{من الإشارات الكونية في القرآن الكريم…{وَالسَّمَاءِ ذَات الرَّجْع

أ.د. مسلم شلتوت*

 

يطلق اسم سماء على كل ما علا وارتفع فوق رؤوسنا، وعلى ذلك يكون سقف الأرض (…) هو الغلاف الجوي الذي تمسكه الأرض وتحتفظ به وتحول دون تسربه إلى خضم الفضاء الكوني بقبضة جاذبيتها الكبيرة، بينما يندفع الهواء إلى أعلى لكي ينطلق إلى الفضاء الكوني لأن خصائص الغازات الانتشار إلى الفضاء الذي تتعرض له. وتتساوى قوة اندفاع الهواء إلى أعلى مع قوة جذب الأرض إلى أسفل فيظل الغلاف الجوي مرفوعًا إلى ما شاء الله، وصدق الله العظيم {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (الرعد:2) أما القبة الزرقاء فهي ناجمة عن تشتت أشعة الشمس بوفرة وغزارة في طبقات الهواء الكثيفة نسبيًا قرب سطح الأرض إلى علو نحو 200 كيلو مترا.

أوّلاً- الطبقات الجوّية:

قال تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } (سورة المؤمنون:17) والطرائق تقال للطبقات التي بعضها فوق بعض، يقال طرقت الشيء أي جعل بعضه فوق بعض (تفسير القرطبي) وفي العام 1962 أتى العلم ليؤكد ما عرّفه الاسلام قبل قرون طويلة حين قررت المنظمة الدولية للأرصاد الجوية WMO وصف الغلاف الجوي البالغ سمكه 35 ألف كيلو مترا وذلك عن طريق تقسيمه إلى الطبقات التالية:

1ـ طبقة التروبو سفير Troposphere

وهي الطبقة الملاصقة لسطح الأرض ويبلغ متوسط ارتفاعها حوالى 11 كيلومتراً فوق سطح البحر، وتسمى بالطبقة المناخية لأنها الطبقة المؤثرة في تغيرات المناخ، وفيها تحدث كافة الظواهر الجوية، كالأمطار والسحاب والرياح والضباب والعواصف الرعدية والترابية والاضطراب في الطقس والمناخ. وتحتوى على معظم بخار الماء الموجود في الغلاف الجوى، وكتلة الهواء الموجودة في هذه الطبقة تعادل 80% من كتلة الغلاف الجوى بأكمله وتقل درجة حرارة الهواء وكثافته وضغطه والجزئيات الثقيلة كلما ارتفعنا لأعلى.

2ـ طبقة الأستراتوسفير Stratosphere

يتراوح ارتفاع هذه الطبقة ما بين 11 كيلو مترا إلى حوالى 50 كيلومتر فوق سطح البحر. وتتميز هذه الطبقة بالاستقرار التام في جوها، حيث ينعدم بخار الماء فيها وتخلو من الظواهر الجوية وتحتوي هذه الطبقة على طبقة غاز الأوزون وهو جزيء مكون من ثلاث ذرات أكسيجن وله القدرة على امتصاص 99% من الأشعة فوق البنفسجية المهلكة الصادرة من الشمس. ويتراوح ارتفاع غاز الأوزون داخل طبقة الستراتو سفير بين 20و30 كيلومتر فوق سطح البحر.

وتشكل طبقة الأزونوسفير داخل الستراتوسفير حزامًا واقيًا يجنب الإنسان والحيوان والنبات مضار الأشعة فوق البنفسجية والتي إذا تعرض الإنسان لها بالذات فإنه يصاب بسرطان الجلد، بالإضافة إلى عتامة عدسة العين، وتقليل المناعة للإنسان مما يجعله عرضة للأمراض المعدية. وغاز الأوزون غاز سام لذلك يستخدم في عمليات التعقيم بدلاً من الكلور، ولا يستطيع الإنسان تنفسه لأنه يؤدي إلى تدمير الرئتين تمامًا. بينما جزئ الأكسجين والذي يحتوي على ذرتي أكسجين هو اللازم لتنفس الإنسان ولكن ليس له أي قدرة على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس والمهلكة. وتزداد الحرارة كلما ارتفعت داخل طبقة الأستراتو سفير نتيجة لامتصاص الأوزون للأشعة فوق البنفسجية للشمس.

3ـ طبقة الميزوسفير Mesosphere

وهي الطبقة التي تعلو الاستراتو سفير ويتراوح ارتفاعها من 50 كيلو مترا إلى 85 كيلو مترا فوق سطح البحر. وتتميز هذه الطبقة بتناقص مستمر في درجات الحرارة مع الارتفاع فوق سطح البحر حتى تصبح درجة الحرارة في أعلى هذه الطبقة منخفضة جدٌّا (حوالى 90 درجة مئوية تحت الصفر)، وهي أقل طبقات الغلاف الجوي في درجة حرارتها.

4ـ طبقة الترموسفير Thermosphere

بعد غزو الفضاء أوضحت أرصاد الصواريخ والأقمار الصناعية أن درجة حرارة الطبقة الممتدة من على ارتفاع 80 كيلو مترا حتى 200 كيلو مترا فوق سطح البحر تتراوح ما بين 180 كلفن حتى 1800كلفن وسبب هذه الزيادة في الحرارة هو امتصاص المكونات الجوية في هذه الطبقة للأشعة فوق البنفسجية ذات الطاقة العالية والمسماة XUV أو EUV، وقد تنفذ الجسيمات عالية الطاقة في المجال المغناطيسي للأرض، وتتفاعل مع أعلى الغلاف الجوي مولدة حرارة إضافية.

5ـ طبقة الأيونوسفير: Ionosphere

تمتد هذه الطبقة من ارتفاع 85 كيلو مترا إلى حوالى 700 كيلو مترا فوق سطح البحر، وهي تحتوي على كميات كبيرة من الأكسجين والنيتروجين المتأين والإلكترونات الحرة بعد تأين جزئيات الأكسجين والنيتروجين المتعادلة بفعل اللآشعة السينية x-ray الصادرة من الشمس. وهي مقسمة إلى ثلاث طبيقات داخلية D,E,F لكل منها خصائصه المميزة ويتغير سمكها بتغير الليل والنهار وبتغير الفصول والنشاط في الشمس (البقع والانفجارات الشمسية).

6ـ طبقة الإكسوسفير Exosphere

يتراوح ارتفاع هذه الطبقة من حوالى 700 كيلو مترا إلى 35.000 كيلو مترا فوق سطح البحر. وهي قليلة الكثافة لذلك فإن الجزيئات في هذه الطبقة تكون لها حرية في الحركة تسمح بهروبها من الغلاف الجوي للأرض إذا كانت سرعتها الحرارية أكبر من السرعة الحرجة اللازمة للتغلب على جاذبية الأرض ومن الطبيعي أن تتركز جزئيات الغازات الخفيفة مثل الهيدروجين والهيليوم في طبقات الجو العليا وبسرعات عالية.

7ـ الماجنتوسفير: Magnetosphere

يمتد المجال المغناطيسي للأرض الذي يشكل غلافا حولها إلى مسافة 50.000 كيلومتر وقد اكتشفه عالم الفضاء الأمريكي فان ألن بعد غزو الفضاء عام 1965. ويقوم هذا الغلاف المغناطيسي إما بصد الجسيمات المشحونة القادمة من الفضاء الخارجي أو اصطيادها واقتيادها ناحية قطبي الأرض المغناطيسي. وقد أطلقت على هذه الأحزمة الإشعاعية أحزمة فان ألن: حيث بينت سفينتا الفضاء الأمريكية Explorer الأولى والثانية عام 1958 وجود نوعين من الأحزمة الإشعاعية على هيئة حلقتين تتطابق مع المستوى الاستوائي المغناطيسي للأرض. ويقع الحزام الإشعاعي الداخلي على مسافة ألفي كيلومتر فوق سطح البحر. لذلك فلا بد أن يكون رواد الفضاء في مناطق بعيدة عن هذا الحزام واعتبر الارتفاع أقل من 400 كيلو مترا فوق سطح البحر بداية الأمان لارتياد الفضاء من البشر. وقد ساعدت سفن الفضاء والأقمار الصناعية على فهم أعمق لنا عن هذه الطبقة الهامة.(…) قال تعالى: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ

الْعَلِيمِ} (سورة فصلت: 12).

الغلاف الجوي للأرض من نعم الله

من نعم الله أن خلق غلافًا جويًا للأرض فرغم مهامه المتعددة إلا أن هناك أهمية كبيرة في حماية المخلوقات على الأرض من تلك الأجسام التائهة في الفضاء والتي في الغالب هي حطام لإحدى كواكب المجموعة الشمسية منذ زمن سحيق وتتراوح كتلتها ما بين الجرامات إلى ملايين الأطنان والتي تجذبها الأرض إليها بفعل جاذبيتها الكبيرة إذا كانت هذه الأجسام التائهة على مسافة قريبة نسبيًا من الأرض. ولولا وجود الغلاف الجوي للأرض لكانت حوادث ارتطام هذه الأجسام بسطح الأرض يقع في كل دقيقة وثانية مسببًا حفرات قد يتراوح قطرها من سنتيمترات إلى كيلومترات مع تحول الطاقة الميكانيكية لهذه الأجسام إلى طاقة حرارية هائلة بعد الارتطام، كما هو الحال على سطح القمر حيث لا يوجد له غلاف غازي وسوف تكون هذه إحدى المشكلات الكبيرة عن استعمار القمر كما يحلم البشر.

والغلاف الجوي للأرض يمنع وصول هذه الأجسام الفضائية الضالة للوصول لسطح الأرض وذلك نتيجة للسرعات العالية لهذه الأجسام عند دخولها للغلاف الجوى للأرض فينتج من احتكاكها بجزئيات الهواء حرارة عالية تؤدي إلى احتراق هذه الأجسام وفنائها وتلاشيها قبل وصولها لسطح الأرض وتسمى في هذه الحالة الشهب، إلا أن نسبة ضئيلة جدٌّا تستطيع الوصول إلى سطح الأرض والارتطام به وتسمى النيازك كما حدث في الحفرة الكبيرة بصحراء الأريزونا والحفر المسماة بحفر الوبر بالربع الخالي بالمملكة العربية السعودية والتي وجد بها أجزاء من نيازك معروضة حالية بمتحف التاريخ الطبيعي بلندن، كما أن المتحف الجيولوجي بكورنيش النيل بالمعادى بالقاهرة يحوي بعض النيازك الصغيرة التي تم العثور عليها بالصحاري المصرية. كما أن الغلاف الجوي للأرض ليس نعمة من الله لحماية المخلوقات من الأجسام الفضائية الضالة فحسب ولكن أيضًا من حطام الصواريخ والمركبات الفضائية والأقمار الصناعية التي انتهت مهمتها أو فشلت في الابتعاد عن الأرض بقدر كاف ـ حيث تجذب الأرض قطع هذا الحطام لتنطلق بسرعات عالية داخل الغلاف الجوي لتحترق بالكامل أو معظمها داخل الغلاف الجوي وقبل وصولها لسطح الأرض وإحداث كوارث. وصدق الله العظيم في قوله الكريم {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم}الحج:65

كذلك تعتبر طبقة الأوزون بالغلاف الجوي العلوي للأرض من نعم الله الكبيرة على الإنسان وسائر المخلوقات بالأرض، حيث لولا هذه الطبقة لتسللت إلينا أشعة الشمس فوق البنفسجية من النوع جـ (C) وهي أشعة ذات طاقة عالية يمكنها أن تهلك الحياة على الأرض بالكامل في أيام معدودة.(…)

ثانيًا- {السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} (سورة الطارق: 11)

1- ترجع بخار الماء إلى الأرض مطرًا:

فسر البعض هذه الآية الكريمة على أنه قسم من الله بالسماء ذات المطر الذي يعود ويتكرر وإنها إشارة علمية في القرآن الكريم عن دورة الماء في الطبيعة، إلا أن هذه الأية الكريمة والمكونة من ثلاث كلمات فقط تحوي في مضمونها الكثير من الحقائق العلمية التي تم اكتشافها خلال القرن العشرين في ضوء علوم وتكنولوجيا الفضاء.

2- ترجع معظم أشعة الشمس عن الأرض:

فالطبقة الأولى في الغلاف الجوي للأرض والمسماة طبقة التروبوسفير والتي يصعد بداخلها بخار الماء نتيجة تبخير مياه البحر والمحيطات بأشعة الشمس حتى يكون في النهاية السحب السميكة التي ترتحل من مناطق الضغط المرتفع لمناطق الضغط المنخفض بفعل الرياح، هذه السحب تقوم بعكس (ترجيع) أشعة الشمس الساقطة عليها للفضاء الخارجي مرة ثانية بمقدار قد يصل إلى 80 أو 90% بجانب امتصاصها لجزء من هذه الأشعة وتشتيته ولولا هذا الانعكاس لأشعة الشمس بالسحب لارتفعت درجة حرارة سطح الأرض والتروبوسفير بدرجة عالية لا تسمح بقيام أو استمرار الحياة على الأرض. ويبلغ متوسط الأشعة المعكوسة للفضاء الخارجي نتيجة السحب وسطح الأرض والمياه بالبحار والمحيطات على مدار السنة بمقدار 50% من أشعة الشمس الساقطة على الأرض.(…)

