إعجاز القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}

ع. د. محمد فرشوخ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول الله تعالى في سورة الإسراء:  ﴿‌وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾.

  يعتبر هذا الموضوع من إعجازات القرآن الكريم، في الإخبار عما سيأتي من أحداث، ظهرت مؤشراته واضحة اعتباراً من القرن العاشر الميلادي، حين بدأت المدن والممالك المعروفة في ذلك الوقت تطرد هذه الطائفة وتنبذها نتيجة لسوء استغلالها للناس، ومن ذلك ( ثم أخذت أحداثه تتوالى حتى ظهرت للعلن بكل وضوح، وصار يتبين لمختلف شعوب العالم وللأنظمة والحكومات والمنظمات، تباعاً ما حذّر منه القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿‌وَقَضَيْنَا ‌إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]. ولن نناقش، كما سبقنا كثير من المفسرين، في تاريخ الإفساد الأول أو الثاني، ولا حاجة لشرح الآية السادسة، في قوله لهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6]. فقد تحقق قول الله تعالى في ذلك وبات المفسدون مهيمنين على الأموال والثروات وأغلب التقنيات المتطورة، وصاروا مزوّدين بأحدث العتاد والسلاح القاتل المدمر. 

ولا بد من ملاحظتين قبل الشروع في تعداد الآثار المدمرة التي اعتمدها هذا الشعب، بحق أمم وشعوب كثيرة احتضنت هذه الطائفة وفتحت لها أبواب الاندماج لكنها قوبلت بإنشاء “غيتوات” منعزلة داخل المدن، تعد فيه المخططات وتحاك فيه المؤامرات، للسيطرة على اقتصاد البلد المضيف وافتعال الفتن، ونشر الرذيلة، وإفساد المجتمع وإلهائه عما يحيكون حوله من مؤامرات ودسائس للقبض بإحكام على مقاليد الأمور المالية والسياسية والاقتصادية. لدرجة أنهم طردوا أكثر من ثلاثين مرة من دول ومدن لجأوا إليها كان أهمها، من إنجلترا عام 1290م، ومن فرنسا عامي 1306 و1394، ومن إسبانيا عام 1492، ومن البرتغال عام 1497، ثم من عدة مدن فرنسية وإيطالية والمانية ونمساوية وصولاً إلى القرن العشرين.

 إلى أن وجد الإنكليز حلاً لهذه المعضلة بالتخلص منهم عبر ترحيلهم إلى مناطق بعيدة عن أوروبا يتجمعون فيها وينفذون مآرب تخدم المستعمرين في مستعمراتهم التي كانت تدعى مناطق “الإنتداب”، فتقرر أن يحلّوا في فلسطين، أكثر دول شرقي المتوسط ازدهاراً، والتي اتهموها زوراً بأنها لا شعب فيها ولا دولة.

ومنذ ذلك الوقت باتوا يتباهون بما حققوه ويكشفون عن مخططاتهم المستقبلية للسيطرة على الأرض، ونورد فيما يلي بعض ما بلغوه من الفساد والإفساد: 

نشر الرذيلة (الجنس والبغاء والشذوذ الذكوري والأنثوي والمخدرات) في أنحاء الأرض، وابتزاز زعماء وعلماء وشخصيات من كل بلاد العالم (ابستين)، اللقاحات المشبوهة وخاصة للأطفال، نشر الأوبئة (الإيدز وإيبولا وغيرهما)، الحرائق المفتعلة للغابات وللحقول الزراعية في الدول النامية، التعديل الوراثي للقمح ولبقية المواد الغذائية، عبادة الشيطان وتقديم القرابين البشرية وخاصة الأطفال، إثارة الحروب العالمية والإقليمية، الإطاحة بالحكومات الشرعية وتنصيب الدمى المطيعة، تخفيض عدد سكان الأرض واستعباد المليار الذهبي، سرقة المعادن الثمينة والسيطرة على ثروات الأرض (النفط والغاز) من معظم الدول، إشاعة ثقافة التفاهة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، تدمير القيم ومفاهيم الدين والأسرة (الهزء بالأب، والخروج عن طاعته، الأم العزباء، سفاح الأقارب)، نشر التعليم الجنسي في المدارس الابتدائية، الاستهزاء بالمعلم وبدوره في التوجيه السليم، الاستهزاء بالديانات ونشر الإلحاد، إدخال القمار والمراهنات بمسميات مختلفة حتى عبر الجوال، العملة الرقمية ومصادرة مدخرات الناس من المعادن الثمينة،  إقامة الدولة العميقة وتحجيم نفوذ الدول، إنشاء المافيات وإطلاق يدها في العالم، صرف انتباه الشعوب عن السياسة وعن العلم وإشغالها بالرياضة والفنون، تصفية علماء والدين والدنيا الذين يرفضون التعاون معهم.

هذا عدا عن القتل المتعمد وبدم بارد ودون حساب او رادع او عقاب يستهدفون الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، في فلسطين وفي أي بلد أخر يطمعون فيه، ولا يأبهون برأي عام دولي ولا بمحاكم دولية، وكأن الأرض كلها باتت في خدمة نزواتهم ومخططاتهم.

من عدل الله تعالى أنه رغم كل هذا الفساد فتح لهم باب التوبة والعودة إلى الضمير والعقل والخير، مرغباً ومتوعداً بقوله جلّ وعلا: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].

جل ما أردناه هنا إظهار الإعجاز في تلك الآية الكريمة، وإثبات ذلك عبر تعداد مجالات الإفساد التي وصلوا إليها، تذكيراً وتنبيهاً لأصحاب القلوب الساذجة الذين يقفون من الأحداث والنوايا السيئة موقف الغنم في الحظيرة بانتظار ذبحها. وتنبيهاً للذين سمعوا قول الله تعالى: ﴿‌وَأَعِدُّوا ‌لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ …﴾ [الأنفال: 60]. فلم يُعِدّوا لا بالعلم ولا بالبذل ولا بالتوعية وبقوا قاعدين متخاذلين.


 الموضوع قديم في طقوسهم، ففي عام 1255م جرى اتهام يهود لينكولن بتعذيب وقتل طفل انجليزي في طقوس دينية. وقد اعتقل الملك هنري الثاني 93 من اليهود المحليين وأعدم 18 منهم. (https://www.bbc.com/arabic/world-49525609).