الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى

باسم وحيد الدين علي

مقدمة: النسخ يعني الإزالة مثل قوله تعالى:{فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته}، ويعني كذلك التبديل والتحويل كقوله تعالى:{ ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}، والاستنساخ يعني نقل الأعمال إلى الصحف ومن الصحف إلى غيرها، لقوله تعالى:{إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}.

أما النسخ في الاصطلاح فهو رفع الحكم الشرعى بدليل شرعي متأخر.

فالحكم المرفوع يسمّى المنسوخ، والدليل الرافع يسمى الناسخ ويسمى الرفع النسخ. فعملية النسخ إذاً تقتضى منسوخا وهو الحكم الذى كان مقررا سابقا، وتقتضى ناسخا، وهو الدليل اللاحق.

الفرق بين النسخ والبَداء: البَداء في اللغة: الظهور بعد الخفاء، كأن يظهر لصاحب الرأي شيء جديد لم يكن يعلم به من قبل ، أو نشأ له فيه بعد ذلك رأي آخر، فيتغير رأيه على ما كان عليه. وهذا من سلوك البشر (فيستلزم سبق الجهل وحدوث العلم)، وكلاهما محال على الله عز وجل، لأنه عالم بكل شئ ومحيط به: ما كان، وما هو كائن، وما سيكون. فعلم الله كامل ثابت أما النسخ فهو لتبدل أمرٍ لدى العباد لهم فيه مصلحة ولله فيه غاية كما سنرى.

محل النسخ: لا يقع النسخ في القرآن الكريم إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذى ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد ومنه أخبار الأمم السالفة ومنه أخبار الخلق وكذلك خبايا النفس البشرية.

وعن السدي قوله: (ما كان في القرآن من خبر فإنما أخبر به العليم الخبير بعلم فليس منه منسوخ إنما هو من الأخبار. وأخبر عن الامم الماضية ما صنعوا وما صنع بهم وعما هو كائن بعد فناء الدنيا، فانما المنسوخ فيما أحل أو حُرِّم).[1] وقال الضحاك بن مزاحم: (يدخل النسخ على الأمر والنهي، وعلى الأخبار التي معناها الأمر والنهي، مثل قوله تعالى: {الزاني لا يَنكِحُ إِلّا زانِيَةً أَو مَشرِكَةً وَالزانِيةُ لا يَنكِحُها إِلّا زانٍ أَو مُشرِكٌ}. ومعنى قوله: لا تنكحوا زانية ولا مشركة) [2].

درجات النسخ: إزالة آية بالكلية واستبدالها بغيرها، أو تعديل بضع كلمات منها أو بقاء نصها ونسخ حكم بعضها أو كلها، والنص أو الحكم ينسخه نص من القرآن أو سنة مؤكدة [3]:

1 – نسخ الخط والحكم :عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نقرأ سورة تعدل سورة التوبة ما أحفظ منها إلا هذه الآية (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولو أن له ثالثا لابتغى إليه رابعا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب).

 2 – والثاني نسخ الخط(النص) دون الحكم : عن عمر رضي الله عنه قال كنا نقرأ : (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم). معناه المحصن والمحصنة

 3 – والثالث نسخ الحكم دون الخط أوله أمر القبلة بأن المصلي يتوجه حيث شاء لقوله تعالى عز وجل:{فأينما تولوا فثم وجه الله}،( 115 البقرة ) فنسخ ذلك والتوجه إلى بيت المقدس بقوله عز وجل:{فولّ وجهك شطر المسجد الحرام}،(144 البقرة) ونظارها في القرآن كثيرة[4].

شروط التحقق من النسخ [5]:

-أن يكون موضوع النسخ حكماً شرعياً.

-أن يكون دليل رفعه دليلاً شرعياً.

-أن يكون الدليل برفعه قد نزل بعد الحكم الأول ولم يتصل به زمنياً.

-أن يكون بين الحكمين الشرعيين الناسخ والمنسوخ تعارض حقيقي وإلا لما وجب نسخ الحكم الأول.

فضل هذا العلم: اعتنى السلف الصالح بهذا العلم وقالوا: لا يجوز لاحد أن يفسر كتاب الله تعالى، الا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ. وقالوا أيضا: ان كل من يتكلم في شئ من علم هذا الكتاب العزيز ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصا.

وروى عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة فرأى فيه رجلا يعرف بعبد الرحمن بن دأب، وكان صاحبا لأبي موسى الأشعري، وقد تحلق عليه الناس يسألونه، وهو يخلط الامر بالنهى والاباحة بالحظر، فقال له عليّ رضي الله عنه: أتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ قال: لا، قال هلكت وأهلكت .

وقال حذيفة بن اليمان: لا يقصن على الناس إلا ثلاثة: أمير، أو: مأمور، ورجل عرف الناسخ والمنسوخ. والرابع: متكلف أحمق.[6]

وقد لاقى موضوع النسخ نصيباً وافراً من الدراسة والتدوين عند علماء المسلمين القدماء، ومن أوائلهم عطاء بن مسلم، (ت 115 هـ)، وبعده 62 عالماً  آخرهم عطية الله بن عطية الأجهورى، (ت 1190 هـ). إضافة إلى ما كتبه عدد كبير من العلماء المحدثين بعد ذلك.

أسباب النسخ: مع أن الله جلّ وعلا لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، {ألا له الخلق والأمر}، فمن حكمته تعالى أن البشر بطبائعهم وخاصة كلما تقارب الزمان ودنت الساعة ضعفاء لهم طاقة محدودة وأن الله تعالى أراد أن يرحم أمة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل شريعة خالدة متكيفة مع طاقات البشر على اختلاف قدراتهم فشرع سبحانه ثم ابتلى وخصص أو قيد أو نسخ جزئيا أو كليا حتى تبقى لنا شريعة محكمة تامة قال تعالى {اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا}، (سورة المائدة – 5}[7].

وقد بيّن الله تعالى لنا بعض مراده من النسخ في بعض الآيات، ومنها:

ضعف بني البشر: فمن (سورة المزمل) وعن قوله عز وجل: (يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه او انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرن ترتيلا)، ففرض الله عز وجل قيام الليل في أول هذه السورة وقام اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت اقدامهم فامسك الله خاتمتها سنة كاملة ، ثم انزل الله عز وجل التخفيف في آخرها، قال عز وجل: {علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه}، فخففت هذه الاية ما كان قبلها فرضاً في قيام الليل، فجعل قيام الليل تطوعا بعد فريضة، وقال: (وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة) وهما فريضتان لا رخصة لأحد فيهما[8].

تبيان قوة الإيمان الحقيقي عند الضرورة ثم إعادة الوضع إلى طبيعته:

في قوله تعالى: (يا أَيُّها النَبِيُّ حَرِّضِ المُؤمِنينَ عَلى القِتال). هذا محكم، والمنسوخ: قوله تعالى: (إِن يَكُن مِنكُم عِشرونَ صابِرونَ يَغلِبوا مِئَتَين) إلى آخر الآية. فكان فرضا على الرجل أن يقاتل عشرة، فمتى تنافر عمن دونها كان مولي الدبر، فعلم الله عجزهم، فيسر وخفف، فنزلت الآية التي بعدها، فصارت ناسخة لها، فقال الله تعالى: (الآنَ خَفَّفَ اللَهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فيكُم ضَعفاً). والتخفيف لا يكون إلا من ثقل، فصار فرضا على الرجل أن يقاتل رجلين، فإن هزم من أكثر لم يكن موليا، بدليل ظاهر الآية.[9]

تألف أهل الأديان السابقة: ومن الأسباب أيضاً أن يتألف أهل الأديان السابقة لعلهم يلمسون أن الدين الجديد ليس إلا نسخة مطورة من دينهم لعلهم يتبعوه فلما انتهت فرصتهم بالاقتناع بالدين الجديد نسخ الحكم الذي فتح لهم تلك الفرصة. ومن هذه الفرص تلك الفترة التي أمر الله نبيه بالصلاة إلى بيت المقدس تألفاً لقلوب اليهود لعلهم يسلمون:

قال قتادة في قول الله عزوجل: {فأينما تولوا فثم وجه الله}  قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة و(كذلك صلى بعد الهجرة ) نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجّهه الله تعالى نحو الكعبة البيت الحرام . فقال تعالى: { فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}  أى: تلقاءه. ونسخت هذه ما كان قبلها من أمر القبلة .[10]

وللتآلف بين أهل مختلف الأديان كذلك قوله تعالى: (وَلا تَأكُلوا مِمّا لَم يُذكَر اِسمُ اللَهِ عَلَيه). فنسخ ذلك بقوله عز وجل في سورة المائدة: (اليَومَ أُحِلَّ لَكُم الطَيِّباتِ وَطَعامُ الَّذينَ أوتوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُم وَطَعامُكُم حِلٌّ لَهُم). والطعام ههنا الذبح.[11]

تبدل مصلحة الناس أو ظروفهم: لما نزل قوله تعالى:{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}، قال المحققون: شق على الصحابة العمل بها، وقالوا: إنه يجول الأمر في نفوسنا؟ لو سقطنا من السماء إلى الأرض لكان ذلك أهون علينا. وقال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نطيق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا). فلما علم الله سبحانه وتعالى تسليمهم لأمره، فنزلت: (لا يُكَلِّفُ اللَهُ نَفساً إِلّا وُسعَها).[12]

 فأظهر المولى تعالى أولاً ما يجب أن تكون عليه نيّة الخلّص من المؤمنين، ثم أعاد الأمر إلى المستوى الذي تطيقه العامة .

تشديد الأحكام تدريجياً بحسب طاقة البشر وتبعاً لارتقاء إيمانهم ودرجة انقيادهم:

وذلك مثلاً في قوله عز وجل: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس}. وذمهما ولم يحرمهما، فقد كانت شائعة رائجة، ثم أنزل الله عز وجل بعد ذلك  آية أشد منها في شأن الخمر، فقال: {يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}. فصار السكر منها حراماً عليهم. ثم إن الله عز وجل أنزل الآية التى في سورة المائدة فقال: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر…}الى قوله: {فهل أنتم منتهون}. فجاء تحريمها في هذه الآية قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر.[13]

كذلك في التشديد تباعاً لعقوبة الزنا، فعن قتادة في قوله تعالى:{واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} الى: {أو يجعل الله لهن سبيلا. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما}. قال: كان هذا بدء عقوبة الزنا، كانت المرأة تحبس فيؤذيان جميعا فيعيَّران بالقول جميعا في الشتيمة بعد ذلك. ثم أن الله عز وجل نسخ ذلك بعد في سورة النور فجعل لهن سبيلا فقال: {الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله}. وصارت السنة فيمن أحصن جلد مائة ثم الرجم بالحجارة، وفيمن لم يحصن جلد مائة ونفي سنة.[14] (وهنا نسِخَ حكمٌ نزل بآية بدليل شرعي مؤكد من السنة النبوية).

إنزال الحكم الشرعي العام ثم إنزال تفصيله وملحقاته واستثناءاته:

ففي قوله جل وعز: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}. جعل عدة المطلقة ثلاث حيض، ثم أنه نسخ منها عدة المطلقة التى طلقت ولم يدخل بها زوجها، قال الله عز وجل في سورة الاحزاب: {يا أيها الذين آمنوا اذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} فهذه ليس عليها عدة، إن شاءت تزوجت من يومها. وقد نسخ من الثلاثة قروء اثنان: {والئ يئسن من المحيض من نسائكم}: فهذه العجوز قد قعدت من الحيض، {والئ لم يحضن}: فهذه البكر التى لم تبلغ الحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرهما في شئ. ثم نسخ من الثلاثة قروء الحامل فقال: {وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن}: فهذه: أيضا ليست من القروء في شئ، إنما أجلها أن تضع حملها.[15]

اختبار الناس وكشف المنافق فيهم والكافر وتثبيت المؤمنين: قال ابن حزم: ( أن النفس إذا مرنت على أمر ألفته فإذا نقلت عنه إلى غيره شق عليها لمكان الاعتياد المألوف فظهر منها بأذعان الأنقياد لطاعة الآمر)[16]. فمن حكمته تعالى أن جعل الناسخ والمنسوخ من القرآن وسيلة من وسائل كشف القلوب المذبذبة والعقول المريضة قال تعالى:{ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ {42}(سورة هود). فمن أصلح نفسه نجا ومن أصر انكشف أمام المؤمنين، قال تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ {101} قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {102} (سورة النحل).

وفي الختام يجب على الباحث أن يتنبه ويحذر من اعتبار آية ما منسوخة الحكم، ولعل العمل بها قد يعتبر ضرورياً في ظرف تقتضيه الأوضاع [17]، ويجد فيه الفقيه والحاكم مصلحة في تطبيقه ولو مرحلياً.



[1] السدوسي،  الناسخ والمنسوخ  (ج 1 / ص 47)

[2] إبن سلامة، الناسخ والمنسوخ  (ج 1 / ص 2)

[3]  عتر ، نور الدين ، علوم القرآن الكريم ، ص132.

[4] إبن حزم الأندلسي ،  الناسخ والمنسوخ، تحقيق دكتور عبد الغفار سليمان البنداري دار الكتب العلمية بيروت – لبنان (ج 1 / ص 9)

[5]  فرشوخ، محمد أمين، المدخل إلى علوم القرآن ، ص 44.

[6] إبن سلامة، الناسخ والمنسوخ (ج 1 / ص 1)

[7] إبن حزم،  الناسخ والمنسوخ  (ج 1 / ص 3)

[8]  السدوسي، الناسخ والمنسوخ  (ج 1 / ص 50)

[9] إبن سلامة، الناسخ والمنسوخ  (ج 1 / ص 15)

[10] السدوسي،  الناسخ والمنسوخ (ج 1 / ص 32)

[11] إبن سلامة، الناسخ والمنسوخ (ج 1 / ص 14)

[12] المرجع ذاته، (ج1 ص9).

[13]  السدوسي، الناسخ والمنسوخ (ج 1 / ص 36)

[14]  المرجع ذاته (ج 1 / ص 38)

[15]  المرجع ذاته (ج 1 / ص 34)

[16] إبن حزم، الناسخ والمنسوخ (ج 1 / ص 8)

[17] عتر ، نور الدين ، علوم القرآن الكريم ، ص135.