك الفضاء إنديفور في 14 نيسان /إبريل عام 1994 ، وتأكدت المعلومات حول الضربة الآتية من الفضاء والتقعر الذي أحدثته من الناحية الجيولوجية من حيث التربة والماء والنبات. وسلّمت هذه المعلومات إلى مراكز الأبحاث والجامعات الأميركية المتخصصة.

 clip_image493صور وكالة الفضاء الأميركية “نازا” لموقع الضربة

أدى هذا الاكتشاف إلى أبحاث مستفيضة في عدة مجالات علمية متنوعة، تبين من خلالها أن كوكب الأرض محمي بغلاف جوي خفف عنه الكثير من الضربات الفضائية مصداقاً لقوله تعالى: {والسماء ذات الرجع} (إستنتاج رقم1)، وأنه الأقل تعرضاً من بقية الكواكب الأخرى لسقوط الكويكبات والنيازك، قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا   [سورة الأنبياء: 32]

وبعد أبحاث وبيانات معمقة وتحليلات مستفيضة  استغرقت 20 عاماً، قام بها علماء في مختلف المجالات كعلم الحفريات والكيمياء الجيولوجية والمناخ والجيوفيزياء والترسبات، و41 خبيرا دوليا من 33 مؤسسة مشاركة، أجمع هؤلاء على الاستنتاجات التالية التي نشرتها المجلة الأكاديمية للعلوم يوم الجمعة في 5 آذار/مارس سنة 2010 [7]:

نتائج الأبحاث: تبين أن تقعّر حفرة “تشك شيلوب” في خليج “يوكاتان” المكسيكي، ناجم عن ضربة خطيرة جداً، صدمت الأرض، نفذها نيزك مشتعل وصلت منه إلى سطح الأرض كتلة قطرها 10 كلم يقدر وزنها بـ 2 تريليون طن، أحدثت انفجاراً بقوة [8] تبلغ مليار ضعف قنبلة هيروشيما[9]، وتزيد على أقوى تفجير نووي نفذ في العالم[10] بمليوني مرة، وأقوى من أقوى ثورة بركانية عرفها تاريخ الأرض. إنه إذاً أمر جلل جدير بالقسَم (إستنتاج رقم2). قال الإمام الزمخشري: أراد الله، عزّ من قائل، أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيما له، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة[11].

clip_image494 أقسم المولى العظيم بأمر عظيم

وفي تفسير ابن عثيمين: (إن الله سبحانه وتعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، وإقسامه بما يقسم به من خلقه يدل على عظمة الله عز وجل، لأن عِظم المخلوق يدل على عِظم الخالق).[12]

وبمقدار ما كان هذا الطارق المرعب يقترب من الأرض كانت سرعته تتضاعف بفعل جاذبية الأرض حتى بلغت سرعته 60-70 ألف كلم بالساعة. فاجتاز المحيط الأطلسي من جنوبه إلى المكسيك في 4 دقائق، إلى أن ضرب الأرض بسرعة تزيد على أسرع قذيفة معروفة في العالم بعشرين ضعفاً، محدثاً حفرة دائرية قطرها 180 كلم محاطة بصدع يصل قطره إلى 300 كلم، وقد ظهرت بعض آثاره على السواحل الغربية للقارة الأوروبية، وتزداد هذه الآثار كلما اقتربت من الحفرة التي بلغ عمقها أكثر من 10 آلاف متراً.

{الطَّارِقُ}: لو طرق السماء وبقي فيها لما سمي بالطارق: (سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل وكل قاصد في الليل طارق وأصل الطرق الدق ومنه المطرقة وقاصد الليل طارق لاحتياجه في وصوله إلى الدق)[13]. إنه إذاً متعدٍ على نطاق غيره حتى يسمى “طارق”، لم ينتقل من فضاء إلى فضاء بل غريب طرق الأرض (إستنتاج رقم 3)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن»[14] . وهو الطارق جاء معرفاً بـ”أل” التعريف لتفرده ولم يأت نكرة ككل “شهاب” ورد في الكتاب الكريم[15] لكثرة سقوط الشهب على الأرض(إستنتاج رقم 4). فـ”الطارق” هو الوحيد الذي طرق الأرض بهذا العنف وبهذا التأثير الكوني الخطير. وهو بلا شك قادم من الفضاء الخارجي، ويذكرنا بقول هند بنت عتبة يوم أحد: (نحن بنات طارق. نمشى على النمارق)، أي أبونا كالنجم شرفاً وعلوا [16].

clip_image495 

الأرض ذات الصدع: قدّر الباحثون أن هذا الجرم لو سقط في المحيط لجاءت آثاره مخففة، لكنه أصاب المياه الضحلة على الشاطيء المكسيكي، وبحسابات اختراق الغلاف الجوي، قدر العلماء أن الجرم قد هوى بزاوية 30 درجة مع سطح الأرض، وبذلك لم تنل الأرض سوى 1% فقط من عزم الضربة، ومع ذلك فقد أحدثت زلازل خطيرة على كامل الكرة الأرضية، قدرت قوة بعضها بـ11.1 على مقياس ريختر، أي أقوى من أي زلزال معروف بـ60 مرة، وأغرقت بعض أجزاء القارّة الأميركية في البحر، وتحركت على الأثر أمواج عاتية (ميغا تسونامي)، زاد ارتفاعها على ألف متر، إجتاحت مساحات واسعة من القارّة، أهلكت كثيراً من المخلوقات، وحولت الغابات إلى ركام. من هنا نفهم علاقة ظاهرة الطَرق بمفاعيل الصدع، ومعنى قسم الله تعالى في السورة: {والأرض ذات الصدع} (إستنتاج رقم 5).

النجم: قدر ثلاثة من العلماء أن قطر الجرم المذكور قبل اقترابه من الأرض كان يبلغ 170 كلم قبل أن تتفتت أجزاء منه بفعل الاحتكاك، وأرجعوه إلى فصيلة من النيازك تدعى  carbonaceous chondrites،[17] وهي غنية بمادة الكربون القابلة للاشتعال، وما أن دخل الغلاف الجوي للأرض حتى اشتعل بسبب الاحتكاك وتحوّل إلى كرة نارية وهاجة، قدرت حرارتها بـ35 ألف درجة مئوية، وها قد أصبح الكوكب مشتعلاً، إذا إنه نجم، أو على الأقل كالنجم (إستنتاج رقم6 ).

clip_image496 clip_image497إشتعل فصار وهجه أقوى من الشمس

ولّد هذا الاشتعال إشعاعاً ثاقباً أصاب بالعمى كل الكائنات الحية التي شاهدته، ولأخذ فكرة عن قوة الوهج يمكن تصور أشعته وهي تخرق جلود الديناصورات ولحومها حتى يظهر من الخارج شكل هياكلها العظمية، ولو قدر لبشر أن يرى ذلك عن بعد لرأى شمساً ملاصقة للأرض من على بعد 4000 كلم. إنه نجم وهاج جداً لم تعرف الأرض له مثيلاً ؟ فهو ثاقب بالمعنيين: قال مجاهد: الثاقب: الذي يتوهج[18]، والعرب تقول للنجم ثقب إذا أضاء، وثقبت النار، كذلك، وثقبت الرائحة إذا سطعت، ويقال للموقِد اثقب نارك، أي أضئها. كما تبين أنها ثقبت الغلاف الجوي للأرض ووصلت إلى سطحها وطرقته طرقاً فظيعاً، قال الثعلبي في تفسيره: النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي المضيء المنير، يقول العرب: أثقب نارك أي أضئها. وقال عطا: الثاقب الذي يرمى به الشياطين فيثقبهم، وقَالَ السُّدِّيُّ: يَثْقُبُ الشَّيَاطِينَ إِذَا أُرْسِلَ عَلَيْهَا [19]، إنه إذاً ثاقب (إستنتاج رقم7).

بلغت حرارة منطقة الضربة ما يعادل حرارة عشرة شموس وقت الظهيرة، وقدرت حرارة الغبار والحطام المتطاير بحوالي 15 ألف درجة مئوية، وقدرت الحرارة على بعد 800 كلم من مكان الضربة بـ600 درجة مئوية امتصت في ثوانٍ الماء الموجود في الأشجار وفي أجسام الكائنات الحية على الفور.

وخلال الدقائق الخمس الأولى التي أعقبت الانفجار، تعرضت مساحات واسعة من القارة الأميركية لثلاث موجات متتالية: موجة العصف والموجة المرتدة وموجة من الغبار الحراري، لتتعاون على إبادة الكائنات الحية والنباتية.

قدر العلماء والباحثون أن النيزك قد انفجر وتفتت وتبخر فور ارتطامه بالأرض مولداً كرة نارية هائلة. واقتلع معه كمية من تربة الأرض تقدر بـ 70 بليون طناً تبخرت في الهواء خلال عُشْر الثانية الأولى، ومع موجة العصف الأولى طار وارتفع في الهواء كل ما اصطدم به أو تحطم منه، خارقاً جدار الصوت وبسرعة 100 ألف ميل في الساعة ليسقط حامياً أو مشتعلاً (كحجارة من سجيل؟ هل قضى المولى الجبار على جيش أبرهة بهذه الطريقة البسيطة؟ بحطام نيزك صغير نزل بالجمرات كالمطر؟)[20]، (إستنتاج رقم 8).

 clip_image498كأنها حجارة من سجيل

 ومن شدة الانفجار قدر العلماء أن حوالي 12% من الحطام المتناثر خرج من الغلاف الجوي للأرض( بارتفاع 35 كلم)، ليعود ويسقط على مدى أربعة أيام مشتعلاً وبقوة الصواريخ وقذائف المدفعية، فيزيد من مفاعيل قتل الكائنات الحية وحرائق الغابات على كامل سطح الكرة الأرضية[21]. وكانت وجهة الحرائق غرباً بسبب دوران الكرة الأرضية باتجاه الشرق. وقد عثر على حفر أصغر في أوكرانيا وفي بحر الشمال تعود للفترة الزمنية ذاتها. إذ من الطبيعي أن تنفصل بعض أقسام النيزك عنه أثناء اختراقه الغلاف الجوي للأرض.

 clip_image499

الإبادة: وفي غضون 44 دقيقة قدر الباحثون ارتفاع درجة الحرارة في منغوليا حيث الطرف المقابل من الكرة الأرضية إلى حوالي 300 درجة مئوية، مصحوبة بعاصفة رملية خانقة بسرعة 10 آلاف ميل في الساعة، قضت على أنواع الحياة فيها، وحيث عثر على أحافير ديناصورات تعود للفترة الزمنية ذاتها.

أدت هذه الحرارة الشديدة إلى تبخر كميات ضخمة من الماء ممزوجة بحامض الكبريت، الذي خرج مع التربة ليولد مطراً ساماً، وبغاز الكربون المتشظي من النيزك وكميات لا تحصى من الغبار والأتربة مما حجب أشعة الشمس لحوالي عشر سنوات وزاد في تسريع عمليات إبادة الكائنات الحية. وأدى انتشار ثاني أوكسيد الكربون إلى التسبب بما صار يدعى في عصرنا بظاهرة الاحتباس الحراري. فتدنت درجة حرارة الأرض وتأخر النبات في استعادة نموه لسنوات طويلة.

وبسبب التفاوت السريع بدرجات الحرارة والغيوم المشبعة بالغبار الحار، وبفعل الكهرباء الساكنة (Electro- static) تولدت صواعق كهربائية ضربت سطح الأرض في مختلف أصقاعها، مخلفة حرائق وركام، والمزيد من عمليات الإبادة.

أما الحيوانات التي تمكنت من النجاة من كل هذه الأهوال المتتالية فقد نفقت بعد ذلك جراء شرب المياه السامة أو بسبب عدم توفر الغذاء، ما أدى إلى إبادة ما بين 75 إلى 90% من الكائنات الحية والنباتات من على سطح الأرض وسمائها ومياهها.

{إن كل نفس لمّا عليها حافظ}: ومهما يكن من أمر فإن هذا الحدث الكوني الهائل لم يكن في تاريخ الأرض حدثاً عادياً، بل كان محطة ضرورية تمهيدية للقضاء على حياة قاسية ومتوحشة، عرفت حيوانات ضخمة في الحجم والوزن، بعضها يطير وبعضها نباتي وبعضها من أكلة اللحوم، بلغ وزن الحيوان الواحد من بعض أنواعها 30 طناً ووصل إلى 70 طناً في نوع آخر، كان الواحد منها يستهلك ألف كلغ من النبات يومياً، وكانت المعارك الدامية خلالها تطيح بأعداد كثيرة من الشجر والحيوان، وما كان فيها مجال لبقاء الجنس البشري على قيد الحياة أكثر من بضعة أيام أو عدة ساعات قبل أن يقضى عليه.

الآن يتبادر إلى الفهم معنى جديد لآية:{إن كل نفس لمّا عليها حافظ}. فقد جاء هذا النجم ليهلك كل من يشكل خطراً على آدم وبنيه ويحافظ عليهم. فنرى عناية الله بهم وتمهيده لعمّار الأرض من قبل أن يخلقهم. وقد أتى المفسرون بمعنيين في تفسير آية {إن كل نفس لما عليها حافظ}، ذكرهما الثعالبي في تفسيره: قال: ( ما كلُّ نفسٍ إلا عليها حافظٌ، ومعنى الآيةِ فيما قال قتادة وغيره: إنَّ على كل نفسٍ مكلَّفَةٍ حافظاً يُحْصِي أعمالَها ويُعِدُّهَا للجزاءِ عليها، وقال أبو أمامة: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في تفسير هذه الآية: «إنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حَفَظَةً مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْهَا كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ الذُّبَابُ، وَلَوْ وُكِلَ المَرْءُ إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين»[22]. وفي ذلك يقول الله تعالى: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] (إستنتاج رقم9). وحفظ الله قائم في كلتي الحالتين: حفَظَة لإحصاء أعمال الخلق ومحاسبتهم عليها من جهة وحفَظَة من جهة أخرى للأرض ومن عليها، وللنوع البشري وتناسله من كل طارق آخر يأتي من السماء أو من الأرض حتى يأتي أمر الله (إستنتاج رقم10).

{والسماء ذات الرجع}: ويتبين أن هذه الآية تحتمل معنيين: الغلاف الجوي[23] الذي يحفظ الأرض من أخطار كثيرة كالاشعاعات والنيازك، والسماء المفتوحة التي تتيح تكرار عملية الطرق فتفسح المجال، وبأمر مالك الملك، لدخول جرم كوني آخر إلى حرم الأرض (تتمة الإستنتاج رقم 1)، ومن الإعجاز أيضا وصف الغلاف الجوي (بالسقف المحفوظ).[24]

تناسب المعاني: يبقى الجواب على تناسب المعاني بين الآيات في هذه السورة: إنه وجه الشبه في آلية طرق النجم لسطح الأرض وبين طرق الحيوان المنوي للذكر على بويضة الأنثى(إستنتاج رقم11).

clip_image500 وجه الشبه بين الطارق والحيوان المنوي

وهذا التناسب ليس مقتصراً على سورة الطارق دون سواها من السور، بل هو أسلوب معروف في القرآن الكريم، ومنه التناسب بالمعنى بين نزول القرآن إلى الأرض ونزول الحديد فيها مثلاً، بحيث جمعهما المولى تعالى في آية واحدة بقوله:

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

هل “الطارق” هو الخطب الجلل الذي حدث في خليج المكسيك ؟

ليس من صاحب عقل أو علم إلا ويحترم جهود السنوات العشرين التي أمضاها هذا الفريق الضخم من العلماء في الكشف عن هذا الحدث الكوني العظيم. وعلى الرغم من استجماع كل هذه الأدلة لا يحق لنا الجزم بأن النجم الذي ضرب الأرض في خليج المكسيك هو المقصود حتماً في سورة الطارق بلا منازع. ولكننا لا نجد دليلاً واحداً باهراً ينفي هذا التوقع. وما الذي يمنع ابن آدم من التفكر والبحث والتقصي والله تعالى أمره بذلك فقال:

قل سيروا في الأرض فانظروا.. وقال ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك… وقال فلينظر الانسان مم خلق… ومثلها في القرآن كثير، آيات تدفع نحو إعمال العقل وتحض على السؤال والاستفهام، فقد (جاء القرآن بهذا السؤال عنه: «وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ» ؟ حتى ينبّه إليه، ويبعث على التطلع إلى معرفته.. ثم بينه الله سبحانه وتعالى بقوله: «النَّجْمُ الثَّاقِبُ» فهذا هو الطارق.. إنه النجم الثاقب!).[25]

بين هذا الطارق وبين النيازك العادية:

 إذا كان العالم في شهر شباط/ فبراير 2013 يحبس أنفاسه بينما كانت وكالة النازا تترصد الكويكب (2012 DA 14)، قطره 45 متراً، الذي مرّ بسلام بمحاذاة الأرض وعلى بعد 27 ألف متراً ، وإذا هرع الناس إلى شاشات التلفزة يوم الجمعة في 15 شباط/ فبراير 2013، ليتابعوا الرعب الذي دب في روسيا على أثر انفجار نيزك أصغر، قبل وصوله إلى الأرض، لا يزيد قطره على بضعة أمتار، ووزنه نحو عشرة أطنان، اخترق الغلاف الجوي بسرعة 20 كيلومتراً في الثانية وانفجر على بعد نحو عشرة آلاف متر من الأرض، فأدى بحسب بيان وزارة الطوارئ الروسية إلى تضرر 3724 مبنىً سكنياً، بالإضافة إلى أكثر من 670 منشأة صناعية وتعليمية وثقافية وترفيهية مختلفة. وقدرت مساحة الزجاج المحطم بحوالي 200 ألف متر مربع. وبلغ عدد الجرحى الذين أصيبوا نتيجة الحجارة النيزكية التي سقطت على 3 مناطق روسية وكازاخستانية أمس، 1142 شخصاً. وأن الأضرار المادية جراء هذا الحدث قد تتجاوز 33 مليون دولار. فكيف تكون القدرة التدميرية المرعبة لنيزك كالنيزك المذكور الذي استهدف خليج المكسيك بقطر 10 آلاف متر وليس بقطر 45 متراً؟!

خبر جهله الأولون وهو لعصرنا إعجاز:

جاء في روح البيان: (وهو يبدأ بذكر السماء والطارق ويثني بالاستفهام المعهود في التعبير القرآني: «وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ؟» .. وكأنه أمر وراء الإدراك والعلم في الزمان الأول يستعصي على المسلمين الأوائل فهمه واستيعابه. (استنتاج رقم 12). ثم يحدده ويبينه بشكله وصورته: «النَّجْمُ الثَّاقِبُ»)[26].

وقال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس- رضي الله عنهم- عن قوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ فقال: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ وسكت فقلت له: مالك؟ فقال: والله ما أعلم منها، إلا ما أعلم ربي[27]. وجزى الله عنا سلفنا الصالح فقد سلّموا تسليما.

وهو لعصرنا إعجاز: ما حصل في خليج يوكاتان في المكسيك حدث كوني مريع ظاهره إبادة وحقيقته حفظ للحياة. قال تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا… وقال ولقد كرمنا بني آدم، وقال: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين..وقال: ألم نجعل الأرض مهادا؟

قال الله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم… وقال ولتعلمن نبأه بعد حين… وقال: لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.

محاولة تفسير علمي معاصر للسورة: يقسم الله العظيم بحدث كوني عظيم: كتلة نارية ضخمة ومتوهجة طرقت الأرض خارقة غلافها الجوي، زلزلت الأرض وصدعتها وأحرقت اليابسة وأغرقتها، حجبت الشمس لسنوات، فرضت الظلمة والصقيع، وأفشت السموم في الماء والهواء، فأبادت أجناس الحيوان الخطرة والنبات، ومهدت لأنواع ألطف من المخلوقات. طرقت الأرض بالطريقة ذاتها التي يخلق فيها الانسان، ليتفكر الانسان بأن المسبب واحد، مهّد له الحياة، وحفظ عليه نوعه، كما يحفظ عليه عمله، فسيأتي يوم يرجع فيه إليه، ويحاسبه عليه، ويقسم العظيم بخلق عظيم أن هذا الكلام حق لا هزل فيه، وأن الذين كادوا هم المكيدون. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وصدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين.


[1]  عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الآداب والعلوم والتكنولوجيا بلبنان. رئيس منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان. ورئيس تحرير مجلة “الإعجاز” التي تصدر في لبنان.

[2]  ألقي هذا البحث على شكل محاضرة في مسجد صالح بن لاحج بدبي وفي المركز الإسلامي- عائشة بكار في 4/22/ 2013 .

[3]  سيد قطب، في ظلال القرآن (6/ 3877)

[4]   التحرير والتنوير (18/ 27).

[5]  أول من عاين الحفرة كان المتعهد “روبرت بالتوسر Robert Baltosser” في الستينيات، لكن شركة Pemex  الراعية التي كانت تنقب في المنطقة منذ العام 1951، منعته من نشر أبحاثه وأبقتها سريّة وفقاً لقوانين تلك الفترة.

[6] Iridium is the chemical element with atomic number 77, and is represented by the symbol Ir. A very hard, brittle, silvery-white transition metal of the platinum family, iridium is the second-densest element (after osmium) and is the most corrosion-resistant metal, even at temperatures as high as 2000 °C. Although only certain molten salts and halogens are corrosive to solid iridium, finely divided iridium dust is much more reactive and can be flammable.

[7] Science 5 March 2010: Vol. 327 no. 5970 pp. 1214-1218DOI:10.1126/science.1177265

[8]  100 مليون ميغاطن.

[9]  قوة إنفجار هيروشيما 0.04 ميغاطن.

[10]  تفجير Tsar 50 ميغاطن .

[11]  تفسير الزمخشري: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 734)

[12]  تفسير العثيمين: جزء عم (ص: 146)

[13]  تفسير العز بن عبد السلام: (3/ 439)

[14]   رواه الطبراني عن أبي مالك الأشعري.

[15]  قوله تعالى {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 18] وقوله: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10].

[16]  تفسير ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (5/ 464)

[17]   Bottke, W. F., D. Vokrouhlický, and D. Nesvorný. 2007. An asteroid breakup 60 million years ago as the probable source of the K-T impactor. Nature 44948-53.

[18]  تفسير مجاهد: (ص: 720)

[19]  تفسير ابن كثير: ط العلمية (8/ 368)

[20]  استنتاج أقرب إلى العلم والمنطق مما افترضه بعض علماء القرن السابق بان أبرهة وجنوده ربما أصيبوا بمرض الجدري.

[21]  September 2002 issue of theJournal of Geophysical Research—Planets: Chicxulub crater were first modeled in 1990 by planetary scientist Jay Melosh at the University of Arizona and colleagues. The model  was developed by David Kring, a planetary scientist at the University of Arizona in Tucson with Daniel Durda at the Southwest Research Institute in Boulder, Colorado.

[22]  تفسير الثعالبي: الجواهر الحسان في تفسير القرآن (5/ 574)

[23]  الغلاف الجوي: كل ما علاك فهو سماء.

[24]  الشيخ الدكتور عبد الله المصلح، قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه (ص: 35).

[25]  التفسير القرآني للقرآن (16/ 1521)

[26]  روح البيان (10/ 396).

[27]  تفسير السمرقندي:  بحر العلوم (3/ 568).