الإعجاز فيما تحقق من أنباء – في زمن الرسول والصحابة الكرام

أ.باسم وحيد الدين علي

من حديث نبينا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عن القرآن الكريم نجد قوله:” فيه نبأ ما قبلكم وخبرُ ما بعدكم”. أي أن القرآن الكريم معجز في استعادة ما اندثر من أخبار ومعجز أيضاً في الإخبار عما سيحصل من أحداث. وخبر الأحداث التي ستقع، يسترعي انتباه الناس، إما بدافع الفضول، أو بسبب القلق على المستقبل والمصير، أو بدافع المعرفة والعلم، والناس أحد هؤلاء الثلاثة، فجاء القرآن الكريم ليخبر عما سيكون، سبيلاً إضافياً للدعوة إلى الله، ولتأكيد صدق الكتاب العظيم والنبي الكريم. ومن الأحداث التي ذكرها القرآن الكريم ولم تكن قد وقعت بعد، ما تحقق في عهد النبوة الشريفة، ومنها ما صار يتحقق على مر السنين والقرون، لقوله تعالى في سورة ص: { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ {87} وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ {88}. ومن الوقائع أيضاً ما جزم القرآن بأنه مستمر إلى قيام الساعة. ونعرض في هذا العدد ما وعد الله تعالى به نبيه العظيم وصحابته الكرام، ثم تحقق في حياة النبي، وعلى مرأى من الصحابة والمشركين معاً. وذلك حسب التسلسل التاريخي لهذه الأحداث:

وأولها ما حصل للمشركين من قريش الذين استهزأوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بداية دعوته، مما أحزن النبي وضايقه فأنزل الله تعالى في سورة الحجر:

 فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ {94} إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ {95} الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ {96} وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ {97}.

قال ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه: المستهزئون، الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أرني إياهم، فأراه الوليد. فأومأ جبريل إلى أكحلِه (أي عقب قدمه) فقال (النبي): ما صنعتَ شيئا. قال (جبريل): كَفَيْتَكَه. (لقول الله تعالى: إنا كفيناك المستهزئين)، ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ إلى عينه فقال: ما صنعت شيئا. قال: كَفَيْتَكَه. ثم أراه الحارث، فأومأ إلى بطنه فقال: ما صنعت شيئا. فقال: كَفَيْتَكَه. ثم أراه العاص بن وائل، فأومأ إلى أخمصه(أي بطن قدمه) فقال: ما صنعت شيئا. فقال كَفَيْتَكَه. فأما الوليد، فمر برجل من خزاعة وهو يريّش نبلا فأصاب أكحله فقطعها. وأما الأسود بن المطلب، فنزل تحت سمرة (وهي شجرة صغيرة الورق قصيرة الشوك)، فجعل يقول: يا بني، ألا تدفعون عني؟ قد هلكت وطعنت بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا. فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه. وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج في رأسه قروح فمات منها. وأما الحارث، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه (فمه) فمات منه. وأما العاص، فركب إلى الطائف فربض على شبرقة(وهو نبات شوكه كأظفار الهر)، فدخلت من أخمص قدمه شوكة فقتلته[1].

ومما تحقق من وعد الله في حياة النبي صلى الله  عليه وسلم إخباره تعالى بنصر المؤمنين وإحقاق الحق، وهزيمة الكفار واندحارهم، وذلك قبل أول قتال شهده المسلمون في بدر، وذلك في قول الله تعالى في سورة آل عمران: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } {12}. وقوله سبحانه في سورة القمر: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ }{45}.

حتى إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما نزلت هذه الآية قال: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ فلما كان يوم بدر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الزرع (أي يقفز مطارداً المشركين عند الهزيمة) وهو يقول { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } ، فعرف تأويلها يومئذ).

كما بشّر القرآن الكريم النبي والمؤمنين بدخولهم المسجد الحرام في مكة المكرمة آمنين، مع أن المشركين كانوا قد هاجموا المدينة المنورة في غزوة الخندق، ولم يكن ميزان القوى قد مال بعد لصالح المسلمين فكيف يدخل المسلمون عقر دار المشركين؟ لكن الله تعالى أنزل في سورة الفتح: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا }{27}. وهذا ما تحقق في عمرة القضاء بعد عام على صلح الحديبية، وبعد عام ونيّف على نزول الآية الكريمة المذكورة.

كذلك أخبر القرآن الكريم بأن الروم وهم أهل كتاب سوف ينتصرون في المعركة القادمة بعد هزيمتهم المنكرة أمام الفرس، وذلك في قول الله سبحانه في سورة الروم: { غُلِبَتِ الرُّومُ }{ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ }{ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ }{ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}{2-5}. وقد تحقق ذلك بعد أقل من عشر سنين.

ومما أكده القرآن الكريم كفرَ بعض الناس، وجزمَه بأنهم لن يؤمنوا، بينما كانت الدعوة لا تزال في أولها، وأثبتت الأيام التالية كفر من قال الله تعالى بكفره، ومن هؤلاء أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميل زوجة أبي لهب وفيهما أنزل الله تعالى سورة المسد وختمها بقوله:

 سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ {3} وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ {4} فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ {5}.

ومن الذين كفروا وختم الله على قلوبهم بالكفر، الوليد بن المغيرة الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو من سورة غافر، قولَه تعالى:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: حم {1} تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {2} غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ {3}

فقال الوليد: (والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر). ثم عاد إلى غيه واستكباره متهماً رسول الله بتعاطي السحر. فأنزل الله فيه في سورة المدثر:

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا {11} وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا {12} وَبَنِينَ شُهُودًا {13} وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا {14} ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ {15} كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا {16} سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا {17} إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ {18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {20} ثُمَّ نَظَرَ {21} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ {22} ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ {23} فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ {24} إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ {25} سَأُصْلِيهِ سَقَرَ {26} وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ {27} لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ {28} لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ {29} عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ {30}.

ومن هؤلاء شاعر حكيم مميز يدعى أمية بن أبي الصلت حفظت العرب شعره وتناقلت حكمته وكلها توحيد وتمجيد للخالق وعظمته، توقع الناس أن يؤمن ويجيب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لكن كان في نفسه شيء لم يعلمه إلا الله خالقه، فرثى قتلى المشركين في بدر، وهاجر من الجزيرة العربية بعد أن أظهر الله المسلمين على المشركين، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “آمن شعره وكفر قلبه”. وكان الله قد أنزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى في سورة الأعراف:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176}.

‏ولو أن أحداً من الذين حكم عليهم القرآن بالكفر سلفاً، آمن بعد ذلك أو أسلم أو أظهر الإسلام ولو نفاقا، لأقام أعداء الإسلام ومنتقدوه الدنيا وأقعدوها تكذيباً لما جاء في القرآن الكريم ولكنه كلام الله، ومن أصدق من الله قيلا؟

ولا بد من لفت الأنظار إلى أن القرآن الكريم ليس كتاب تنبؤات ولا توقعات ولا تنجيم، كما يفعل بعض الخلق فيصدق بعض أخبارهم  ويكذب أغلبها، فالقرآن كلام الله، صدق كل ما جاء فيه، ومن أصدق من الله حديثا؟ هو كلام الخالق العليم الذي وسع علمه كل شيء، يعلم ما كان وما سيكون، فالغيب يغيب عن الخلق لا عن الخالق، والحدث من صنعه، والخير من فضله، والتدبير من حكمته، وأعمال الخلق قبل خلقهم معلومة عنده، ومكتوبة ومحصية.

ووجه الإعجاز في الإخبار عما سيحصل، ليس فقط من قبيل إثبات صحة القرآن والنبوة والدعوة، وإنما لكي يتفكر العباد في كل نبأ، ما هو القصد منه وما هي العبرة؟ قال تعالى في سورة الأنعام:  {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ {67}.

ما يريده الله من الناس، بعد أن يطلعوا ويتحققوا مما ورد في الكتاب العزيز، أن تستقر العبرة في قلوبهم، ليزدادوا إيمانا وثقة ويقينا بأن القرآن كلام الله حقا، وبأن هذا الدين حق وبأن النبي حق وبأن الحياة الدنيا ممر والآخرة مقر وبأن الجنة حق والنار حق وأن الله يبعث من في القبور.



[1]  (أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة).