خصوبة الرجال في خطر… الجنس البشري مهدد بالعقم خلال 50 عاماً

أ.زينب ضاهر*

47- العدد السابع والأربعون خريف 2018

يطلق العلماء تحذيرات جادة من أن خصوبة الرجال في خطر وأن العالم معرض للعقم خلال الخمسين سنة المقبلة، ويقولون إن الأمر خطير، ولكن يمكن تداركه بقليل من تغيير نمط الحياة والابتعاد عن التوتر.
قد يبدو الحل سهلاً وصعباً في آن، في ظل تسارع إيقاع الحياة الحديثة، لكن معرفة أن العقم خطر قادم وأن ما يعرفه العلم الحديث عنه قليل سيجعلك تراهن على ما تملك من إرادة تغيير نمط حياتك لتملك حلمك في الإنجاب ولا يتسرب منك.
نشرت صحيفة التيليغراف The Telegraph البريطانية تقريرا ًمطولاً عن الأزمة التي تم توثيقها في دراسات عدة، مفادها إذا كان الطب الحديث قد تعامل مع الخصوبة باعتبارها أمراً نسائياً غالباً، فإن هذا نصف الحقيقة العلمية أو ربما أقل.
ووفقاً لما تُشير إليه الأدلة المتزايدة في مجال البحوث الطبية، فإن الرجال يدفعون فاتورة الضغوط الحياتية اليومية لهذا العصر من حيواناتهم المنوية.
انخفاض حاد في الحيوانات المنوية
في صيف العام الماضي، كما يشير تقرير للتليجراف، وجدت دراسة علمية أنَّ عدد الحيوانات المنوية لدى الذكور انخفض بما يُقارب 60% خلال الـ40 عاماً الماضية. وفي دراسةٍ هي الأكبر من نوعها؛ تم تحليل بيانات 43 ألف رجلٍ من أميركا الشمالية، وأوروبا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وتناولتها 185 دراسةٍ منذ العام 1973 وحتى عام 2011. لتكون النتيجة بمثابة “جرس إنذارٍ مُلِح”.
دفعت هذه الأرقام الطب الحديث للاهتمام بشكل كبير بمشكلة الحيوانات المنوية التي كان التعامل معها يتم بشكل جزئي، واحتلت أهميةً أقل من الأبحاث التي تتناول معدل خصوبة الإناث.
بدأت العلامات التحذيرية في التزايد في السنوات الأخيرة، فقد كشفت دراسةٍ تم إجراؤها في العام 2012 على أكثر من 26 ألف رجل فرنسي، أنَّ عدد الحيوانات المنوية انخفض بمقدار الثلث بين عامي 1989 و2005.
كما كشف تقرير لمجلة طب الذكورة “Journal of Andrology” في العام 2007، أنَّه في مدينةٍ بريطانية واحدة انخفضت أعداد الحيوانات المنوية بنسبة 29% وذلك خلال 13 عاماً، في الفترة بين عامي 1989 و2002.

ما الذي يحدث للرجال؟
إذاً، ما الذي يحدث؟ هل من الممكن أن نكون على مشارف كارثة اجتماعية وبيولوجية كبرى؟ وهل تسللت كارثة “فناء” الحيوانات المنوية، بينما كنا منشغلين بمخاوف الزيادة السكانية؟ أم أن تلك الإحصائيات مُضللة؟!
ستيفان شمليك، الطبيب الممارس في مجال الرعاية الصحية ومؤسس مركز New Medicine Group في لندن، كان واضحاً تماماً في توقعاته، إذ قال: “هناك علاجاتٌ طبية قليلة إلى حدٍ كبير فيما يخص معدل الخصوبة لدى الذكور، وفي ظل المعدلات الحالية لانخفاض نسبة الحيوانات المنوية، فإنَّ الجنس البشري سيكون عقيماً خلال الخمسين عاماً المقبلة. بدأتُ أرى أطفال أنابيب لآباء كانوا أيضاً أطفال أنابيب. أنا بالتأكيد لا أُصدر حكماً باتا، لكن من الصعب ألَّا تتساءل عما سيحدث حين نرى الجيل العاشر من أطفال الأنابيب”.

تحت رحمة الأدرينالين
يعتقد شمليك أنَّ هناك العديد من الأسباب التي أدت لظهور هذه المشكلة، أولها الضغوط الحياتية: إذ “لم يعش أيُ جيلٍ بشري في أي وقتٍ مضى تحت هذا النوع من الضغوط الذي يواجه الناس اليوم في البلدان المتقدمة.
وتصبح النتيجة هي أنَّ دماغك لا يمكنه التمييز بين التهديد الفسيولوجي والنفسي، ولا يُصدر فقط إلا استجابةً واحدة، وهي إفراز الأدرينالين ذلك الهرمون المسؤول عن زيادة نبضات القلب وإعداد الجسد لمواجهة التوترات العصبية و(الذي يؤثر بدوره سلباً على إنتاج الحيوانات المنوية)”.

السراويل الضيقة والكحول والتدخين
نحن على دراية بأنَّ عوامل مثل تناول الكحول، التدخين، الإجهاد والتوتر، مشكلة البدانة، وتعاطي مضادات الاكتئاب، يمكنها أيضاً أن تُشكِّل حاجزاً أمام الرجال الذين يأملون في إنجاب طفل، ولكن هناك أدلة على أنَّ منتجات واقي الشمس (الذي يحتوي على مرشحاتٍ عاكسة للأشعة البنفسجية) وأواني الطهي غير اللاصقة للطعام (التي تستخدم مواداً مشبعة بالفلور في عملية تصنيعها) قد تؤثر أيضا على إنتاج الحيوانات المنوية. ناهيكَ عن ارتداء السراويل الضيقة، وزيادة هرمون الاستروجين في أجسامنا بسبب تعاطي حبوب منع الحمل والتعرض للأشعة الكهرومغناطيسية المُنبعثة من أجهزة توجيه الواي-فاي.
ومؤخراً، اتجهت الشكوك نحو دواء الإيبوبروفين الذي يتم تسويقه تجارياً تحت اسم بروفين وهو عقار مضاد للالتهابات؛ إذ أظهرت دراسة تم نشرها هذا العام في المجلة العلمية Proceedings of the National Academy of Sciences أنَّ أولئك الذين يتناولون جرعاتٍ زائدة من هذا الدواء على مدى فتراتٍ طويلة، يعانون من تعطُل إنتاج الهرمونات الجنسية الذكورية.
ويقلق الكثيرون بشأن الربط بين العقم لدى الذكور والمُضافات الكيميائية في الغذاء، أو المبيدات الحشرية والملوثات الصناعية. حتى الدهانات المائية اتضح أنَّها تحتوي على مادة إيثيلين غليكول المرتبطة بمُعدل انخفاض حركة الحيوانات المنوية.

ضوء في آخر النفق
على الرغم من أنَّ هذا الأمر يبدو مُرعباً، فقد يمكن أن يكون خبراً ساراً ومطمئناً، لأنَّ بعض التغييرات الصغيرة مثل الحد من التوتر، واعتماد نظام غذائي أفضل يُركز على الفواكه والخضروات ويُقلل من اللحوم، والإقلاع عن التدخين، والحصول على فترات نومٍ أطول قد تكون هي كل المطلوب لتفادي هذه المشكلة.

العقم يولد في رحم الأم
كمال أوجا المدير الطبي للعيادة واستشاري أمراض النساء والمحاضر في مشفى سان جورج المتخصص في ضعف الخصوبة، قال للتليجراف إنه لاحظ مؤخراً زيادةً حقيقية في عدد المرضى الذكور المترددين على العيادة.
وأوضح أوجا: “أن الأعضاء المُنتجة للحيوانات المنوية للجنين الذكر تنمو في الشهور الثلاثة الأولى للحمل. وفي هذه المرحلة، يؤثر كل ما تستهلكه الأم على مستقبل الجنين. ولتجنُّب الضرر في هذه المرحلة، يتوَّجب على النساء الحوامل تغيير سلوكهن أثناء الفترة الأولى من الحمل، والتي تتراوح بين 6 إلى 12 أسبوعاً”.
واتضح أيضاً أنَّ التعرُّض لمواد الفثالات الموجودة في حاويات الطعام وأغلفتها يقلل من معدلات الخصوبة لدى الذكور. ومنذ أربع سنوات، أصدرت الكلية الملكية لطب النساء والتوليد في المملكة المتحدة ورقةً بحثية توصي النساء بضرورة تجنب التعرض للمواد الكيميائية بمستوياتٍ منخفضة، وتقليل استخدام منتجات العناية الشخصية، مثل بعض المواد الهلامية المستخدمة في الاستحمام.

حيوانات معطلة
يرجع ألان باسي، الرئيس السابق للجمعية البريطانية للخصوبة والأستاذ الحالي لطب الذكورة في جامعة شفيلد في إنكلترا انخفاض مُعدل الحيوانات المنوية إلى عوامل متغيرة، وإلى الطرق التي جمع بها العلم الحيوانات المنوية على مدى عقود، ويرى أنَّ العمر هو العامل الحاسم.
موضحا أن : “المشكلة الأكبر هي انتظار الأزواج ليصبحوا أكبر عمراً قبل محاولتهم إنجاب طفل. ومن الهراء القول بأنَّ مُعدل الحيوانات المنوية يستمر كما هو إلى الأبد؛ فقد يُنتج الرجل نفس معدل الحيوانات المنوية حين يتقدم في العمر، لكنَّها تكون أقل كفاءة. وحين تُترك تلك الحيوانات فترةً طويلة، تظهر كل أنواع المشكلات”…. وهناك ساعة بيولوجية كذلك لدى الرجال.
ويزداد خطر الإجهاض لدى زوجات الرجال الذين تزيد أعمارهم على 40 عاماً أكبر، بغض النظر عن أعمارهن، واحتمالية حدوث الحمل تقل بمقدار النصف تقريباً لديهن عن زوجات الرجال تحت سن الخامسة والعشرين.

من الناحية الكروموزومية
هناك 5 دول عربية يزيد فيها عدد الإناث على الذكور هي لبنان والمغرب وموريتانيا وجيبوتي وجزر القمر(2).
يكمن الفرق بين الجنسين بوجود أو عدم وجود كروموزوم Y، وهو كروموزوم مهم جداً ولكن بحسب الباحثين،بدأ هذا الكروموزوم بالتقلص والانكماش منذ ملايين السنين، ويعتقد البعض أنه بالنهاية سيختفي.
وتقترح آخر الدراسات التي أجريت على كروموزوم Y لدى كثير من الثدييات، بأنه لدى هذا الكروموزوم جينات مهمة لديها وظائف أخرى لا تتعلق بالذكورة فحسب.
والكروموزومات هي مجموعة من الحمض النووي وغيره مخزنة في نواة الخلايا.
يمتلك أغلب الناس 23 زوج من الكروموزوم، المجموعة الأولى من الأب والثانية من الأم. 22 زوج يشبهون بعضهم البعض لدى كل البشر ولكن الزوج الأخير مختلف وهو الخاص بتحديد جنس الإنسان.
لدى الإناث 2 كروموزوم X، والذكور لديهم كروموزوم X، وآخر Y.
يبلغ حجم الكروموزوم Y، أقل من نصف حجم الكروموزوم X. وعدد الجينات العاملة التي يتضمنها هي أقل بكثير من الموجودة لدى الكروموزوم X، وهو واقع مستجدّ. إذ كان منذ ملايين السنين الكروموزوم الموجود لدى أجدادنا متساوي الحجم بين الـ X والـ Y. وكان باستطاعتهما تبادل المعلومات الجينية عبر عملية تدعى إعادة التركيب الجيني (Genetic recombination).
تساعدنا عملية التركيب على التطور مع الوقت وتحمي ضد إمكانية إصابة الجينات بالتحول الخطير (mutation).
وإلى وقت معين، تغير كل من الكروموزوم X و Y، إلى درجة خسرا فيها أغلب قابليتهما لتبادل المعلومات الجينية.
لذا أي تحول أدى إلى تغير إو إلغاء جزء من الكروموزوم Y أصبح واقعاً ليس بالإمكان تصليحه. واستمر على انكماشه وتقلصه مع مرور ملايين الأجيال على مر السنين. حتى أصبح يتضمن كروموزوم Y لدى الرجال في وقتنا الحالي فقط من 3 % من الجينات الفاعلة التي كان يمتلكها في السابق.
هذا الانكماش قد استقر لدى الكثير من الثدييات ولدى الإنسان على مرّ الـ 25 مليون سنة الماضية.
ولقد أشارت دراستان أجريتا عام 2014، الأولى أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، والثانية من قبل علماء سويسريين يحللون كروموزومY لدى ثمانية إلى خمسة عشر نوع من أنواع الثدييات. وكما توقعوا، وجدوا بعض الجينات المماثلة التي تحدد الجنس كـ Sry Gene، والذي يساعد على نمو الأعضاء التناسلية لدى الذكورية. ووجدوا أيضاً جينات لدى الكروموزوم Y لدى الكثير من الثدييات والتي لا علاقة لها بالذكورة. وتُسمى هذه الجينات بالـ regulatory genes أي الجينات التنظيمية. وهي جينات تنظم جينات أخرى عبر تشغيلها أو إيقافها. في حين معظم الجينات الموجودة على كروموزوم x و Y تحتاج فقط إلى نسخة واحدة لكي تعمل بشكل طبيعي.، يرى بعض العلماء أنه بعض الجينات التنظيمية المهمة تحتاج إلى نسختين (زوج).
وبالتالي لدى الإناث، كل كروموزوم X، لديه نسخة واحدة من الجينات التنظيمية، ولدى الذكور، هناك جينة على الـ X، ونسختها (paired gene) على كروموزوم Y.
ويرى الكثير من العلماء أنه هناك عدد كبير من الجينات لدى كروموزوم Y والذي يعمل مع جينات لدى كروموزوم X، لتنظيم جينات أخرى مسؤولة عن النمو الطبيعي للإنسان.
يجب إقامة الكثير من الأبحاث لمعرفة أية جينات تؤثر على أية عملية خاصة بنمو الإنسان.(3)
وبالتالي الخلاصة التي نصل إليها هي أن كروموزوم Y ليس مسؤولا ً عن الذكورة فحسب، بل لديه وظائف أخرى. (مما قد يعني أن نمو الأجيال اللاحقة قد يتأثر سلباً هو الآخر).

لا نعرف الكثير
المشكلة التي تصاحب الحديث عن أمراض الذكورة أن ما نعرفه عنها قليل باعتراف منظمة الصحة العالمية التي قالت أنَّنا نملك معلوماتٍ قليلة جداً حول مرض عقم الذكور، …وتُعدّ مشكلة الخصوبة لدى الذكور منطقةً لا تلقى تمويلاً جيداً على الإطلاق. وافتراضياً، يتجه الأزواج إلى العلاج عن طريق عمليات التلقيح الصناعي والحقن المجهري، والتي تُعالج في الأساس المرأة، لمجابهة مشكلة الرجل. وفي حال نجاح تلك العلاجات، يُنظر إليها باعتبارها أمراً رائعاً، لكنَّها تُعد وسيلةً طبية مبالغ فيها للوصول إلى الحمل. وسيكون من الأفضل العثور على وسائل أخرى”….
ختاماً نذكّر بالحديث الشريف التالي: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ».(4) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.


*عضو منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
(1) من بريد القراء.المصدر: هافينغتون بوست
http://www.huffpostarabi.com/2018/02/26/story_n_19322786.html
(2): مقالة “إنفوغرافيك.. خريطة “الذكور والإناث” في العالم”، نشرت على موقع Sky News Arabia بتاريخ: الخميس 12 كانون الثاني 2017
(3): المعلومات مأخوذة من مقطع فيديو تحت عنوان “Is the Y Chromosome Disappearing?” لقناة SciShow نُشر بتاريخ: 18 حزيران 2016
رابط الفيديو:
https://www.youtube.com/watch?v=ASAsHdwFAa4&feature=youtu.be
(4): أخرجه البخاري، حديث رقم 6808

رأي حرّ: موقف عرفة.. لم تعرفه

أ‌. مريم ديب*

47- العدد السابع والأربعون خريف 2018

أمّة حزينة ومنكسرة
أمّة اثّاقلت إلى الأرض وعبدت الدنيا ونسيت الله
أمّة ألهت نفسها بكل شيء وتركت الصلاة والعبادة
أشغلت نفسها بحب الدنيا، حبِّ الذل بدلا من العزّة
أصبحت قلوبنا تهوى المعاصي والملذات، وتتكاسل عن الصلاة والصوم والذكر، وحتى عن قراءة القرآن الكريم، قد أصبحت ثقيلة جداً على سمعنا وعلى ألسنتنا.. ماتت قلوبنا
حتى في يوم عرفات، في هذا اليوم العظيم، غفلنا عن الله!
كنت أتحدث في يوم عرفات إلى صديقة لي في العمل وقلت لها في نهاية الدوام، لا تنسي الدعاء اليوم، لا تنسي أنه يوم ذكر واستغفار وقرب من الله عز وجل
لا تنسي أن تكوني مع الله، مع من خلقنا وأكرمنا وجعلنا أحبّ الخلق عنده.
قالت: لا أستطيع، سآخذ أمي وأختي إلى المقبرة لزيارة أموات لنا ونأخذ لهم الورود.. لن يكون عندي وقت لغير ذلك.
أبكاني جوابها، بكيت بشدة لأننا لم نعد نعلم أن الموتى لا ترفع درجاتهم إلا بصلاح من يدعو لهم من الأحياء.. ترانا نسينا أنفسنا، ونسينا كيف نتقرب إلى ربنا سبحانه!
ليت الأمر يقف عند هذه الغفلة، لكننا نعيش في الغفلة، نأخذ من الدين ما يصل إلى أسماعنا نتفا، ولا نسأل ولا نتعلم ولا نفقه! ألمثل هذا تراجعت أمتنا وانحدرت بين الأمم؟
ولعلّ هذه الحادثة هي من أبسط ما نواجه، إذ بات الزنا تحرر، والمخدرات راحة من تعب الحياة، والخيانة تجربة، والمثلية الجنسية حرية شخصية، فاضطرب الإنسان وتزعزع كيانه النفسي والاجتماعي والحياتي بأكمله، وحلّ الحزن وانتشرت الكآبة وهبطنا إلى أسفل ما يكون.
ازدادت المشاكل وازداد البعد عن الله تعالى، واللجوء إلى الله صار مشقة ووهم، بل ولم يعد يخطر بالبال.
رفضنا اللجوء إلى الركن الشديد، رفضنا طمأنينة القلب بذكر الله، وانشراح الصدر بتلاوة كتاب الله.
العداوة بين العبد والخالق صارت واضحة كالشمس، والعداوة بيننا وبين بعضنا سيدة الموقف،
أمس أصدقاء واليوم أعداء كأننا لا نعرف بعضنا أبدا وكأننا لم نكن يوماً إخوة.
حتى بعض من يعمد إلى إظهار انتمائه الديني إلى العلن، تتعارض سلوكياته مع ما يؤمن به، فنرى أخلاقه وسلوكياته مختلفة عن تعاليم دينه، ونرى البعد عن الله تعالى واضحاً في أسلوب حياته.. فأصبحنا كالقشورلا لبّ فينا…
أخاف أن نكون قد اقتربنا من النهاية، من تلك اللحظة التي قد يستبدلنا فيها الله بقوم أخرين يحبهم ويحبونه.. قوم يعزّ الله بهم دينه، يباهي بهم ملائكته، لا يفترون عن الدعوة إليه وعن الدلالة عليه.
بتنا راضين بتقاعسنا واستخفافنا، ونطمع ان يتولانا ربنا بفضله ورحمته! إنها عين الوقاحة.
يا الله كم أخاف أن يأتينا هذا اليوم بغتة ونحن لا نشعر.
أين نحن من قول الله تعالى:
{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَن ْيَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)} [سورة الزمر].
{… رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْأَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا…} [البقرة: 286]، ربنا وأعِنّا على أنفسنا واهدِ قلوبنا وسدد خطانا.


*من صديقات منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

وسائل الاتصال باب للانفصال

ارتفاع نسبة الطلاق

جود عبد الله*

47- العدد السابع والأربعون خريف 2018

باتت مواقع التواصل الاجتماعي تهيمن على عقولنا وأنفسنا وقلوبنا، لتسلخنا من واقعنا شيئاً فشيئًا نحو عالم افتراضي، يسرق وقتنا ويغيّبنا عن مسؤولياتنا وعن دورنا في هذه الحياة.
قوانين الحياة ثابتة ولا تتغير، والطبيعة لا تقبل الفراغ… الفراغ النفسي وضعف العلاقات الزوجية وغياب لغة الحوار، والجفاء الروحي والعاطفي بين الزوجين، فتح الأبواب لهذا العالم الافتراضي للسيطرة على عالمنا الواقعي، ما أدى إلى إقامة علاقات غير شرعية وتقصير في الواجبات والمسؤوليات… الأمر الذي هدد كثيرًا من العلاقات الزوجية التي لم يرَ الكثيرون حلاً لها إلا بالطلاق!

البعيد منك قريب والقريب منك بعيد!
المعايير والمسافات تغيرت، والعلاقات تجردت من الروح!
هذا العالم الافتراضي مباح فيه التواصل دون حواجز ولا روادع، فيقرّب بين الرجال والنساء ويسهل الحديث مع الغرباء. يراه الكثيرون متنفسًا للتعبير عن المشاعر، لكنه في الحقيقة ينزع الخصوصية ويزعزع استقرار العلاقات الزوجية ويشعل نيران الغيرة عند كلٍ من الشريكين ويزرع بذرة الشك. وهو فيروس قاتل لا دواء له! فمن “يبحث عن التنفيس العاطفي في وسائل التواصل هو كمن يبحث عن الماء ولا يجد إلا السراب”(1) ، بحسب ما أكد استشاري العلاج الأسري والمراهقة الدكتور حمود القشعان، فالحب والعاطفة يرتكزان على الجانب النفسي والبيولوجي والاجتماعي، وهذه جميعها تنعدم في هذا العالم الافتراضي.
نسينا القريب واهتممنا بالبعيد! نرى الزوجة مثلاً تعبّر عن نفسها لصديقاتها عن مختلف أنشطتها، وزوجها يغفل عن هذا ويتعرّف على ذلك فقط من خلال منشوراتها وتفاعلها الإلكتروني! وهذا يعكس اضطراباً وفجوة في العلاقة، إذ يبدي أحد الطرفين إهتماماً بمن لا يعرف على مواقع التواصل ويهمل شريك حياته عاطفياً (2).
العديد من الدراسات أثبتت أن الحديث مع الغريب في أمور شخصية والكشف عن مكنونات الصدر أسهل بكثير من الإفصاح عنها للمقربين، بحسب ما أكدته الدكتورة في كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت ملك الرشيد، وهذا شيءٌ خطيرٌ جداً! مبيّنة أن “وسائل التواصل الاجتماعي بدأت شيئًا فشيئًا تسحب البساط من تحت التواصل الاجتماعي الإنساني المباشر، وبدأت تستحوذ على نسبة كبيرة من وقت مستخدميها” (3) . إذ أصبح الغريب أو الشخصية الافتراضية تستحق الثقة والاهتمام أكثر من أهل بيت.

حالات طلاق بسبب مواقع التواصل الاجتماعي
من الواضح أن مواقع التواصل الاجتماعي تهدد العلاقات الزوجية، وبحسب دراسة لجهاز التعبئة العامة والإحصاء فإن 40 ألف حالة طلاق من أصل 75 ألف حالة شهدتها مصر عام 2016 كانت بسبب انشغال الزوج عن زوجته بمواقع التواصل الاجتماعي خاصة فيسبوك وتويتر (4).
وجريدة “ديلي ميل” البريطانية أيضًا نشرت دراسة تؤكد تزايد حالات الطلاق حول العالم، مبينة أن مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب الرئيس وراءها، إذ إن حالة من بين كل سبع حالات طلاق كانت بسبب التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن حديثي الزواج هم الأكثر عرضة للخطر (5).
وبحسب استفتاء فرنسي أجراه موقع “طلاق أون لاين”، شاركت فيه 5 آلاف حالة طلاق، بيّن أن شبكة فيسبوك وراء طلب الطلاق لواحد من بين كل ثلاثة فرنسيين (6).
وفي الأردن، أظهرت دراسات رسمية زيادة في حالات الطلاق بنسبة 25% في المجتمع الأردني، والتي ساهمت فيها مواقع التواصل الاجتماعي. وأما المراجع العدلية والقضائية في الكويت فاعتبرت “أن الإنترنت هو أحد أبرز أسباب الطلاق وهو يشكل سبباً أساسيًا لانخفاض التفاعل الأسريّ، والعلاقات الاجتماعية” (7).

وفي الولايات المتحدة أشارت الإحصائيات إلى أن 20% من حالات الطلاق سببها المباشر فيسبوك، ويأتي من بعدها تطبيق واتساب. كما ذكرت صحيفة إنبدبندنت البريطانية أن رسائل واتساب تسببت في 40% من حالات الطلاق في إيطاليا، وفقًا لتقديرات جمعية مُحامي الزواج الإيطاليين (8).

ولكل داء دواء
هذا العالم الافتراضي مليء بالفتن، يفتح بابًا للشيطان لمقارنة حياة الزوجين بحياة الآخرين، ويعلقنا بسلطان الوهم… ما يؤدي إلى سلب العقل، فقد حذّرنا الله عز وجل “وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ” (9)، وأعطانا سبحانه وتعالى الحل بالتحصن بقوله “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.” (10)
إذاً، الزواج يوفّر السكينة والاطمئنان، فالمودة من المرأة والرحمة من الرجل. وذلك يتحقق من خلال تعزيز العلاقة روحيًا وجسديًا، فقد قال سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام “خيركم خيركم لأهله” (11) ، فالإصلاح بيدأ من داخل الأسرة ثم ينطلق إلى جميع الأصعدة، ولا ننسى أن المرأة تلعب دورًا كبيرًا في تحصين زوجها وإسعاده ويكفيها تطبيق الحديث “خَيْرُ النِّسَاءِ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا” (12)، فبذلك تقر عينه، ولا عذر له في أن يمد عينيه إلى غيرها؟

*من صديقات منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.


(1): http://www.alraimedia.com/Home/Details?Id=28ed9e71-22ef-465f-88ba-cc92d13f340b
(2): نفس المصدر
(3): نفس المصدر
(4): https://annabaa.org/arabic/informatics/9427
(5): المرجع ذاته
(6): المرجع ذاته
(7): المرجع ذاته
(8): المرجع ذاته
(9): سورة طه، آية 131
(10): سورة الروم، آية 21
(11): رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة بنت عبد الله
(12): رواه ابن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القران عن عبد الرحمن بن صخر

قرأت لكم

كتاب “موت الغرب”

د‌. ميساء بنات*

47- العدد السابع والأربعون خريف 2018

كتاب “موت الغرب”: أثر شيخوخة السكان وموتهم وغزوات المهاجرين على الغرب” بقلم باتريك جيه بوكانان ولمن ﻻيعرفه هو: سياسي ومفكر أمريكي معروف عمل في منصب مستشار لثلاثة رؤساء أمريكيين، وهو كاتب لعمود صحافي دائم في عدد من الصحف الأمريكية ومؤسس لثلاثة من أشهر برامج التلفزيون في أكبر قناتين أمريكيتين إن بي سي و سي إن إن. من مؤلفات بوكانان:
“الخيانة العظمى”,”يوم الحساب “,” عندما يصير الصواب خطيئة”, حالة طارئة “. والكتابان الأكثر مبيعا” في الولايات المتحدة الأميركية: “محق منذ البداية ” و “جمهورية لا إمبراطورية”. أما الكتاب الذي نحن بصدده فهو “موت الغرب” الذي صدر في العام 2002 في الولايات المتحدة الاميركية. نقله إلى العربية محمد محمود التوبة.

مقدمة الكتاب:
يقدم الكاتب لكتابه بجملة تختصر مضمونه: “اننا نفقد البلد الذي نشأنا فيه.” ثم يسترسل بعرض سلسلة من الأمور التي تصف وضع الولايات المتحدة الأمريكية في عصرها الذهبي: نسبة البطالة منخفضة، معدلات الجريمة متدنية، مدخول الفرد مرتفع، القوة العسكرية غير مسبوقة وغير ذلك من الإنجازات. ولكن رغم هذه الإنجازات الإستثنائية، يرى بوكانان أن الهجرة غير المُسيطر عليها في الغرب تهدد بتفكيك الأمة الغربية وتحولها إلى شعوب ململمة بدون أي قاسم مشترك بينها. وقد انطلق الكاتب من الوضع الأمريكي معمماً نظريته على كافة الدول الأوروبية منطلقاً من الفكرة التالية: “أمريكا هي بوتقة الله، هي بوتقة الانصهار العظيمة، وفيها تذوب كل أجناس أوروبا ويعاد تشكيلها.”
يتطرق بوكانان في مقدمته أيضا إلى ما تعانيه أمريكا من ثورات ثقافية تؤدي إلى خلق شعب جديد يشعر بالغربة عن أرضه. ويشير بالتحديد إلى الثورة التي انفجرت في الستينات في ساحات الجامعات ويخبر قرّاءه أنه سيصف هذه الثورة وماذا تعنيه ومن أين جاءت وكيف تقوض البنيان الغربي وتغيّر معتقداته وتأسر شبابه. ويرى الكاتب أن هذه الثورة لا تطال أمريكا فقط بل أمم الغرب قاطبة وينتج عنها باختصار حضارة جديدة، وثقافة جديدة، وإيمان جديد، ونظام أخلاقي جديد. أما بلدان الغرب التي تحتضر وتشارك في مسيرة الموت العظمى لموت الغرب فهي بحسب بوكانان: بلجيكا، بلغاريا، كرواتيا، جمهورية التشيك، الدنمارك، أستونيا، ألمانيا، هنغاريا، إيطاليا، لاتيفا، ليتوانيا، البرتغال، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، إسبانيا، وروسيا. ويشمل ذلك أيضا جميع ملل الإيمان المسيحي أي: الكاثوليك، البروتيستانت، والأرثوذوكس.

موت الغرب موتان: أخلاقي وديموغرافي بيولوجي
يصنف بوكانان الموت الذي يلوح في أفق الغرب إلى نوعين: موت أخلاقي بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى كل القيم التربوية والأسرية والأخلاقية التقليدية، وموت ديموغرافي وبيولجي وهو ناتج عن النقص السكاني بالموت الطبيعي. يشير الكاتب إلى أعداد أفراد العائلات والسجلات الحكومية التي تؤشر إلى اضمحلال القوى البشرية في الغرب وإصابة ما تبقى منها بشيخوخة لا شفاء منها إلا باستقدام المزيد من المهاجرين الشبان أو بالقيام بثورة حضارية مضادة تعيد القيم الدينية والأخلاقية إلى مكانتها التي كانت من قبل. يصف بو كنان الموت المقبل بالمريع والمخيف لأنه وباء ومرض من صنع الغرب ونتاج أفكاره وليس بسبب خارجي مما يجعل هذا الموت أسوأ بكثير من الوباء الأسود الذي قتل ثلث سكان أوروبا في القرن الرابع عشر!
فالوباء الجديد لا يقتل إلا الشباب مما يحول الغرب عموما وأوروبا بشكل خاص إلى قارة للعجائز. القصة ليست مجرد تخمينات أو توقعات أو احتمالات إنما هي حقيقة واقعة تصدم المتطلع عليها لشدة وضوحها … خاصة عندما تبدأ الأرقام بالحديث، إذ وفقا للإحصاءات الحديثة هبط معدل الخصوبة عند المرأة الأوروبية إلى طفل واحد لكل امرأه، علما أن الحاجة تدعو إلى معدل طفلين كحد ادني لتعويض وفيات السكان الموجودين الآن دون الحديث عن زيادة عددهم. وإذا بقيت معدلات الخصوبة الحالية على ما هو عليه فإن سكان أوروبا البالغ عددهم 728 مليون نسمة بحسب إحصاء عام 2000م سيتقلصون إلى 207 ملايين في نهاية هذا القرن إلى أقل من الثلث.
وفي المقابل ففي الوقت الذي تموت فيه أوروبا لنقص المواليد يشهد العالم الثالت الهند والصين ودول أمريكا اللاتينية (وخاصة المسلمون) انفجارا سكانيا لم يسبق له مثيل بمعدل 80 مليونا كل عام ومع حلول عام 2050م سيبلغ مجمل نموّهم السكاني 4 مليارات إضافية (4 مليارات إضافية من البشر) وهكذا يصبح كابوس الغرب حقيقة وتصبح أوروبا بكل بساطة ملكا لهؤﻻء بعد وقت ليس بالبعيد.
ويقول المؤلف: إن الأرقام تصبح مخيفة أكثر عند تناولها لتشخيص مرض النقص السكاني على مستوى الدول والأمم بعد 50 عاما من الآن ففي ألمانيا سيهبط التعداد السكاني من 82 مليونا إلى 59 مليون نسمة، وسيشكل عدد المسنين ممن تجاوزوا الـ65 عاماً أكثر من ثلث السكان.. أما إيطاليا فستشهد تقلص عدد سكانها البالغ 57 مليونا إلى 41 مليونا، وستصبح نسبة المسنين 40 % من التعداد العام للسكان. وفي إسبانيا ستكون نسبة الهبوط 25 المئة، وستشهد روسيا تناقص قواها البشرية من 147 مليونا إلى 114 مليون نسمة.
ولا تتخلف اليابان كثيرا في اللحاق بمسيرة الموت السكاني فقد هبط معدل المواليد في اليابان إلى النصف مقارنة بعام 1950 وينتظر اليابانيون تناقص أعدادهم من 127 مليون نسمة إلى 104 ملايين عام 2050م.

لماذا توقفت أمم أوروبا وشعوبها عن إنجاب الأطفال؟
يعلق بوكانان على هذه الارقام والإحصاءات بأنها مخيفة ويطرح التساؤل التالي:
لماذا توقفت أمم أوروبا وشعوبها عن إنجاب الأطفال وبدأت تتقبل فكرة اختفائها عن هذه الأرض بمثل هذه اللامبالاة؟
يقول المؤلف: إن الجواب يكمن في النتائج المميتة لهذه الثقافة الجديدة في الغرب والموت الأخلاقي الذي جرّته هذه الثقافة على الغربيين هو الذي صنع موتهم البيولوجي.
فانهيار القيمة الأساسية الأولى في المجتمع وهي الأسرة وانحسار الأعراف الأخلاقية الدينية التي كانت فيما مضى تشكل سداً في وجه منع الحمل والإجهاض والعلاقات الجنسية خارج إطار المؤسسة الزوجية إضافة إلى تبرير لا بل تشجيع العلاقات الشاذة المنحرفة بين أبناء الجنس الواحد كل هذا دمر بشكل تدريجي الخلية المركزية للمجتمع وأساس استمراره ألا وهي الأسرة.
وتبدو لغة الأرقام هنا أكثر هولاً: فقد ارتفع الرقم السنوي لعمليات الإجهاض في الولايات المتحدة من ستة آلاف حالة سنوياً عام 1966 إلى 600 ألف عام 1976 بعد أن سمح بالإجهاض واعتبرت عملية قتل الأجنَة حقا للمرأة يحميه الدستور وبعد عشر سنوات وصل الرقم إلى مليون ونصف حالة إجهاض في العام الواحد. أما نسبة الأطفال غير الشرعيين فهي تبلغ اليوم 25 في المائة من العدد الإجمالي للأطفال الأمريكيين ويعيش ثلث أطفال أمريكا في منازل دون أحد الأبوين، أما بدون الأب وهو الغالب وأما بدون الأم.
ويتطرق الكاتب إلى مؤشر آخر خطير: فقد بلغ عدد حالات الانتحار بين المراهقين الأمريكيين ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 1960 أما عدد مدمني المخدرات، المدمنين وليس المتعاطين، بلغ أكثر من ستة ملايين شخص في الولايات المتحدة وحدها.
وقد تناقصت كثيراً أعداد الشبان والشابات الراغبين في الزواج، طبعا في مجتمع يسمح بالحرية الجنسية الكاملة ويتيح المساكنة بين الرجل والمرأة دون أي رابط شرعي أو قانوني في بيت واحد، وخوف الرجل من قانون الأحوال الشخصية الظالم إذ تأخذ الزوجة نصف ثروته في حالة الطلاق وتضطر المرأة للقبول بالمساكنة بدون زواج بسبب حاجتها إلى رجل يقف معها ويحميها ناهيك عن حاجتها البيولوجية.
أما قضية الشذوذ الجنسي وقانون الزواج بين أبناء الجنس الواحد فحدث ولا حرج فقد بلغت حداً لم يكن ممكنا مجرد تخيله في السابق. وكانت هيلاري كلنتون أول سيدة أولى في البيت الأبيض تمشي في تظاهرة لمثليين لإبداء تعاطفها مع قضيتهم ومطالبهم المشروعة!

خلاصة الكتاب:
وأخيراً يخلص المؤلف للقول إن هذه هي إحصاءات مجتمع منحط وحضارة تحتضر وتموت. وقد يكون زمن الغرب قد حان مثلما يحين زمن كل حضارة. موت الغرب بحسب بوكانان مقدر وليس هناك من معنى لوصف عقاقير جديدة أو لتوصية معالجات مؤلمة لأن المريض في نزع الموت ولا يمكن فعل شيء. ويختم الكاتب أن حضارة مثل هذه لا يمكن أن تكون حرة فلا وجود للحرية دون فضيلة ولا وجود للفضيلة بغياب الإيمان.


*من صديقات منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، أستاذة محاضرة في جامعة رفيق الحريري.

The Death of the West: How Dying Populations and Immigrant Invasions Imperil Our Country and Civilization.By Patrick J. Buchanan.

فوائد الصمت

م. محمد خير أبو خشبة*

47- العدد السابع والأربعون خريف 2018

 

أبحاث عديدة يجريها أطباء ومتخصصون في مختلف انحاء العالم لتحقيق صحة ذهنية للإنسان أفضل، ولمعالجة أنواع من الخلل الذهني، فقد بان الخطر الحقيقي للضجيج وأثره السلبي على الصحة من الناحيتين الصحية والنفسية. وقد أظهرت أبحاث عدة مؤخراً أهمية الصمت والتفكر بسكينة وصفاء، كما تبين أن للصمت فوائد ذهنية ونفسية وحتى طبية نذكر منها ما يلي:
يساعد الصمت الانسان على تكشف قدراته الدفينة، وهو مصدر لاستجماع القوة. فإذا كان يريح الأذنين من الضجيج فإنه يعين الانسان على استعادة صحته النفسية وتحسينها. فبفضل الصمت تنمو في الدماغ خلايا جديدة في منطقة الغدة المسماة “رأس الحصان” (Hippocampe)، وهي الغدة المسؤولة عن انتاج العواطف والمشاعر. وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2013 أن ساعتين من الصمت كفيلتان بانتاج خلايا جديدة في منطقة الغدة المذكورة وهي الموصولة والمسؤولة عن التعلم والتذكر والعواطف والانفعالات.
متى يسود الصمت يتيح للدماغ فرصة الانتقال إلى وضعية “التنظيم وإعادة التنظيم”، بحيث ينشط في جمع المعلومات وفي فرزها. ويقوم الصمت بتفعيل الذاكرة، فينقل المعلومات المستجمعة في الذاكرة القريبة (القصيرة الأمد)، إلى الذاكرة الأعمق أي الطويلة الأمد، كما يحفّز الصمت ردود فعل الانسان فيصبح أكثر انتباهاً ووعياً وتركيزاً.
الصمت علاج طبيعي وفعال لمقاومة التوتر والإجهاد. فقد بيّنت دراسة صدرت عام 2006 أن دقيقتين من الصمت تكفيان لتخفيف التوتر من الجسم ومن الدماغ بشكل أفضل من سماع قطعة من الموسيقى. وذلك عبر انخفاض مستويات الكورتيزول والأدرينالين في الدم. وكل الناس بحاجة إلى مثل ذلك، فالصمت يهدئ الأعصاب ويخفف من ضغط الدم ويقلل بالتالي من خطر الإصابة بالذبحة الصدرية، كما يقوّي جهاز المناعة، ويعزز الافرازات الكيميائية في الدماغ لإنتاج خلايا جديدة.
فوائد إضافية للصمت :
بالصمت يصبح الانسان أهدأ، ويحفز الحدس عنده، يتعمق الانسان بدراسة نفسه ويتفهمها أكثر، فيتعرف على نقاط الضعف ونقاط القوة فيه، يتحسّن عنده الوعي والانتباه، وتتحسن قدراته على الابتكار والإبداع، يساهم في معالجة الصداع والصداع النصفي، يزيل السموم الذهنية كالأوهام والوساوس، ويزيد من القدرة على الصبر والحلم، يخفف من توتر العضلات، يوسع الأفق ويتسع لوجهات نظر أخرى، يخفف الطاقة المهدورة بلا وجه حق، ويساعد على اكتشاف وتحديد الأهداف برؤية أوضح، فيصبح المرء اكثر قدرة على اتخاذ القرارات، كما يعين الصمت على تنمية علاقات أصحّ وأفضل، ويطور الإرادة ويقويها، يساعد على تحقيق الانسجام والتناغم بين الروح والعقل والجسم، يجعل المرء يستمتع باللحظة التي يعيشها، ويبلغ مستوىً أعلى من الاستقرار العاطفي.
عوامل مساعدة للتدريب على الصمت:
أدع صديقاً لك يشاركك في نزهة في الطبيعة مشياً على الأقدام، على أن تتخللها فترة من الصمت دون تبادل أي حديث.
عند الاستيقاظ إبق في سريرك لمدة خمس دقائق قبل النهوض. فكر وتحرك بهدوء واشكر ربك خلالها على نعمة النوم والراحة والعافية والعمل، وتطلع إلى يوم مشرق مليء بالخير.
قم ببعض تمارين التنفس، مما ينشط لك الدورة الدموية ويرسل الدم إلى الدماغ وسائر الجسم.
تعلم التأمل أو الذكر ومارسه بصورة يومية، فإن فوائده كثيرة. بعد صلاة الصبح أغمض عينيك ونظّم تنفسك، واقرأ في سرك بعض الدعاء والآيات، ثم صلِّ على النبي عدة مرات، ثم عليك بلا إله إلا الله جهراً ثم سراً، حتى يمتليء قلبك راحةً وسكينة، ثم اقرأ الفاتحة وانصرف إلى أعمالك. ترى الأمور بشكل أصفى وأوضح وتنتظم عندك الأولويات، وتهدأ فيك الخواطر.

الصمت في الإسلام:
هل ذكر الصمت في القرآن؟ ورد الصمت في القرآن مراراً بصورة مباشرة وغير مباشرة، فمن الآيات الواضحة نذكر:
-[ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي (أمسكي عن الكلام) لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ {43}]،(سورة آل عمران.).
-[ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا {26}]، (سورة مريم).
-[ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّاتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا {10}]، (سورة مريم).
ومن الآيات التي تصف الصمت وأهدافه، نذكر قول الله تعالى:
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعً اوَ خِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]. وقوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] ومعنى التبتل الانقطاع عما سوى الله تعالى.
ومن خصائص الشيطان الضجيج وإلهاء العبد عن الصمت والتفكر بحاله ومصيره، كشفه الله تعالى لنا مخاطباً إبليس: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } [الإسراء: 64].

ومن شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان طويل الصمت . وكان يقول: ” مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ” . ومن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، قال عليه الصلاة والسلام: ” وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ” .
وقد حضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه على الصمت وكفّ اللسان، قال لمعاذ بن جبل: ” ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ , وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ ” .
مرّة جديدة نرى أن الإسلام قد سبق العلوم بقرون وعلم الانسان ما لم يعلم. فالحمد لله رب العالمين.


*عضو منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
The Hidden benefits of silence by Suzanne Kane
https://psychcentral.com/blog/the-hidden-benefits-of-silence- /
http://www.thewisdompost.com/self-improvement/silence/top-21-outstanding-benefits-silence/1605
(ت) 2850 , (م) 286 – (670) , (س) 1358 , (حم) 20829، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه.
(خ) 5672 , (م) 47. عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه.
(خ) 1357 , (م) 1031، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(ت) 2616 , (جة) 3973 , (ن) 11394