المهندسة ياسمينة أبو عدلا (*)
حين يسمع معظمنا اسم “دراكولا”، تتبادر إلى الأذهان فوراً صورة مألوفة: عباءة سوداء تمتد كجناحي خفاش، أنياب بيضاء لامعة، وعيون محمرة تتوهج في الظلام. شخصية خارقة للطبيعة لا تموت، تسكن القلاع الموحشة في شرق أوروبا، وتعيش على دماء البشر. هكذا رسمته هوليوود على مدى عقود متتالية، وهكذا ترسّخت هذه الصورة الأسطورية في الوجدان الشعبي الغربي حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من ثقافته البصرية والأدبية.
لكن ماذا لو قلنا لك إن وراء هذه الأسطورة المضخّمة رجلاً حقيقياً من لحم ودم عاش في القرن الخامس عشر الميلادي؟ رجلاً كان متوحشاً إلى درجة لا يحتاج معها إلى أية إضافات خيالية. وأن نهايته، بكل دلالاتها التاريخية والرمزية، جاءت على يد المسلمين؟
هذا بالضبط ما كشفه كتاب “التاريخ الخفي: 30 قصة غير مروية عن الإسلام في الغرب”، للكاتب الهولندي يورام فان كلافيرن — رحلة استثنائية في أعماق التاريخ المنسي.
من هو يورام فان كلافيرن؟ قصة تستحق الرواية
لا يمكن قراءة هذا الكتاب دون فهم شخصية مؤلفه أولاً، إذ تُمثّل قصته في حد ذاتها واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إثارةً في عصرنا الحديث.
يورام فان كلافيرن لم يكن مجرد ناقد للإسلام — كان من أشد معادِيه علناً وأكثرهم تأثيراً في هولندا. فبصفته نائباً في البرلمان الهولندي عن حزب الحرية اليميني المتطرف، الذي أسسه السياسي المثير للجدل خيرت فيلدرز، تقدّم فان كلافيرن باقتراحات رسمية لإغلاق المساجد، وحظر القرآن الكريم، وإزالة كل مظهر إسلامي من المجتمع الهولندي. كان صوتاً لا يُستهان به في معسكر الذين يرون الإسلام تهديداً وجودياً للهوية الأوروبية.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد، حتى هو نفسه:
في منعطف حياتي عميق، بدأ فان كلافيرن رحلة بحث صادق عن الحقيقة. قرأ، وتمحّص، وتساءل، وتأمّل، وفي نهاية رحلة طويلة ومضنية، أعلن اعتناقه الإسلام. وثّق هذه الرحلة المذهلة في كتابه الأول المُعنوَن بـ”المرتد”، الذي يُعدّ من أكثر الشهادات الشخصية أهمية في الأدب الديني المعاصر، إذ يأخذنا معه خطوة بخطوة في مسيرة التحول من العداء الكامل إلى الإيمان العميق.
منذ ذلك الحين، تحوّل فان كلافيرن إلى صوت مختلف تماماً: باحث يسعى إلى إنصاف التاريخ، ومفكر يعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة، وجسر حوار بين ثقافات يريد لها البعض أن تبقى في حالة تصادم دائم. كتابه الجديد “التاريخ الخفي” هو ثمرة هذا التحوّل: 30 قصة مستقاة من صفحات التاريخ الحقيقي، تكشف عن تشابك عميق وقديم بين الإسلام والحضارة الغربية.
فلاد الثالث: ما قبل الأسطورة
الميلاد والطفولة في ظل القوى المتصارعة
في عام 1430 للميلاد، وفي إمارة ولاشيا — دولة سابقة تقع في جنوب رومانيا الحالية — وُلد غلام اسمه فلاد الثالث، ابن الملك فلاد الثاني. لم تكن ولاشيا في تلك الحقبة دولة مستقرة آمنة، بل كانت واقعة في قلب منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى: المملكة الهنغارية في الغرب، والدولة العثمانية المتمددة من الجنوب والشرق، فضلاً عن مشيخات وإمارات إقليمية صغيرة.
في هذا المناخ المضطرب، كان الحكّام الصغار مضطرين إلى إبرام تحالفات براغماتية والوفاء بالتزامات مُكلِفة للبقاء في السلطة. وهكذا، حين بلغ فلاد الثانية عشرة من عمره، وجد نفسه مع أخيه الأصغر رادو ضيفَين — أو بالأحرى رهينتَين — في بلاط السلطان العثماني.