3- ترجع الأشعة النووية للشمس عن الأرض:

وصورة أخرى للسماء ذات الرجع للفضاء الخارجي هي ما يسمى بالماجنتوسفير، فالشمس هي أقرب نجم للأرض وهي كرة هائلة من الغاز يفوق حجمها وكتلتها حجم وكتلة الأرض مئات المرات وكثافتها حوالى ربع كثافة الأرض ويتكون الغلاف الجوي للشمس من ثلاث طبقات رئيسية ه: الطبقة المرئية (الفوتوسفير) والطبقة الملونة (الكرموسفير) والإكليل (الكورونا)وفي الأحوال العادية عند رصد الشمس أثناء الشروق أو الغروب بالعين المجردة أو بالتلسكوبات فإننا نرى فقط طبقة الفوتوسفير، أما الطبقتين الكرموسفير والإكليل فلا يمكن رؤيتها إلا أثناء الكسوف الكلي للشمس حيث تبدو طبقة الكروموسفير كحلقة حمراء تحيط بقرص الشمس المظلم نتيجة لإنحجابه وراء قرص القمر ويبدو الإكليل كهالة بيضاء لؤلؤية قد تكون صغيرة إذا كان الكسوف في سنوات هدوء النشاط الشمسي وتبدو كبيرة في سنوات النشاط العالي وطبقة الإكليل رغم بعدها عن سطح الشمس إلا ن درجة حرارتها تزيد عن المليون درجة بينما درجة حرارة سطح الشمس لا تتجاوز ستة ألاف درجة كلفن. وهذا الارتفاع الشاذ في الحرارة نتيجة لتكسر الموجات الصوتية المنبعثة للغليان عند سطح الشمس على طبقة الإكليل وتحول الطاقة الحركية للموجات الصوتية إلى طاقة حرارية، وهذه الحرارة العالية للإكليل وتحول الطاقة الحركية للموجات الصوتية إلى طاقة حرارية، وهذه الحرارة العالية للإكليل تجعل المواد المكونة للإكليل في حالة بلازما ويتحول الهيدروجين والهليوم وهما المكونان الأساسيان إلى أيونات موجبة وبروتونات وإلكترونات ذات سرعات حرارية عالية مما يمكنها من الهروب من الإكليل إلى الفضاء الخارجي رغم جاذبية الشمس العالية جداً.

هذه الدقائق المشحونة الهاربة من إكليل الشمس تسبح في الفضاء الخارجي لمسافات طويلة حتى تتجاوز أبعد كواكب المجموعة الشمسية (بلوتو) ثم إلى فضاء ما خارج المجموعة الشمسية وهي ما تسمى بالرياح الشمسية. وتتوقف سرعة هذه الرياح ومكوناتها وكثافتها على حالة الشمس فهي في حالة هدوء النشاط الشمسي تكون لها سرعة حوالى من ثلاثمائة إلى ستمائة كيلومتر في الثانية وكثافة تتراوح ما بين 11 إلى 10 جسيم لكل سم3 وفي حالة النشاط الشمسي ونتيجة لحدوث الانفجارات الشمسية في الغلاف الجوي للشمس فإن سرعة هذه الرياح تزداد إلى ألف كيلومتر ثانية كما تتضاعف كثافتها وتتغير نسب مكوناتها.

هذه الرياح الشمسية بدقائقها المشحونة وهي تشابه أشعة ألفا وبيتا من الانفجارات الذرية والنووية على سطح الأرض.. أي أنها أشعة مهلكة لكل صور الحياة على الأرض.. ولولا رعاية الله ورحمته لهذه المخلوق الضعيف الذي خلقه الله وهو الإنسان.. لكان الجنس البشري وما يحيط به من بيئة حية في خبر كان.. تتجلى عظمة الله ورحمته بأن خلق حول الأرض درعاً مغناطيسياً لا يمكن لهذه الدقائق المشحونة أن تخترقه بل تدور حوله إلى أن تذهب بعيدًا عن الأرض.. هذه الدرع هي طبقة المجنتوسفير أو ما يسمى بحزام فأن ألن الذي تم اكتشافه بعد غزو الفضاء في الستينيات بالقرن العشرين وهو امتداد لخطوط القوة المغناطيسية الخارجة من الأرض لآلاف الكيلومترات في الفضاء الخارجي المحيط بها ولا يمكن رؤيتها. وصدق الله العظيم (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) (الرعد:2).

 _______________

* للراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.nooran.org