الفرق بين «الفعل» و«العمل» و«الصّنع» في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله عزّ وجلّ في سورة الحجر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾ [الحجر: 92-93]، وفي سورة الزلزلة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 6-8].

الأفعال أقرب للعقود، منها أفعال ظاهرة (جسدية)، وأخرى باطنة (قلبيّة وروحيّة)، أمّا الأعمال فهي للعهود أقرب، وتتكون من عدة أفعال، ظاهرة وباطنة، وصلاح العمل متوقف على سلامة الأفعال التي يتكوّن منها؛ فإذا تأسست الأفعال بشكل صحيح، كان العمل تامًّا. أمّا الصّنعة فهي المهنة وهي نتاج عمل محدّد ومتكرر، ويتكوّن من عدة أفعال تَعلَّمه صاحبه ومارسه بإتقان وحرفية وخبرة حتى أصبح صنعةً له.

١- الأفعال أقرب للعقود: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73]، ولتنفيذ فعل الخيرات، وجبت عدة عقود.  فلإطعام المساكين مثلًا، يجب البدء بالفعل الباطنيّ، أي النّيّة (وبرحمة الله تُسجَّل له حسنة، حتى ولو لم ينجِزِ العمل)، ثم يشتري الطعام وهذا فعل بدنيّ، ثم يسير إلى المساكين وهذا فعل آخر، وبمجرد أن يقع الطعام في يدهم يكون العمل قد اكتمل فيؤجر عليه. لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132].

٢-الأعمال قريبة للعهود: فالصلاة هي عهد بين العبد وربه: {إنّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء 103[، وللقيام بهذا العهد، هناك عدة أفعال قبلها، مثل طهارة البدن واللباس، ثم الوضوء، استقبال القبلة، فعقد النية، وهذه كلها أفعال بدنيّة تسبق العمل، ثمّ  تكبيرة الإحرام والوقوف في حضور مع الله وخشية، مع استشعار بين يدي من تقف، والتأدّب مع الله، والتفكّر في ما يقرأ، فكلّما أكثر الأفعال بإحسان، كلما أدّى عملاً، أو عهداً كالصّلاة  بإحسان، قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج23]، والعكس صحيح، فبسبب فساد الأفعال يفسد العمل، قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)﴾ [الماعون5].

 ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:1]، فالعهد هو مجموعةٍ من العقود، كمثل مريدٍ عاهد شيخه على ثلاثة عقود: تلاوة القرآن الكريم يوميًّا، ذكر الله، وحضور مجالس العلم. فإذا أخلف بعقد واحد فقد قصّر، أمّا إذا أخلف بالثلاثة، فقد نقض العهد كاملًا.

وخلاصة ما سبق أنَّ الأفعال إذا تكاملت شكّلت عملًا، كما أنَّ العقود إذا اجتمعت شكّلت عهدًا.

 مثال آخر، عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ: “إنّ الله تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. فقد يقصد الإنسان مثلاً أن يفعل الخير، كأن يرغب في رؤية أخيه لمساعدته ماليًّا، فيتصل به، ويطمئنّ على أحواله، أو يقوم بالدعاء له بظهر الغيب، دون أنّ يتمّ المقصود بمساعدته ماليًّا. هو قد قام بأفعال، ولكن لم تسمَّ عملًا لعدم إتمام الهدف، فإن أعطاه المال، اكتمل عندها العمل وأصبح “عملًا صالحًا “.

ومثل ذلك أيضًا لمن نوى ارتكاب معصية، كأن يشرب خمراً، فباشر بالأفعال الموصلة إليها، كقيادة السيارة قاصدًا متجر بيع الخمور، ثم حال بينه وبين إتمام مقصده هاتف من ربّه عرقل إتمام عمل المعصية، أو تعرضه لحادث سير قبل وصوله، فلم يتحقق الفعل اللاحق، وهو شرب الكحول، والذي كان سيُكتمل به العمل فلا تُكتب عليه السيّئة إلا شرب. فعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة ضعف، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت».

۳-الصنعة هي مهنة أُسست على أفعال: أحاط بها صانعها ظاهرًا وباطنًا، فأنتجت عملًا كاملًا مُتقنًا، وإنّ الله عزّ وجلّ “صانع” لقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة النمل -88]، بالإضافة إلى ذلك فقد أخبرنا الله عز وجلّ في القرآن الكريم عن صنعة الأنبياء فسيّدنا محمّد ﷺ كان بعظيم خُلُقه دائمَ الرأفة والرحمة بالخَلق، حتّى وصفه الله عز وجلّ بالرؤوف والرّحيم {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التّوبة: 128]، وعن سيّدنا داوود قوله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ، فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، وكذلك قوله عزّ وجلّ في سيدنا نوح: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود: 37]. وممّا ورد في قوله تعالى في سورة طه: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 6]. فالسّحرة صنعوا السحر من خلال تكرارهم لأفعاله، وممارسته وإتقانهم له.

ومن أمثلة الصنعة أيضًا: أنّ دعوةَ شخصٍ إلى دين الله تُعدُّ عملًا حسنًا، وأمّا من لازم الدعوة بهمّة وإتقان والتزام، فقد أصبح داعيةً إلى الله.

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا عندما يتكرر الكذب عند أحدهم يصبح ” كذّابًا ” أي صنعته الكذب، {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا، إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت 17]. وقد جاء في الحديث الشريف عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا“.

وبسبب التكرار مع الإتقان صارت بعض الصّناعات تُنسب إلى أصحابها، كصفة تعريف مثل آل النجار الذين كانوا يعملون في النجارة، وآل الصائغ الذين كانوا يصيغون الذهب.

الخلاصة: يتكوّن العمل إذن من مجموعةٍ من الأفعال المتكاملة، تشمل الأفعال البدنية التي يَستعملُ فيها الإنسان حواسّه، فيتكلّم بلسانه، ويحرّك بيديه، بالإضافة إلى ذلك فهناك أفعال للقلوب وللأرواح ، فإذا أتقن الإنسان هذه الأفعال جميعها، وأحسن أداءها ظاهرًا وباطنًا، تكوَّن منها عمل مُتقَن يحقق غايته ويبلغ هدفه؛  فنجاح العمل مرهون بإتقان الأفعال، بدءاً من النّيّة في القلب، ومن صفاء السريرة، إلى حسن التعبير، وصولاً إلى حركة الجسد،  هذه الأفعال تعاونت معًا حتّى أنتجت عملًا كاملًا، وهذا العمل الكامل إذا تكرّر أصبح صنعة يُنعت صاحبه بها.  أمَّا إذا اقتصر أداء الأفعال على الجانب الجسدي وحده، وغابت عنه النية الصالحة، أو الوعي، أو الإخلاص، فإن العمل يفقد كماله، ويصبح مجرد حركاتٍ ظاهرية لا تحقق الغاية المرجوة. فعلينا إصلاح نوايانا بما نعمل، وأن نطهّر سرائرنا ونجعلها خالصة لله تعالى. فطاقة العمل مرتبطة بنيّته، فإن كانت نيّته الثناء انتهت طاقته بالثناء، وإن كانت نيّته المردود الماديّ انتهت طاقة عمله بالمردود المادّيّ، أمّا إن كانت نيّته خالصة لوجه الله فإن أثر العمل يبقى ولا يفنى، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَام} (ٱلرَّحمَٰن: 26-27).

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


(*) إعداد: سعد حذيفة ومايا حمزة حذيفة، بإشراف ومراجعة: الدّكتور جورج ضّاهر.