الإعجاز البياني في القرآن الكريم

أ.باسم وحيد الدين علي*

بسم الله الرحمن الرحيم

عرضنا في العدد السالف من المجلة علم المعاني وشواهده في القرآن الكريم ويبقى أن نعرض في هذا العدد ما تبقى من وجوه البلاغة وهما علم البيان وعلم البديع.

1-علم البيان: يقصد به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، وهنا تظهر البراعة والبلاغة والفصاحة في اختيار اللفظة ثم في سبك الجملة.

ففي اختيار اللفظة يقول الإمام الباقلّاني في كتابه “إعجاز القرآن” عن قوله تعالى في سورة الفرقان: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}، فقال: ( حقيقةُ “قدمنا” هنا: عمَدنا و ” قدمنا ” أبلغ لانها تدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، فأمهلهم إمهال الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم).

وفي سبك الجملة يقول الإمام الجرجاني في كتابه “دلائل الإعجاز”: عن قوله تعالى في سورة المنافقون : {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم }: (لو قلت: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وهم عدو، لرأيت الفصاحة قد ذهبت عنها بأسرها). فأول البيان اختيار اللفظة وسبك الجملة.

ويدخل في علم البيان، التشبيه والاستعارة والإيجاز والكناية. ومن التشبيه نقرأ قوله تعالى في سورة الأعراف: {174} وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176}. والقصد هنا ذلك الذي باع دينه وعلمه بعرض من الدنيا قليل، فبات كالكلب يلهث وراء الدنيا نال منها أم لم ينل.

ونجد الاستعارة في كلامه تعالى لتدلنا على المطلوب في أوجز تعبير وأسرع تأثير مثل قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا}، ومن بديع الاستعارة قوله تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة). وهل للذل جناح؟ لكن الله تعالى اختار أحسن اللفظ لوصف تذلل الولد بين يدي والديه.

ومن الاستعارة قوله تعالى في سورة التوبة: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {109} (التوبة).

وعن غفلة الناس وقصر نظرهم في الإعداد لليوم الآخر نقرأ في الكناية قوله تعالى في سورة النور: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39}.

وإلى الشبهة في تصرف القوم عند قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون}، لوصف ترددهم وجهدهم حتى فعلوا…وإلى المجاز في قوله: {فما ربحت تجارتهم}. وفي قوله تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}، فيدلك على دور القلب العاقل الذي خلق لأجله، وليس على وجود القلب في صدر الناس.

وهل هناك أوجز من عبارة: {فانبذ إليهم على سواء}. أي قاتلهم ولكن لا تغدر بهم، بل أخبرهم قبل ذلك بأن عهدهم قد بطل مفعوله. وتوجز عبارة {خلصوا نجيا} في سورة يوسف، أن إخوته تنحوا جانباً وتحادثوا على غير مسمع من الناس. وتفهم من عبارة: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}، أي على المزيد وليس على الحياة نفسها.‏

وكما أن العبارات في القرآن الكريم موجزة، فإن القرآن ككتاب موجز جداً على عكس ما يعتقده البعض، يقول الباحث الدكتور محمود أحمد الزين: (لكن هناك مقدارًا يمكن بيانه وهو الإيجاز العظيم في هذا الكتاب ، فرغم كل العلوم التي تناولها مما سبق ذكره في هذه الرسالة الصغيرة . لا يتجاوز حجمه حجم كتاب صغير من مقياس الصفحات المعتاد 18 × 25 سم ولا تتجاوز صفحاته 150 صفحة لو طبع بالحرف المتوسط كما في الكتب المتداولة…).

2-علم البديع: يختص هذا العلم بتحسين أوجه الكلام اللفظية والمعنوية، ويقصد بالمحسنات المعنوية ما يوضح المعنى المقصود ويعززه كالطباق والمقابلة، والطباق هو الجمع بين الشيء وضده في الكلام مثل قوله تعالى في سورة الكهف: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}. وأما المقابلة فهي المواجهة بين موقفين مثل قوله تعالى في سورة التوبة:{ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا}. وقوله تعالى في سورة النجم: {وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا}.

ومن المحسنات المعنوية التورية وحسن التعليل والمشاكلة وغيرها. فمن حسن التعليل قوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}. وقوله عز وجل: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين}. ومن المماثلة نقرأ قوله تعالى في سورة المدثر: { وثيابك فطهر} . قال الاصمعي: (أراد البدن)، أي لم يقصد الثياب فحسب.

وقد لا تفي التورية بالمطلوب أحياناً بل ربما أتى التصريح أفعل وأجمل، ومن ذلك قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} ، وقوله: {قل هو الله أحد الله الصمد}.

أما المحسنات اللفظية فمنها الجناس حيث يتشابه اللفظ ويختلف المعنى كقوله تعالى في سورة الروم: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}. وقوله تعالى في سورة الأنعام: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}.

وكذلك السجع عند توافق الحرف الأخير، في الجمل المتتالية، والسجع في النثر يدعى في القرآن الكريم نظما، مثل قوله تعالى في سورة القمر: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ {49} وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ {50} وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ {51} وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ {52} وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ {53} إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ {54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ {55}‏.

ومن البديع، التكرار، كقوله تعالى: لا أعبد ما تعبدون وما بعدها في سورة الكافرون. وتكرار بأي آلاء ربكما تكذبان في سورة الرحمن. وكذلك الحاقة في سورتها.

ومن إيجاز القرآن وبلاغته ما يعجِز إذ صار معظمه مضرب الأمثال، ولربما أصاب أحدهم مثلاً جيداً لكن أحداً من الخلق ممن يتكلمون بلغة الضاد، لن يتمكن قطعاً من الإتيان بمثل هذا السيل من الحكم والأمثال، ومنها:

{ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله}_{ إنما بغيكم على أنفسكم}_{كل نفس بما كسبت رهينة}_{ كل من عليها فان}_{كل نفس ذائقة الموت}_{ لكل نبأ مستقر}_{قل كل يعمل على شاكلته}_{ولا تنس نصيبك من الدنيا}_{ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى}_{أغرقوا فأدخلوا نارا}_{ ولا تزر وازرة وزر أخرى}_{ كل حزب بما لديهم فرحون}_{ يحسبون كل صيحة عليهم }_{ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}، ومثلها كثير.

ألا يثير الانتباه أن أهل الجاهلية الذين ما تركوا وسيلة للتصدي للدين الجديد إلا جربوها، وفيهم من أتقن صنعة الكلام وأجاد، وقفوا أمام كلام القرآن عاجزين حائرين. ولو كان لاجتماعهم واشتراكهم وتضافرهم في نظم ما يضاهي القرآن لفعلوه، حتى أن الله تعالى تحداهم أن يقوموا بمثل ذلك فقال في سورة الإسراء: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا {88}.

ورب سائل أين وجه الإعجاز في تركيب هذه الجمل؟ وفي العرب من يقدر على ذلك، والإجابة سهلة، أن اجتماع هذا الكم من البيان على هذه المعاني العميقة المتدفقة لا يقدر عليها أحد من البشر، فلا نجد في قصيدة أكثر من بيت أو بيتين مميزين، ولا نجد في نثر أكثر من جملة أو جملتين لافتتين، أما في القرآن فالعكس صحيح، فعبثاً يبحث أحدنا فيه عله يجد جملة واحدة ضعيفة أو جملتين؟

وأما من ينتقد الإعجاز اللفظي من غير العرب وخاصة المستشرقين المعاصرين فقد رد عليهم الإمام الباقلاني من قبل قائلاً: (لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك، وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز).

وبوجه عام فإن إعجاز القرآن البياني لا يخفى على أهل الأدب والذوق والمعرفة ولا ينكره إلا جاحد أو معاند ففي القرآن الكريم يجتمع المبنى والمعنى، فتتألق الصورة ويتعاظم التأثير،

يقول الإمام الباقلاني: (فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه، وطرقه وأبوابه: من تعديل النظم وسلامته، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع، وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد).

من غير الله تعالى أعد وحضّر وخلق وصوّر هذا المشهد العظيم، ونحن نسمعه ونقرؤه ونشاهده ونحسه ونعيش معه في سورة الحاقة في قوله تعالى:

فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ {15} وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ {16} وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ {17} يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ {18} فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ {19} إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ {20} فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ {21} فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ {22} قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ {23} كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ {24} وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ {25} وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ {26} يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ {27} مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ {28} هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ {29}. إلى آخر الآيات الكريمة. صدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين.

 ___________________________________

 

*عضو الهيئة الأدراية لمنتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان