المكي والمدني

باسم وحيد الدين علي

 أ-تعريف المكي والمدني من الآيات اصطلاحاً:

نتعرف في هذا البحث على الظروف التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، فقد نزل منجماً (على دفعات) كما سبق وأشرنا، في ظروف زمانية ومكانية وأحوال متعددة فردية وجماعية، ثم بعد أن اجتمع مرة أخرى ألف وحدة متكاملة ضمت تشريعات وأحكاماً وأساليب وأهداف..(اليوم اكملت لكم دينكم…)، فيظن من يطلع على الكتاب الكريم دون تدقيق أن في الكتاب اختلافاً أو غموضاً، مما يستدعي معرفة أعمق بتلك الظروف وتسلسل نزول التشريع فيها، فيتبين للدارس المتعمق أنه الحق من ربنا لا يأخذه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وبالتعريف المبسط أن القرآن المكي هو ما نزل قبل الهجرة وأن المدني منه هو ما نزل بعد الهجرة، سواء نزل في مكة عام الفتح أو خارج المدينة في الغزوات مثلاً.[1]

ب-طرق التقسيم بين المكي والمدني:

التقسيم المكاني: إذا أعتبرنا التعريف السابق بمثابة التقسيم الزماني، فهناك طرق أخرى في التقسيم منها المكاني وتعني أن المكي هو ما نزل بمكة وضواحيها كمنى وعرفات والحديبية، وأن المدني هو ما نزل بالمدينة وضواحيها كأحد وسلع لكن الثغرة في هذا التقسيم هو أنه لا يجد مكاناً لما نزل من القرآن خلال الغزوات والأسفار.

التقسيم حسب القوم الذين يخاطبهم القرآن: يقول الصحابي عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه:( كل شيء نزل فيه “يا أيها الناس” فهو بمكة وكل شيئ نزل فيه :”يا أيها الذين آمنوا” فهو بالمدينة )[2].

وهذا القول عام فيه بعض الاستثناء، كالآيتين 21 و168 في سورة البقرة والآيات 1و133 و170 و174 من سورة النساء. خوطب “الناس” جميعاً فيها وقد نزلت بالمدينة. وهناك تقسيمات أخرى لاعتبارات مختلفة.

لكن الذي يهم معرفته أن التقسيم الراجح هو الذي ورد في التعريف بدايةً، وأن عدد السور المدنية تسعاً وعشرين وأن البقية مكية، مع العلم أننا قد نجد بعض الآيات المكية في سورة مدنية والعكس صحيح ومن يتعمق بالدراسة يمكنه فهم هذا التداخل(الزماني) لغاية أسمى وهي استكمال المعاني وإحكام الأحكام ووحدة المواضيع.

ج-أهمية التمييز بين المكي والمدني من الآيات:

لا بد لمن أراد تفسير القرآن من الإلمام بالمكي والمدني من الآيات، خوفاً من أن يلتبس عليه الفهم، ولكي لا يقدم الفرع على الأصل فيقع في خطأ الاستنتاج، ولكي يفهم تدرج الأحكام، ولكي يفهم ماذا نسخ من القرآن وكيف، وهل نسخ حكمه وبقي نصه أم نسخ نصاً وحكماً بالكلية.

ثم إن التدقيق في مثل هذه العلوم يعين على فهم أساليب الدعوة إلى الله، واعتماد الحلم على الناس حتى يهتدوا:

ذكر البلاذري في فتوح البلدان : ( أن جبلة(بن الأيهم) أتى عمر بن الخطاب وهو على نصرانيته. فعرض عمر عليه الاسلام وأداء الصدقة فأبى ذلك وقال: أقيم على دينى وأؤدى الصدقة. فقال عمر: إن أقمت على دينك فأد الجزية. فأنف منها. فقال عمر: ما عندنا لك إلا واحدة من ثلاث: إما الاسلام، وإما أداء الجزية، وإما الذهاب إلى حيث شئت. فدخل بلاد الروم في ثلاثين ألفا. فلما بلغ ذلك عمر ندم. وعاتبه عبادة بن الصامت فقال: لو قبلت منه الصدقة ثم تألفته لأسلم).[3]

د-كيفية التمييز بين المكي والمدني من الآيات:   

يمكن التمييز بينهما إما عن طريق السماع أي التعلم مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام. وليس في ذلك ابتداع، كما أن هناك طريقة أخرى للتمييز هي الاستقراء وفقاً لضوابط معروفة ومنها:

-ما أوردناه سابقاً ممن يخاطبهم الله سبحانه: يا أيها الناس (مكي)، أو يا أيها الذين آمنوا (مدني) عموماً، مع معرفة الاستثناءات.

-كل السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة استفتاحاً هي مكية باستثناء سورتي البقرة وآل عمران، فقد كانت إحدى غايات هذه الحروف إعجاز المشركين والبلغاء منهم خاصة.

-كل سورة فيها “كلا ” تكون مكية لأنها نزلت في فترة جدال المشركين ومناوأتهم للمسلمين.

-كل سورة فيها سجدة، لأن المرحلة المكية شددت على تعظيم الله تعالى وحده.

-كل سورة ذكر فيها آدم وإبليس هي مكية إلا سورة البقرة وذلك للأسباب عينها الواردة آنفاً.

-كل سورة نزلت فيها فريضة أو ذكر فيها حد هي مدنية.

-كل سورة ذكر فيها المنافقون هي مدنية إلا سورة العنكبوت، والمنافق عادة لا ينشط إلا إذا قويت شوكة المسلمين، ولو كان في العهد الأول بمكة للزم العداوة ولأعلن الخصام ولما أضطر لإضمار النفاق.

الفترة المكية مرحلة تأسيس: أما من حيث الموضوع فمن البديهي أن تكون المواضيع المكية تشدد على مباديء التوحيد والإيمان والتعريف بالدين الجديد، من حقيقة اليوم الآخر وصحة نبوة خاتم الرسل ووجود الملائكة، وأن تحمل على الشرك وعبادة الأصنام، وأن تلفت إلى بديع خلق الله تعالى وقصور كل العباد عن أن يأتوا بمثله، وأن تنبه إلى ما يعتري النفس البشرية من هواجس وأمراض وشرور إذا لم تؤمن وتوقن، وضرورة التحلي بالمقابل بمكارم الأخلاق وصلة الرحم وحسن الجوار، وسرد قصص بعض الأنبياء للفهم والاعتبار.

الفترة المدنية مرحلة بناء: ويظهر في الآيات المدنية تفصيل التشريع والأحكام، ونزول الأمر بالعبادات، والبيوع والأموال، وأحكام العلاقات الاجتماعية كالزواج والطلاق والرضاع.. وتظهر في المدني دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، وأحكام السلم والحرب..

الفرق في الأسلوب بين المكي والمدني: يمتاز المكي من الآيات بقصر الآيات والسور عامةً وبقوة التعبير والتناغم الموسيقي[4]، وسرعة النفاذ والتأثير وحرارة التعبير [5]، ويكثر فيه التأكيد والتشبيه والفواصل والأمثال لترسيخ المعاني. والملفت في القسم المكي بلاغته التي أعجزت أشعر أهل الجاهلية.

وأما القسم المدني من السور والآيات فيتصف بالطول إجمالاً، ويتسم باللين والحلم عامةً لأن أكثره يتوجه إلى المؤمنين ولأنه يقصد الشرح والإفهام. وفي شرح الأحكام والقوانين لا ضرورة للإكثار من التهديد والوعيد.

هـ-خاتمة:

نستشهد في الختام بمثل على أسلوب الآيات المكية في مطلع الدعوة، حول أهم رجالات قريش  فصاحةً وجاهاً ومالاً وولدا، وهو الوليد بن المغيرة حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في أول سورة غافر:

[ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: حم {1} تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {2} غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ {3}].

فقال متأثرا: (والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر).

ولما أثنته قريش عن اندفاعه وأثارت حفيظته وعنجهيته عاد عما قال فنزلت فيه آيات من سورة المدثر تصف ما جرى معه بدقة متناهية:[ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا {11} وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا {12} وَبَنِينَ شُهُودًا {13} وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا {14} ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ {15} كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا {16} سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا {17}‏ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ {18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {20} ثُمَّ نَظَرَ {21} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ {22} ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ {23} فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ {24} إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ {25} سَأُصْلِيهِ سَقَرَ {26}].

وإلى لقاء قادم مع علم آخر من علوم القرآن الكريم. 

 

 

 

 



[1]  د. نور الدين عتر، علوم القرآن، ص55، مطبعة الصباح دمشق ط6 1966م.

[2]  أخرجه الحاكم عن ابن مسعود.

[3]  البلاذري، فتوح البلدان، ج 1 ، ص 161.

[4]  عتر ، المرجع ذاته ص67.

[5]   د. أمين فرشوخ، المدخل إلى علوم القرآن، ص 38 ، دار الفكر العربي 1990.