كان ذلك جزءاً من اتفاقية أبرمها والدهما مع الدولة العثمانية: في مقابل الدعم العسكري والاعتراف بحكمه، يُقيم ولدا الملك في البلاط العثماني كضمان لالتزامه بدفع الجزية في وقتها والحفاظ على ولائه السياسي كانت ممارسة دبلوماسية شائعة في تلك الحقبة، لكنها بلا شك كانت تجربة قاسية لطفلَين انتُزعا من بيئتهما المألوفة وألقيا في محيط غريب.
مساران متعاكسان: رادو وفلاد
نشأ الأخوان معاً في البيئة ذاتها، لكن كل واحد منهما استخلص منها درساً مختلفاً جذرياً، رادو، الأخ الأصغر، تأقلم مع محيطه الجديد بانفتاح لافت. لم يرَ في الإقامة العثمانية سجناً بل فرصة. أتقن اللغة، وفهم الثقافة، وبنى علاقات إنسانية حقيقية. وكانت أبرز هذه العلاقات صداقته مع محمد، ابن السلطان، الذي سيصبح لاحقاً السلطان محمد الثاني أو “الفاتح”، فاتح القسطنطينية عام 1453م، وفي نهاية المطاف، اعتنق رادو الإسلام، وعن قناعة، ليصبح واحداً من القادة العسكريين المقرّبين من محمد الثاني.
أما فلاد، فقد حمل من تلك التجربة شيئاً مختلفاً تماماً: مرارة وغضباً وإحساساً عميقاً بالإهانة. عاد إلى ولاشيا، حاملاً معه حقداً راسخاً، وإصراراً على أن يُثبت لنفسه وللآخرين أنه لن يخضع لأحد.
دراكولا: التنين الذي أكل أرضه
الصعود إلى السلطة والانتماء لوسام التنين
بعد وفاة والده، تمكّن فلاد من الوصول إلى عرش ولاشيا في خضم صراعات وانقلابات متعاقبة. ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أنه سيختار الوقوف في وجه العثمانيين، لا إلى جانبهم.
انضم فلاد إلى تنظيم يُعرف بـ”وسام التنين”، وهو تنظيم عسكري ديني مسيحي أسسه الإمبراطور الروماني المقدس سيغيسموند سنة 1408، بهدف إعلاني صريح: الدفاع عن المسيحية ومحاربة التمدد الإسلامي العثماني. وقد أكسبه هذا الانتماء لقبه الأشهر: “دراكولا” — أي التنين أو ابن التنين.
كان الاسم حاملاً لرمزية دينية وعسكرية واضحة: هو التنين الحارس، المدافع عن الإيمان المسيحي في مواجهة ما وصفه هو وأمثاله بالغزو الإسلامي.
أساليب الرعب: حين تصبح القسوة سياسة
تاريخ فلاد دراكولا مليء بأعمال وحشية موثّقة يصعب على العقل السليم استيعابها. ولا يحتاج المرء إلى أي خيال لاستحضار الرعب — فالوقائع التاريخية وحدها كافية،كان أسلوبه المفضّل في الإعدام هو الخازوق غرس الضحايا أحياء على أوتاد خشبية حادة طويلة، بطريقة تجعل الموت بطيئاً مؤلماً. لم يكن ذلك مجرد إعدام، كان رسالة. كان يصفّ الضحايا على الأوتاد في أنماط هندسية منظّمة خارج أسوار مدينته، حتى تكون أول ما يراه أي قادم من بعيد. “غابة الخوازيق” كانت بطاقة تعريفه للأعداء والمتمردين والزوار على حد سواء.
وكانت سياسته النفسية تمتد إلى أبعد من ذلك. تروي المصادر التاريخية أنه تناول طعامه وسط ساحة مليئة بجثث جنوده الذين قتلهم للتو، كاشفاً بذلك استمتاعه الصريح بالمشهد. وكان يغمس خبزه في دماء ضحاياه إشارة رمزية قاطعة إلى أنه لا يشعر بأدنى رهبة أو ضمير.
بل كان يتباهى بجرائمه في مراسلاته الرسمية. في رسالة تعود إلى عام 1462، كتب وهو في خضم حربه مع العثمانيين يُحصي بفخر صريح أعداد من أبادهم.
وما يلفت الانتباه في كل هذا أنه لا شيء خارق للطبيعة هنا. فلاد دراكولا لم يكن مصاصاً للدماء،ولم تكن له قدرات شيطانية. كان إنساناً عادياً في طبيعته البيولوجية، لكنه اختار أن يجعل الوحشية أداةً للحكم، والرعب سياسةً للبقاء في السلطة.
الحادثة المفصلية: نعال المسامير في الجماجم
في عام 1459م، وبعد أن تربّع محمد الثاني على عرش السلطنة وباتت الدولة العثمانية في أوج قوتها، إثر فتح القسطنطينية قبل ست سنوات، أرسل السلطان وفداً دبلوماسياً إلى فلاد دراكولا لمطالبته بدفع الجزية السنوية المتأخرة.
كان السلطان محمد يعرف فلاد شخصياً — فكلاهما نشأ في جزء من طفولته في البلاط العثماني. لعلّ السلطان أرسل هذا الوفد معتقداً أن ثمة إمكانية للتفاوض أو التسوية. لم يكن يعلم بما ينتظر مبعوثيه.
حين وصل الدبلوماسيون العثمانيون، استقبلهم فلاد وأخبرهم بوضوح أنه لن يدفع الجزية. ثم طالبهم بشيء استفزازي: خلع عمائمهم احتراماً له — في إشارة رمزية واضحة إلى انتصار دينه على دينهم، وسيادته عليهم.
رفض الدبلوماسيون، لعلّهم أدركوا ما يعني هذا، ولعلّهم لم يُدركوا. لكن الرفض جاء، وكان قاطعاً فأصدردراكولا أمره لجنوده: ثبِّتوا العمائم بالمسامير في جماجمهم — حتى لا يضطروا إلى خلعها أبداً مات الدبلوماسيون في عذاب. وبلغ الخبر السلطانَ في عاصمته.
كانت هذه الجريمة أكثر من مجرد فعل وحشي — كانت إعلان حرب، ورفض مطلق لأي تسوية دبلوماسية، وستكون لها تبعاتها.
الأخوان في ساحة المعركة: فلاد ورادو وجهاً لوجه
ما يمنح هذه القصة عمقها الإنساني الحقيقي هو البُعد الأسري فيها. فالقوة التي سيواجه فلاد دراكولا مصيره في مواجهتها لم تكن قوة أجنبية مجهولة — كان في قلبها أخوه، رادو.، رادو الذي نشأ معه في بلاط السلطان، رادو الذي اختار طريقاً مختلفاً، رادو الذي أصبح مسلماً وقائداً عسكرياً موثوقاً لدى السلطان محمد الثاني، ها هو الآن يقود — أو يشارك في قيادة — الجيش الذي سيُلاحق أخاه.
بعد سنوات من الحروب والكرّ والفرّ والاختباء، وصلت قوات السلطان محمد الثاني أخيراً إلى فلاد دراكولا في عام 1476. كان فلاد قد فرّ وعاد وحارب وخسر وانتصر مرات عديدة على مدى عقود. لكن في نهاية المطاف، نفدت الخيارات.
قُبض عليه، وعوقب على جرائمه التي لا تُحصى. وكان الحكم الأخير: قطع الرأس. نهاية باردة وسريعة، رحيمة بكل المقاييس قياساً بما فعله هو بأعدائه وضحاياه.
وبذلك، انتهى عهد الرجل الذي أرعب منطقة بأسرها لعقود. لم يَمُت بطريقة مسرحية خارقة كما تصوّره هوليوود مات بيد مقاتلين بشريين عاديين كانوا يؤدّون واجبهم.
التاريخ في مواجهة الأسطورة: ما قالته هوليوود وما أخفته
على مدى أكثر من قرن من الزمان، قدّمت السينما الغربية دراكولا كائناً خارقاً للطبيعة: مخلوق خالد يتغذّى على الدماء، يُرعبه الصليب والثوم وضوء الشمس، ويحكم من قلعة موحشة في قلب ترانسيلفانيا المظلمة.. هذه الصورة مستوحاة من رواية برام ستوكر الشهيرة التي صدرت عام 1897، والتي استعار فيها الكاتب بعض ملامح فلاد الثالث — لا كلّها، — ونسج حولها خيالاً أدبياً محكماً. الرواية عمل إبداعي رائع في حد ذاته لكن المشكلة حين تتحوّل الأسطورة إلى “تاريخ” في الأذهان الشعبية.
حين يُقدَّم فلاد دراكولا على أنه كيان شيطاني خارق، يضيع في الضبابية الأسطورية ما هو أكثر إزعاجاً وأعمق دلالة: أن هذا الرجل كان إنساناً حقيقياً، وأن وحشيته كانت اختياراً إنسانياً واعياً، وأن له سياقاً سياسياً ودينياً محدداً.
وضمن هذا السياق، يغيب تماماً الدور الجوهري الذي أدّاه المسلمون في وضع حد لطغيانه.
السؤال الذي يطرحه فان كلافيرن
يطرح يورام فان كلافيرن في كتابه سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: متى شاهدنا فيلماً هوليوودياً يقول صراحةً إن المسلمين هم من أنهوا طغيان أحد أشد حكام أوروبا وحشيةً في التاريخ؟
الجواب واضح: أبداً.
وليس هذا مجرد إغفال عرَضي إنه انعكاس لنمط أشمل في كيفية تشكيل السرديات الثقافية الغربية لصورة الإسلام والمسلمين في التاريخ: دائماً على الهامش، دائماً في الخلفية، دائماً غائبون حين يتعلق الأمر بأدوار البطولة أو الإنقاذ أو الدفاع عن القيم الإنسانية.
التاريخ أعقد مما نروي
من الأمانة الفكرية الإشارة إلى أن الصورة التاريخية الكاملة لا تنقسم انقساماً حاداً إلى “مسلمون أبطال” و”مسيحيون أشرار”. التاريخ دائماً أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي قراءة ثنائية مبسّطة.
فلاد دراكولا لم يواجه العثمانيين وحدهم — كان له أعداء مسيحيون أيضاً، وعانى من تدخلات سياسية من حكّام مجاورين كماتياس كورفينوس ملك هنغاريا الذي سجنه لفترة. والتحالفات في تلك الحقبة كانت تتغيّر بحسب المصالح لا بحسب الانتماء الديني فقط.
كذلك فإن الدولة العثمانية نفسها لم تكن قوة نقية خالية من التعقيدات — فهي دولة ذات مصالح إمبراطورية توسّعية كغيرها من الدول الكبرى عبر التاريخ.
لكن هذا التعقيد لا ينفي حقيقة جوهرية: أن القوة التي تمكّنت في نهاية المطاف من إسقاط فلاد دراكولا وإنهاء طغيانه كانت قوة مسلمة. وأن هذه الحقيقة لم تجد طريقها إلى السرديات الثقافية السائدة.
ما الذي يقوله هذا لنا اليوم؟
في زمن تتصاعد فيه موجات الإسلاموفوبيا في الغرب، وتنتشر خطابات التنافر الحضاري بين “العالم الإسلامي” و”الغرب” كأنهما كتلتان منفصلتان لا نقطة تقاطع بينهما، يأتي كتاب فان كلافيرن ليُذكّرنا بشيء بديهي طالما أغفلناه: أن هذين العالمين لم يكونا يوماً منفصلَين.
التاريخ المشترك بين الإسلام والغرب أعمق وأقدم وأكثر تشابكاً مما تريد له بعض الروايات الراهنة أن يكون. المسلمون لم يكونوا دائماً “الآخر” أو “الغريب” — كانوا أحياناً الجيران، وأحياناً الحلفاء، وأحياناً أولئك الذين وضعوا حداً لأشد أعمال الوحشية في التاريخ الأوروبي.
قصة دراكولا ليست مجرد قصة تاريخية مثيرة — إنها نافذة على هذا التشابك الذي طالما غُيِّب أو شُوِّه. وهي دعوة لقراءة التاريخ بعيون مختلفة: لا بعيون الأسطورة، ولا بعيون الأيديولوجيا، بل بعيون الباحث الذي يريد أن يعرف ما حدث فعلاً.
خلاصة
فلاد دراكولا الحقيقي لم يكن كائناً من عالم الظلام والخيال. كان حاكماً بشرياً استخدم الوحشية أداةً سياسية، وأشاع الرعب منهجاً للحكم، حتى جاء من أنهى طغيانه: المسلمون.
وفي مفارقة لافتة، كان في صفوف الجيش الذي أسقطه، أخوه الذي اعتنق الإسلام — رادو الذي سلك طريقاً مختلفاً تماماً من نفس نقطة البداية.
التاريخ حين يُختزل في أسطورة، يضيع معه الكثير من الحقيقة. وحين تُعاد القراءة بصدق وأمانة، تنكشف صفحات طالما بقيت في الظل — لا لأنها غير موجودة، بل لأن بعض الروايات لا تريد لها أن تُرى.
كتاب “التاريخ الخفي” هو خطوة في مسار إعادة تلك الصفحات إلى مكانها الصحيح.
(*) من أصدقاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان.