كيف يؤثر الإنترنت على إدراكنا وبُنية دماغنا؟

د.ميساء بنات*

 العدد 54 شتاء 2021

مما لا شكّ فيه أن كل جيلٍ يعيش عصره، وما يُفرزه من تطورات وإنجازات تلبي احتياجاته وميوله، ويتميّز العصر الذي نعيشه بانفتاح شديد، إذ يَحتضن كل جديد؛ بل ويُحسِن الترويج والتسويق لكل مُنتج، خاصة إذا ارتبط بتحقيق مداخيل مربحة، حينئذٍ تُستعمل كل وسائل الإغراء وآلياته للوصول إلى شرائح من الزبائن أوسع. إنه زمن العَولمة وتعميم المنتوجات، وما يصاحب ذلك من أهداف وغايات، خلاصتها تتجلى في تكريس واقع هَيمنة المتغلّب، والإبقاء على حالة التبعيّة والتقليد عند المَغلوب.
ولعل ظاهرة الإقبال على الإنترنت بمختلف وسائطه وشرائحه تُعد مظهراً من مظاهر الانفتاح غير المُنضبط والمتحَكَّم فيه، ذلك أن الإحصائيات التي اعتمدتها عِدّة دراسات تؤكد ارتفاعاً كبيراً لزوار الشبكة العنكبوتية؛ بَل إن الدراسات أيضا تؤكد تَزايد نِسب الإدمان على الإنترنت، وخاصة لدى فئة الشباب.
ولئن كان الشبابُ هم جيلُ المستقبل، والطّاقات التي يَنبغي أن تَحظى بالرعاية والتَّرشيد، فإن واقعنا يؤكد هذا الهروب وبأعداد مرتفعة لشبابنا نحو هذه الوسائل التكنولوجية، ولو بدون تحصين أو توجيه، وهو ما يقتضي منا رصداً وتحليلاً لظاهرة الإقبال المتزايد للاستعمال السلبي للانترنت، واقتراح بعض السُبل والنصائح للترشيد والتوجيه.

الانترنت يغير بنية الدماغ
لا شكَّ أن حياتنا تغَّيرت إلى الأبَد بسب قضاء مُعظم أوقاتنا في تَصفح الإنترنت والوصول إلى كميات لا حصر لها من المعلومات في لمسةِ زرٍ واحدة. ولكن أدمغتنا لم تسلم من الآثار المترتبة على ذلك، حيثُ تبيّن أن تَصفح مواقع الانترنت يُقللُ من قُدرَتنا على التّركيز، لأننا لَم نعد نُخزِّن المعلومات في دِماغنا. حتى أن التفاعُلات البسيطة مع الانترنت مِن خِلال واجهة الهاتف الذَّكي التي تَعمل بِاللمس قد تحدث تغييرات عصبية مستمرة بسبب التغيرات العصبية في المناطق القشرية المرتبطة باليد والإبهام. كما يُمكن أن تَتَسبّب العوامل البيئية والبيولوجية الأخرى أيضاً في إحداث تَغيّرات في بُنية الدِّماغ ووظائفه، مما يؤدي إلى التَّدهور المَعرفي.
خَلصت دراسة جديدة أجراها باحثون من بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا، تبحث في تأثير عالم الانترنت على وظائف الدّماغ، إلى عدد من الاستنتاجات المُذهلة، وركّزت على تأثير الشّبكة العنكبوتية العالمية في ثلاث مجالات: التّركيز والذّاكرة والإدراك الاجتماعي. نُشرت نتائج هذه الدراسة في النسخة الإنجليزية لمجلة “الطب النفسي العالمي”، وفق موقع “هايل براكسيس نت” الألماني.

يقول البروفيسور جيروم ساريس، معد الورقة البحثية لهذه الدراسة: “إن العالَم الإلكتروني قد تكون لَه عواقبُ بعيدة المدى. أَعتقد أن لديه القُدرة على تغيير كل من هَيكل الدّماغ وأدائه ، مع إمكانية تغيير نَسيجنا الاجتماعي أيضاً”.
ووجدت الدراسة أنّ الأفراد الذين يَقومون بِمهام متعدّدة عبر الانترنت بانتظام، من خلال تَصَفّح مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة مثل “فايسبوك” و”تويتر” وغيرها، يكافِحون للتّركيز على مهمة واحدة.
وتناولت الدراسة جانباً آخراً وهو الذاكرة، ومدى اعتمادنا على الانترنت للحصول على المعلومات. وفي الواقع، وَجدت إحدى الدراسات أن الناس تَهتمّ بِمعرفة أين يُمكن العُثور على تفاصيل معيَّنة عبر الإنترنت، وليس بالمحتوى نفسه.
وعلى الرّغم مِن ذلك تُشيرالدّراسة إلى زِيادة اعتماد الناس على الانترنت. وحولَ ذلك يقولُ الباحثون إن استخدام الانترنت يُقلّل من قوّة الدماغ التي يمكن استخدامها في “مشاريع أكثر طموحاً”.
وقد حلّلّت الدراسة الفروقات بين التفاعل الاجتماعي عبر الانترنت وبين الواقع الحقيقي المُعاش. وتبيّن أنهُ على الرّغم من أنّ شبكات التّواصل الاجتماعي َتفرض تفاعلاً أكبر بين المُستخدمين، إلا أنّ مجموعاتِ الصداقة ظَلت بالحجمِ نفسه تقريباً.
وإن كان الانترنت يؤثّر سلباً على الشّباب في كثيرٍ من الأحيان، إلا أنّه يمكن لكِبار السّنّ الاستفادة من الشبكة العنكبوتية لتعزيزِ التفاعل الاجتماعي.
وأَظهرت نتائجُ الدّراسة أيضاً أن الاستخدام المكثّف للانترنت يؤثِّر فعلياً على العديدِ مِن وظائف الدّماغ. على سبيلِ المِثال، يؤدي التّدفق الكبير للدعوات والإشعارات الصّادرة إلى جعل اهتِماماتنا مشتّتَة باستمرار، ويُضعف قُدرتنا في التّركيز على أمرٍ واحد، ما أوضَحَه الدكتور جوزيف فيرث من جَامعة ويسترن سيدني في بيان صحفي. وقد أظهرت بعض الدّراسات أن اعتماد نَمط حياة أقل جاذبية عَبرَ العُمر قد يُسرِّع فُقدان الوظيفة المعرفية، بِسبب انخفاض “الاحتياطي المعرفي” . وتشير بعض الأدلّة الناشئة إلى أنَّ فَكَّ الارتباط مع “العالم الحقيقي” لصالح البيئات الافتراضَّية قد يُؤدي بِالمثل إلى إحداث تَغَييرات عصبية سلبية. على سبيل المثال، وَجدت تجربة حَديثة أن ستَّة أسابيع مِن الانخراطِ في لُعبة “لعب الأدوار” على الانترنت تسبّبت في انخفاضات كبيرة في المادة الرمادية داخل القشرة المدارية – وهي منطقة الدماغ المسؤولة عن التّحكم في الاندِفاع واتخاذ القَرار. ومع ذلك، لم تَتناول الدراسة مَدى خُصوصية هذه النتائج في الألعاب عبر الانترنت، بدلاً من الاستخدام العام له.
وَقَد يكون هذا الأمر ذا أهمية خاصة بالنسبة لأدمغةِ الأطفالِ والمراهقين النَّامية، حيثُ أن العديد من العمليات المعرفية (لا سيما تلك المتعلقة بالوظائف التنفيذية العُليا والإدراك الاجتماعي) ليست فِطرية تماماً، بَل تتأثر بشدّة بالعوامل البيئية.

احمِ طفلك!
لا يقتصر ضَرر الانترنت على البالغين فقط، بل يَشمل الأطفال أيضاً. إذ حذَّر المُشرفون على هذه الدراسة من إهمال الأطفال للأنشطة الضَّرورية لنموِّهم، مثل العلاقات الاجتماعية والحَرَكة، وانشغالهم مُعظم الوقتِ بالأجهزة الذكية. واليوم، هناك مجموعة مِن التطبيقات والبَرامج المتاحةِ، يُمكن للآباء استخدامها وتُساعدهم على التَّحكم في الوقت الذي يَقضيه أطفالهم على شبكة الانترنت أو هواتفهم الذّكية.
علاوةً على ذلك، يَنصح الخُبراء الآباء بالتَّحدث بِاستمرار معَ أطفالهم حَول تأثيرِ العالم الافتراضي عليهم لتفادي الأضرار التي قد تَحدث لهم لاحقاً، مِثل الإدمان أو التنمُّر الالكتروني.
وللتقليلِ من الأضرارِ النَّاجمة عن الاستخدام المكثّف للانترنت يَنصح الخُبراء بِضرورة تنمية الوَعي الذّاتي وتَقليل الأنشطة على الانترنت خَاصة في المَساء.
وعموماً، فإن اقتِحام الانترنت لمجتمعنا يفترض البدء بأبحاث دقيقة وشَاملة عن كيفيّة استخدامه، من أجل تَحسين فُرصنا لتسخير هذه الأداة بِطريقة مفيدة، مَع تَقليل الآثار السَّلبية المُحتملة.

مَسَاوِئ الاستعمال السَّيء للانترنت
ما نُعالجه في هذا التَّحليل هو الاستعمال غير الآمن للانترنت، الذي بات وبالاً على صاحبه، ومُدمّراً لقيمنا وعلاقاتنا المُجتمعية، لذلك هناك عِدَّة سَلبيات تَظهر في عدة صور، منها:
– إِضاعَة الوَقت وهَدره بِلا رَقيب أو حَسيب: حيثُ يقضي الشباب سَاعات طِوال في الشبكة العنكبوتية بِلا ضرورة ولا هدفٍ مُفيد.
– الانعزال والهُروب مِن الواقع: إذ تَجد الشَّخص يَعيش قَضايا واهتمامات قَد لا تَكون أَقرب إلى واقعه المُعاش، وفي أحيان كثيرة تُسبب له هَمّاً وضيقاً شديداً، بالإضافة إلى ما يَنتج عن ذلك من عزلة وتَقوقُع على الذّات، خاصةً عند نَسجِ علاقات افتراضية عَلى مَواقع التواصل الاجتماعي، حَيث التَّعارف والدَّردشة بلا ضَوابط، ويَترتَّب على ذلك تَوتر وقَلق مُستمر قد يَصل إلى إدمان خَطير يَحتاج بِلا شكَّ إلى علِاج.
– ضَعف التَّركيز والفَشل الدِّراسي: فمِن المُؤشرات السَّلبية أيضاً فُقدان التّركيز الجيِّد ـ خاصة لدى الطلاب ـ من حَيث العَطاء والتَّعلم الإيجابي، كما يَحصل تَراجع كبير في تَحصيل المَعارف والمُكتسبات الجَديدة، يؤدِّي إلى صُعوبات في الفَهم، وضعف ذَاكرة الحِفظ والحَافِزِية للإقبال على مَزيد من الأنشطة التي تَتَطلب فَهماً وتَركيزاً، ونَتيجة ذلك تَكون النَّتائج الدِّراسية هَزيلة تعَكس مدى التأثير السَّلبي لاستِعمال الانترنت.
– تَزَايد الإنفاق المَالي: كان الشاب يَفرح ويَبتهج إذا وَّفرت له أسرته وسائل التّعليم، وكل ما يدخل على قَلبه سَعادةً وسُروراً، لكن الآن لَم يَعد يَتفاعل مَعَه ويَتقبله إلا قليلاً، سواء كان طِفلاً أو بالغاً، أصبَحَ من المُستلزمات الأساسية عِنده توفير استعمال الإنترنت؛ بَل أصَبَح عِند أغلبِ الأُسر عِبئا ثقيلاً مِن حيث تزايد الإنفاق عَليه، إلى دَرجة اعتبارِهِ مِن الضروريات الأساسية التي لا يمكن التَّفريط فيها، إذ قد يَتسامح ويَتجاوز عن أمور تتعلق بالمدرسة أو المَلبس أو المَأكل.. لِصالح تَأمين الإبْحار في الشَّبكة العَنكبوتية بِلا مُنغصات الانقطاع.
– التَّفريط في الوظائف الاجتماعية والأُسرية وغَيرها: من المؤشّرات السّلبية للاستعمال غيرِ الرّشيد للانترنت، هوَ أن تجد الشاب لا ينشئ علاقات اجتماعية واقِعية، مُكتفياً بالعلاقات الافتراضية، مما ينتج لديه خجلاً وضَعفاً في الشّخصية، وضَعف الصّلة بين الأقارب وتَعارفهما ما يُضعف رابطة الدم بينهم؛ بل الصّورة الأبشع أنْ تَجد أفراد الأسْرة الواحدة داخل البيت الواحِد، كلّ واحد منهم له عالمهُ الخاص منعزلاً عن أقربِ النّاس إليهِ، لا يَتبادلون الاهتمامات أو الهُموم، ولا يَفتُحون جُسور التّواصل الحَقيقي المُفضي إلى تَفريغ كل الطّاقات والشّحنات، ما يؤدي إلى اختلال العلَاقات الأسرية بل قد يُدَمِّرها سَواء كانت داخلية أو خارجية.
ترشيد استعمال الانترنت
لا شكّ بأنّ الاستعمال السّلبي للانترنت يُشكل عُنصراً مدمِّراً لحياة الإنسان وقِيَمِه؛ بل يُسهم في تَهديد تَماسك المُجتمعات وتَفاعلاتها الإيجابية، لذلك كان الأَولى مَعرفة السَّلبيات النَّاتجة عن الاستعمال غَير المُفيد كَي نَتَمكن من استخدامه في ما هو نافع، ومِن الأمور التي تُعيننا على تَرشيد استعمال الانترنت، نذكر ما يلي:
• وَضع أهدافٍ للغَوصِ في الشّبكة العنكبوتية: وذلك أنّ هذه الوَسيلة إنَّما كانَ سَبَبُ وُجودها لتحقيق أهداف ومقاصدَ شتَّى، فكان الأجدَر بمستعملها أن يَسأل نَفسه ما الذي يُريده مِنها، ومِن هنا يُمكن أن يكون للغَوص في الانترنت جَدوى ومعنى، بأن يكون إما تثقيفاً أو بَحثاً عن معلومات ومعارف، أو اطلاعاً على كلٍ جديد مفيدٍ وما إلى ذلك، أما الوُلوج إلى الشّبكة بِلا غاية يُعد مُجرَّد هَدْر لا قِيمة إيجابية تتحقق لصاحبه.
• ضبط وقت الاستعمال: إن أوقاتنا مَحسوبة ومعدودة، وكلّ وقتٍ يُمضيه صاحبه فهو محسوبٌ له ولا يُمكن أن يُعوضه، والمُقبل على استعمال الانترنت قلّما يَنتبه إلى قيمة الوَقت، فتجده يَجلس لساعات طوال أمام الحاسوب بِلا فائدة تُذكر، مِن مَوقع إلى آخر، ومن هنا إلى هناك؛ فإذا حاسب نَفسه وَجَدَ أنّ جَزءاً غير يسيرٍ من عُمره يُمضيه في هذا الاستعمال السَّيء للانترنت، لذلك كانَ ضَبطُ الوَقت ومَعرفة قيمته أمراً مهماً لإبحارٍ آمنٍ ورشيد في الشبكة العنكبوتية.
• عَدَمُ الاعتماد على الانترنت كَمَصدرٍ وحيد للمعارف والمعلومات: رغم القيمة المُضافة للشّبكة العنكبوتية، من ناحيةِ تيسير سُهولة الوصول إلى المعارف، لكن لا يُمكن أبداً أن تُعتمد كمصدرٍ وحيدٍ لها، هذا بالإضافة إلى ضرورةِ فَرْزِ المواقع التي تَتَّسم بالمصداقية والثّقة من غَيرها، ثم يأتي دَوْرُ المُقارنة والبَحث والتَّنقيب في مَصادر المَعرفة الأخرى، كالكُتب والمجلاّت والدِّراسات المَيدانية ممّا لا يَتَوَفَّر على الانترنت، خاصّةً عند إعداد البُحوث أو الدّراسات التي تَحتاج ترتكز وتستند إلى الجديد والجهد الشخصي.
• الابتعاد عن المواقع المشبوهة وغير الآمنة: بعضُ المواقع تَستعمل الّتضليل والخِداع لِكَسب زُوار كثر، فتجدِها تُغري زوّارها بالعناوين والمَنشورات المزيّفة، وبَعضها يُشكل خَطراً، إمّا من ناحيةِ المَضمون المَعرفي الذي يَتعارض مع قِيَمِ وعقيدة المسلمين، أو حتى من ناحية نَوع الخِطاب المُبتذل، الذي يُؤثّر سَلباً على طريقة التّواصل والتّخاطب، مِن هنا فإن الزَّائر الحَصِيف لا يترك نفسه عُرضة لكل المَنتوجات لِتتحكم فيه وتُغريه للإقبالِ عليها بِلا حَصانة ومناعة؛ بل يكون هو سيِّد نَفسه، يَختار ما يَشاء بإرادته ومَعرفته بَقيمة المُنتج المَعروض عليه في الشّبكة العنكبوتية.
وحاصلُ القول أن اكتشاف الشبكة العنكبوتية واستعمالاتها في المَجالات المُتعدّدة يُعتبر فَتحاً عَظيماً لا مَثيل له، والحقّ أنه لا يُمكن إنكار فَوائد الانترنت، إذ أنّها أتاحت لَنا كماً كبيراً من المعلومات، ويسَّرت لنا سُبل الوصول إليها، كما قرّبت لنا المسافات ووفَّرت عَلينا ضَياع الأوقات، وجَعلتنا نَتعرّف على مُختلف الشُّعوب والثّقافات، كما سَهّلت الأَعمال والمُعاملات والمُبادلات والمَصاريف والنَّفقات، وحَفِظت لنا أعمالنا وذكرياتنا، وغير ذلك من المنافع والمميزات الكثيرة…
لكن رَغم هذه الإيجابيات العديدة، لا بُدَّ من التَّنبيه إلى رّغْبة المُتغَلِّب الدَّائمة وحِرصه على الإمساك بِحالة الغَلَبَة مما يُحتِّم على المسلم مُستخدم الشّبكة العنكبوتية إحاطة نفسه بمَناعة ذاتية وميزانٍ شرعي يُمكِّنه من تحديد أهداف وضوابط الاستعمال فيتجنب كلّ مضار الشبكة العنكبوتية وسلبياتها، خاصةً الشّباب، إننا نتعامل بأدواتِ العصرِ ولغته ولكن مع المحافظة على القيم والنهج حتى لا نتعرض لأخطار تهدد بناء الشخصية والمجتمع.


*أستاذة في جامعة رفيق الحريري، وعضو منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

المصادر:
– Perrin A, Jiang J. About a quarter of US adults say they are ‘almost constantly’ online. Pew Research Center, March 14, 2018
– Small GW, Moody TD, Siddarth P et al. Your brain on Google: patterns of cerebral activation during internet searching. Am J Geriatr Psychiatry 2009;17:116‐26. [PubMed]
– Oulasvirta A, Rattenbury T, Ma L et al. Habits make smartphone use more pervasive. Pers Ubiquit Comput 2012;16:105‐14

الأرضُ أرضُ الله

العميد الدكتور محمد فرشوخ

الكلمة الأخير من العدد 54 شتاء 2021

هذا الوباء هو جريمة العصر بلا منازع، مختبر فرنسي يباع بتمويل أميركي إلى مركز صيني، جهود علمية ضخمة بذلت، وأموال طائلة أنفِقت، ليس بحثاً عن علاج لمرض مستفحل بل لاستحداث وباءٍ فتاك يحصد ملايين الأبرياء.

السؤال الأول: ما هو الخطر المرعب الذي أقلق الدول الكبرى التي تمتلك ترسانات مرعبة من أسلحة الدمار الشامل، حتى جعلها تتعاون لاستحداث مثل هذا السلاح البيولوجي الخطر المعقّد؟
والسؤال الثاني: إذا كانت الأطراف الدولية المتنازِعة قد اجتمعت ووحدت جهودها لاستحداث هذا الوباء فمن هو عدوّها المستور الذي يرعبها ويقلق راحتها؟ لعلّه دين ما! أو أقوام محددون!
والسؤال الثالث: هل يعقل أن هذه الدول والمؤسسات العلمية الضخمة بما لها من علم متطور وعلماء متفوقين بارعين، قد عجزت لمدة سنة وأكثر عن إيجاد العلاج المضاد لهذا الوباء؟ ام انها تعرف ما تفعل بحيث جعلت سكان الكرة الأرضية حقلاً للاختبار بلا شفقة ولا رحمة ولا بحد أدنى من الشعور الإنساني وهم الذين ينادون صباح مساء ويتغنّون بحرية المرأة وبحقوق الانسان!
والسؤال الرابع: كيف يكون احتمال الوفاة جرّاء اللقاح (5%) أعلى من احتمال الوفاة بسبب الوباء (3%)! فعلام اللقاح إذن؟
والسؤال الخامس: يعلنون أن بعض رؤساء الدول قد تعافوا من الوباء في غضون أيامٍ قليلة، بينما يعاني عامة المصابين من المرض الشديد لمدة أربعة عشر يوماً، هذا لمن ينجو من الموت، فهل هناك عقاقير خاصة برؤساء الدول وبالأثرياء تخفى على عامة الناس؟
والسؤال السادس: كتاب ظهر في أواخر القرن الماضي، حدد اسم الوباء وموعد انتشاره عام 2020م، وتحدث عن ظواهره وآثاره، وللكتاب مصداقية ليس فيه شيء من التنبوء أو التنجيم، ويضيف هذا الكتاب ان وباءً أقسى سوف يجتاح الكوكب عام 2030م ويقضي على نصف سكان الكرة الأرضية. فهل هناك أجندة تنفذها سلطات خفية أقوى من الدول الظاهرة!
والسؤال السابع: ماذا عن النصب، المجهول صاحبه، المشيّد في مقاطعة “ألبرت” بولاية جورجيا الأميركية والذي نقش عليه أنه يجب خفض عدد سكان الأرض إلى خمسمائة مليون نسمة؟ لماذا لا تقوم الحكومة الأميركية بالتحقيق في الأمر وكشف الفاعلين حتى ولو كانوا من المهووسين ولماذا الإبقاء على هذا النصب قائماً!
والسؤال الثامن والأخير: ماذا عن الرقاقة التي لا يتجاوز حجمها حبة الأرز تزرع تحت جلد كافة سكان الأرض عاجلاً ام آجلاً، والتي ستحصي الناس وتراقب الناس وتسخّر الناس، وستسلبهم ثرواتهم لتتحول إلى عملة رقمية يتبادلها سكان الأرض بينما يجمع الذهب ولو بالمصادرة والقوة ليتكدس بين أيدي قلة قليلة تسيطر على بنوك العالم وثروات الأرض وخيراتها!

أموال طائلة تبذل وتنفق بسبب الوباء ومضاعفاته، كان بإمكانها ان تصرف على إطعام أطفال إفريقيا الذين يموتون جوعاً، ولإيصال ماء الشرب والكهرباء إلى قرى ومناطق لا تزال تعيش في أجواء القرون الوسطى. ولزراعة مساحات هائلة من الأراضي الخصبة تكفي لتغطية حاجات المليارات السبعة من سكان الأرض.
لكن ليس للجشع حدود، فللتسليح “كارتيل” ولصناعة الأدوية “كارتيل”، وللمخدرات، وللإعلام، وللمصارف كذلك، بتشابك منسق منظم ومبرمج، من مجموعة لم تعد تخشى من انكشافها لأنها باتت تحكم وتتحكم، قيل إنها أقوى من الحكومات المحلية والقوى الإقليمية وإنها ستحكم العالم، وتحول من يبقى على قيد الحياة من سكان الكرة الأرضية إلى عبيد يقومون بتأمين خدماتها ومصالحها.
من يظن أن هذا الوضع المأساوي السوداوي سوف ينجح ويدوم طويلاً هو أحد اثنين، إما مستسلم صغير رضي بأن يكون خادماً عميلاً لدولة عالمية قوية يؤمن بها أو يوقن بأنه لا أحد يقدر عليها، وإما أن يكون غافلاً عن الله وعن دينه وعن شرعه.
نسي أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء عليم. ونسي أن الله تعالى خلق ولم يهمل، يمهل حتى تخرج الثعالب من أوكارها فينكشف الخبث والكفر والنفاق ثم يبطش بهم بغتة فإذا هم مبلسون.
فالعبد غادر والله قادر، العبد غافل والله حاضر، العبد يهمل والله يمهل، العبد تواب والله وهاب، العبد يستغيث والله هو المغيث، العبد صابر والله ناصر.
مهما استفحل شأن الوباء فإن الله تعالى قد خلق له الدواء، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ” مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، ‌عَلِمَهُ ‌مَنْ ‌عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ “.
ما نراه اليوم مستفحلاً سيغدو يوماً زائلاً، قال تعالى: ﵟ‌وَلَنَبۡلُوَنَّكُم ‌بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَﵞ [البقرة].
مهما أرهبونا وأرعبونا فلن نتخلى عن ديننا، قال تعالى: ﵟأَلَيۡسَ ٱللَّهُ ‌بِكَافٍ ‌عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ ﵞ [الزمر] وهو الذي وعد فقال: ﵟأَلَيۡسَ ٱللَّهُ ‌بِأَعۡلَمَ ‌بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣ﵞ [الأنعام] وهو الذي توعّد فقال: ﵟأَلَيۡسَ ٱللَّهُ ‌بِعَزِيزٖ ‌ذِي ‌ٱنتِقَامٖ ٣٧ ﵞ [الزمر].
فبمن نثق وعلى من نتوكل والله تعالى يقول: ﵟأَلَيۡسَ ٱللَّهُ ‌بِأَحۡكَمِ ‌ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨ ﵞ [التين].

الأرض أرض الله والملك لله ولئن عبث فيها شياطين من الإنس والجن فإنما بعلمه، والأمر بحكمته، ولا قدرة فوق قدرته، وما خاب من التجأ إليه ولاذ به ومتى فعلنا ما بوسعنا حق لنا أن ندعو ربنا:
اللهم يا قادر، يا عالم يا سميع يا بصير يا مجيب يا قدير، إنا تبنا إليك ولذنا بك، فأذهِب عنا ما نحن فيه من بلاءٍ ووباءٍ وغلاءٍ، اللهم إنا نعوذ بك من الداء ومن درك الشقاء وكيد الأعداء. ولا غالب إلا الله، عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم.

تعنيف المرأة، عالمي وليس إسلامي

أ. ياسمين أبو عدلا*
أ. دانا عبدو جرادي

52- العدد الثاني والخمسون شتاء 2020

#NousToutes
شغلت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً مسيرة جرت في باريس لمناهضة العنف ضد المرأة الذي بات يؤدي إلى القتل خاصة من قبل شركاء الضحايا أو أزواجهم.
بعد سنة حافلة بالتحرك المجتمعي والحشد ضد العنف ضد المرأة وقتل النساء، نظمت جماعة “#NousToutes” (نحن جميعًا) مسيرة يوم السبت في 23 تشرين الثاني عام 2019 في باريس، جاب خلالها 150 ألف شخص شوارع باريس تعبيراً عن رفضهم للعنف الذي تتعرض له المرأة، تخلل المسيرة أيضاً حفل غنائي.
وبحسب منظمات هذه المسيرة: “يومياً، تقع النساء ضحايا للعنف النفسي، اللفظي، الاقتصادي، الطبي، الجسدي والجنسي. تُقتل امرأة كل يومين على يدي شريكها أو شريكها السابق”.
افتتح المسيرة أهالي الضحايا من النساء المقتولات، وتم في عام 2019، تسجيل 116 حالة قتل بحسب بيان لوكالة فرنس برس (AFP) و137 حالة قتل بحسب بيان صادر عن جمعية “النساء ضحايا شركائهم الحاليين والسابقين” (Féminicides par (ex) compagnons).
جرت هذه المسيرة في وضع متوتر، إذ تتهم الجمعيات الحكومة بعدم بذل كل ما في وسعها لوقف هذه الظاهرة الاجتماعية، ويجدر الإشارة إلى تضاعف الإجراءات الرامية إلى زيادة وعي المجتمع الفرنسي بالعنف الذي يؤدي إلى قتل النساء وذلك في جميع أنحاء البلاد(1).

العنف ضد المرأة في العالم
تبين من خلال العديد من الإحصاءات أن أكثر من 35% من النساء حول العالم تتعرض إما للعنف الجسدي أو الجنسي. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسات أن نصف النساء اللواتي قُتلن في العالم كانت جرّاء العنف الأسري. وعلى الرغم من المحاولات الشتى التي حاولت مؤسسات الاتحاد الأوروبي القيام بها للحد من نسبة العنف تجاه المرأة، مازالت أعداد النساء التي تتعرض للعنف عالية جداً، إذ كشفت الدراسات أن حوالي 100 مليون امرأة في الاتحاد الأوروبي ستتعرض للتعنيف خلال فترة من حياتها(2).
إضافةً إلى ذلك، تبين أن نسبة العنف ضد المرأة التي تجاوزت سن الخامسة عشر في أوروبا الشرقية والجنوبية الشرقية قد تجاوزت الـ 70%(3).

وفي أميركا، أظهرت الإحصاءات أن نصف النساء في المنازل الأمريكية تتعرض إما للعنف الجسدي أو الجنسي. بينما دراسة أخرى تؤكد أن أكثر من 70% من النساء في أمريكا تتعرض للضرب أو التحرش الجنسي، ولقد بينت الدراسة ذاتها أن أكثر من ربع الطالبات الجامعيات تتعرضن إما للتحرش الجنسي أو للاغتصاب خلال فترة الدراسة(4).

وفي عام 2008 أظهرت الإحصاءات أن 500 امرأة كانت تغتصب كل يوم في أمريكا وأن 64% من النساء التي قتلت في أمريكا كانت جراء العنف المنزلي أو الأسري(5).
أما عن أمريكا اللاتينية، فقد كشفت منظمة (Pan American Health ) أن نسبة العنف ضد المرأة في المنطقة وخاصةً في كولومبيا قد تجاوزت النسب العالمية(6).
أما بالنسبة لأستراليا فإن 5\2 من النساء اللواتي تجاوزن الخامسة عشرة عاماً قد تعرضن للتحرش الجنسي داخل أماكن العمل(7).

إسلامياً
إن الدراسات والإحصاءات التي أجريت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كشفت أن 40 -60% من النساء على الأقل لم تتعرضن لأي نوع من العنف أو التحرش الجنسي(7).
وهذا أكبر دليل على تأثير الدين والقيم الاجتماعية على الأسرة والمرأة، إذ لطالما اكتسبت المرأة مكانة عالية في الاسلام الذي حماها من كل أنواع العنف، بعكس ما يُظهر الاعلام الغربي أن المرأة المسلمة هي المقهورة والمُعنّفة وأن المرأة الغربية هي المتحررة والناجية من الاضطهادات.
وها تُثبت الدراسات عكس ما يروجون له، إذ نسب العنف العالية غير متواجدة في مناطق المسلمين كما هي في البلدان الأخرى التي تُعتبر متطورة.


*من صديقات منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة- لبنان

المصادر:
(1): مقالة “Marche #NousToutes contre les violences aux femmes à Paris : parcours et concert”، رابط المقالة: https://actu.fr/ile-de-france/paris_75056/marche-noustoutes-contre-violences-femmes-paris-parcours-concert_29634769.html
(2): دراسة لدافيد فاسكيز وايفا ايزبورورا وشركائهم تحت عنوان “Perceptions of violence against women in Europe: Assessing individual- and country-level factors”، على الرابط الآتي: https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/1477370819859462
(3): مقالة للورين شادويك تحت عنوان “There is huge resistance: Europe’s problem with violence against women”، على الرابط الآتي: https://www.euronews.com/2019/11/19/there-is-huge-resistance-europe-s-problem-with-violence-against-women
(4): مقالة للأمم المتحدة تحت عنوان “A staggering one-in-three women, experience physical, sexual abuse”، على الرابط الآتي: https://news.un.org/en/story/2019/11/1052041
(5): مقالة لمنظمة أمينيستي تحت عنوان “VIOLENCE AGAINST WOMEN IS A U.S. PROBLEM, TOO”، على الرابط الآتي:
https://www.amnestyusa.org/violence-against-women-is-a-u-s-problem-too/
(6): دراسة لنافارو مانتاس واوزميلا لم تحت عنوان “Violence Against the Indigenous Women: Methodological and Ethical Recommendations for Research”، على الرابط الآتي:
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/30678528
(7): مقالة للأمم المتحدة تحت عنوان “Facts and figures: Ending violence against women”، على الرابط الآتي:
https://www.unwomen.org/en/what-we-do/ending-violence-against-women/facts-and-figures

الخلايا العصبية العاكسة: المرآة

زينب ضاهر ونُسَيبة نمش*

العدد التاسع والثلاثون – خريف 2016

حتى الثمانينات من القرن العشرين كان علماء الأعصاب يعتقدون أن التعاطف بين الناس هو وليد ما تراه أعينهم إذا أصيب شخص من المارّة، وأنه يقتصر على شعور عام وعقلاني بالحزن أو الألم لما يعانيه المصاب. إلى أن اكتشفوا في أوائل التسعينيات أن التعاطف أعمق من ذلك وأدق وأن المشاهد قد يشعر بما يعتري المصاب من مشاعر وأحاسيس بشكل مطابق. وأن ثمة خلايا عصبية في الرأس تعكس وبكل دقة كالمرآة ما تشعر به الخلايا العصبية عند الشخص الآخر. فلو جرح شخص امامنا قد يعترينا الألم ذاته الذي يعاني منه، وإن تذوّق شيئاً مقيتاً نشعر في أمعائنا بالغثيان ذاته الذي يشعر به المتذوِّق. لا بل إن هذه الخلايا العصبية المرآة تستطيع أن تعكس لنا نوايا الشخص الآخر وما قد يقدم عليه من قول أو عمل، وهنا الاكتشاف المذهل .
تقع هذه الخلايا المرآة في الشق الأيمن من واجهة المخ وتحديداً في الناحية الخلفية السفلى من الواجهة المذكورة(right posterior inferior frontal gyrus). وهي من الخلايا التي تثير النشاط الدماغي وتحرك عملياته.
انطلقت هذه الأبحاث عندما اكتشف أحد العلماء الإيطاليين من جامعة “بارما” أن نوعاً من قرود المختبر، وقد زرعت في أدمغتها أقطاب كهربائية، نشط لديهم هذا الجزء من المخ وهم قعود، لمجرد أن فكّر الباحث بالطعام وتحرك لجلبه قبل أن يروا شيئاً منه.
كشفت هذه البحوث عن مكان التفاعلات والأحاسيس والنوايا المتبادلة بين الناس من غير كلام وحتى دون أن تظهر قسمات ذلك على وجوه المتجالسين. حتى أن هذه الخلايا العصبية العاكسة تكشف لصاحبها صدق نوايا مجالسه وحقيقة مشاعره.

ساعدت هذه الاكتشافات في بحوث أخرى رديفة منها: التفاعلات الاجتماعية، وكيفية التعاطف مع الآخرين، ومزيد من الاكتشافات حول مرضي التوحد وانفصام الشخصية، وبعض الاضطرابات الأخرى للدماغ، ومعلومات جديدة حول تطور النطق والكلام، وإيجاد طرق جديدة لعلاج الذين تعرضوا للسكتة الدماغية وفي كيفية استعادتهم لحركاتهم التي فقدوها.
ولربما كانت منطقة الخلايا العصبية المرآة هذه هي التي تحتوي على العطل المؤدي إلى التوحد وانقطاع الاتصال مع العالم الخارجي للمريض. إذ أن هذه الخلايا لا يهزها الصوت او الضجة بقدر ما تؤثر فيها المشاعر والنوايا كما يقول د. غريغ هيكوك وهو احد المشككين بهذه النظرية.
كما تبين أن هذه الخلايا العصبية قادرة على حل رموز التعابير والقسمات التي تظهر على وجه المحدث (من عبوس أو اشمئزاز أو تكبر أو ارتياح)، حتى لو تظاهر بعكس ما يضمر.
يقول الباحث د. لاكوبوني، هذه الخلايا تبدو حتى الآن الخلايا الوحيدة في الدماغ القادرة على التواصل الاجتماعي بالخارج وفهم النوايا والمشاعر، وهي التي تبدو الأكثر تأثراً بأفلام الجنس وأفلام العنف مما قد يحدث تغييرات عميقة في نفس الانسان بسبب مشاهدتها. ولا شك في أن الخلايا العصبية العاكسة عند المشاهد سوف تولد لديه الرغبة لتقليد ما يراه من مشاهد الدم والعنف والإثارة.
لم تتوقف هذه الأبحاث ولا تزال مستمرة لتحديد دقة العلاقة بين ما تسجله الخلايا العصبية العاكسة وبين حالة التواصل والتعاطف التي يبديها طرفان متجاوران، ولتوفير رؤية جديدة رائعة في الآليات التي تكسبنا مزيداً من المهارات الاجتماعية والتواصل لفهم أعمق لمشاعر الآخرين ولنواياهم.

ذكرنا أعلاه ملخصاً لدراسات العقدين الأخيرين حول هذه الخلايا العصبية المرآة والعاكسة لنوايا ومشاعر من هم بجوارنا. ونخرج منها بأسئلة وخلاصات نعرفها من القرآن الكريم ومن حديث نبينا الرحيم صلى الله عليه وسلم ومن أخبار مشاهير رجالات السلف الصالح.
ففي كتاب الله تعالى ما يشير إلى طرق فهم الآخر ظاهراً وباطنا، يقول الله تعالى في سورة محمد:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)}.
ويقول جلّ وعلا في سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) }.
وينبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النوايا لا تخفى على المؤمن وإن تخفّت تحت لين الكلام المعسول فيقول: “اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ , فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ”، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر]: “، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، قَالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ ” (الترمذي والطبراني عن أبي أمامة وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ).
وفي الختام فإن هذا البحث يعطي التفسير العلمي ويزيل عجب المنكرين لقدرات كبار رجالات السلف الصالح في كشف نوايا مجالسيهم وفي التأثير عليهم وتعزيز إيمانهم وتنشيط همتهم. تماماً كما يظهر الأثر السلبي لمن يجالس أهل الغفلة والمعصية بحيث تفتر همته ويتكاسل في العبادات ولربما انتكس إيمانه ونقض عقيدته،
فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
“مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً”. (صحيح البخاري (7/ 96).


*من أصدقاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان.

المراجع:

البحث بعنوان: Mirror Neurons، صادر عن جمعية العلوم العصبيةSociety for Neuroscience بإذن من الباحث الدكتور ماركو لاكوبوني من مدرسة الطب في جامعة كاليفورنيا.
http://blogs.scientificamerican.com/guest-blog/whats-so-special-about-mirror-neurons/
رابط المقالة على شبكة الانترنت:
http://www.brainfacts.org/brain-basics/neuroanatomy/articles/2008/mirror-neurons/

في ذكرى مولده الشريف ماذا عساه يقول؟

العميد الدكتور محمد فرشوخ

48- العدد الثامن والأربعون شتاء 2019

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
السلام على إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني .

تعلمون أن الله تعالى كشف لي ما مضى قبلي من أخبار الأمم والأنبياء والرسل، كما كشف لي ما سيأتي بعدي من أخبار وأحوال، ستمر بها أمتي وأمم أخرى.
وتعلمون أنه لا يحق لرسول أن يخفي شيئاً مما علّمه الله، ولذلك أخبرتكم بما سيأتي وحذّرتكم من الأخطار القادمة ومن الأخطاء والذنوب والآثام التي ستعرض لكم.
ويؤلمني أنكم على الرغم من التحذير قد وقعتم في المحذور والمحظور، وقعتم أفراداً وعائلاتٍ ومجتمعات ودولا. ولولا لطف الله بكم لما بقي منكم أحدٌ على دينه.
ماذا فعلتم فرادى؟ أخبرتكم وحذرتكم فقلت: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» . قلدتم الأمم الضائعة الواهية اللاهية، خلعوا ثيابهم فخلعتم ومزقوها فمزقتم وتعرّوا فتعريتم رقصوا فرقصتم وغنّوا فغنيتم، وسكروا وأدمنوا وفجروا…
والمؤلم أن رجالهم تخنثوا فأُعجبتم، واسترجلت نساؤهم فشجعتم، وها هم يحثونكم على تقليدهم فماذا أنتم فاعلون؟

يا أحفاد الرجال الأبطال والنساء المجاهدات الصابرات، لماذا لم تدرسوا سِيَرهم ولم تعرفوا أخبارهم؟ لو تعلمون حجم الدماء الطاهرة التي أريقت حتى استقريتم في بلادكم. لو رأيتم سيول الدموع التي انهمرت من أعين الأمهات بعد أن ألقين النظرات الأخيرة على أولادهن يغادرون إلى غير رجعة يفتحون الأمصار وينشرون النور في بلاد الظلمات.
وها هم أهل فلسطين الأبية يسطرون ملاحم الصبر والنضال، بينما يتابعهم بقية المسلمين من بيوتهم، وعلى مقاعدهم الوثيرة، دون أن يقوموا بأي واجب، لا يرفدونهم بدعم، ولا يقاطعون منتجات أعدائهم، وذلك أضعف الإيمان.
بأي وجه تقابلوني يوم القيامة وقد ارتدتم مقاهٍ ومطاعم ترسل جزءاً من أرباحها إلى المغتصبين.
حجبتم أموالكم عن فقرائكم ومحتاجيكم، عجائز وأيتام ونازحين، وانفقتموها أضعافاً في الغيّ واللهو والمباهاة، تشترون بأغلى الأثمان ثياباً صنعها الغاصبون، وتتباهون بشراء آلاتهم ومنتجاتهم، تتعالون بها على بعضكم البعض.
أدخلتم أعداءكم إلى غرف نومكم بهواتفكم الذكية الغبية، وأطلعتموهم على أسرار بيوتكم فكشفوا نقاط ضعفكم وصوّروا عُريكم.
أستوصيتكم بنسائكم خيراً ، فإذا بكم توصونهن شراً، سمحتم لهن بالاتصال والتواصل والسهر والخروج مع الآخرين. قطّعن من لحومهن في أماكن سُمنتهن، ونفخن في جلودهن في أماكن ترهّلهن، أفطر بعضكم في رمضان من ضعف الإرادة فقطعوا من أمعائهم من فرط السمنة.
أما علمتم أن من غيّر في خلق الله ملعون! أما أخبرتكم: “لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ، والنامصة والمتنمصة “، ألم تخبركم عائشة بأني لعنت القاشرة والمقشورة ؟ كنت قد نهيتكم عن نتف الشيب وأخبرتكم بأنه نورٌ للمؤمن. وإذ بالعجائز يصبغون الشيب بالأسود ليتزوجوا الشابات الفتيّات مخالفين شرع الله، وكذلك النسوة المتصابيات ليخدعن الناس وما يخدعن إلا أنفسهن وما يشعرن.

أما أخبرتكم؟ “ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما اهلكتهم”
ماذا فعلتم بأولادكم؟ عدد كبير منهم قد ضاع وآخرون برسم الضياع قريبا، جعلتموهم فريسة بين يدي معلمين ومدارس لا تعرف وجه الله، وأهملتم العناية بقلوبهم وأرواحهم، فما عرفتم ولا عرفوا كيف يعززون صلتهم بربهم إلا ما رحم الله.
تفرحون حين ينطق أولادكم بلكنة أجنبية ويحفظون أقوالاً وأشعاراً مستوردة، ولا يحفظون من القرآن إلا قليلا، وبالكاد يقرؤون فيه ولا يفهمون.
تتفاخرون بأنكم أفردتم لأولادكم ما اعتبرتموه أفضل المدارس والجامعات، فماذا عن مجالس العلم والتربية والتزكية!
فوّتم عليهم مرحلة زرع المثل العليا والخير والإيمان في صباهم، ثم تتباكون بعد ذلك متأسفين أنهم ضاعوا، فعقكّم بعضهم وأدمن بعضهم وفسق بعضهم وألحد بعضهم وما نجا إلا القليل.
أما تساءلتم كيف ينظر أولادكم الذين تربوا على أيدٍ غير مؤمنة إلى أمة الإسلام؟ أباستعلاءٍ وازدراء أم باحترام وتقدير وتوقير!
قد كفر الغرب بأسلوب تربيته للأجيال الماضية، واعترف بفشله وبأنه دمّر القيم والأخلاق والأسرة والمجتمع وأنه يحتضر، وأنه فقد الصلة بأجيال الألفية الثانية.

ها هو الغرب يحاول أن يعيد النظر بأساليب تربيته وتعليمه ويضخ في صفوفه أرتال المهاجرين العرب والمسلمين، علّهم يملأون الفراغ والعجز الحاصل في شبابهم، فلماذا تصرون على تقليدهم فيما ظهر فساده وثبت بطلانه؟ أين العقول والأفهام وأين الحكمة والتبصر!
متى تزرعون الخير في أهليكم؟ والشياطين تحوم من حولكم! أما سمعتم قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]. ابتعدتم وأبعدتم نساءكم وأولادكم عن مجالس العلم والتربية وهكذا حصلت الخسارة الكبرى.
فاتقوا الله في أولادكم ونسائكم وأموالكم وأعمالكم. واسمعوا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة: 54].
بالغ عدد منكم بالزيارات حجاً واعتمارا، حتى أضعتم مغزاها شوقاً واعتبارا، صارت الصلاة عوائد، والحج والعمرة صوراً ومشاهد، ولو وفرتم بعض نفقاتكم ووجهتموها للفقراء والمحتاجين لكان خيراً لكم وأبقى.

احجزوا لأنفسكم ولأهليكم مكاناً بين جموع المؤمنين، خالطوهم في الدنيا وتعاطفوا معهم حتى يكون لكم مكان معهم في الآخرة.
أما أخبرتكم أن الأمم ستتكالب عليكم؟ أما تذكرون قولي: “يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا”، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قلت: “بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ”، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قلت: “حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”.
وهل من الموت مفر؟ وهل الدنيا إلا ظلٌ زائل؟
سقطت هيبتكم يوم زالت هيبة دينكم من نفوسكم، وزال عزّكم حين زال اعتزازكم بنبيكم وخجلتم من الحديث عنه بين الناس! أيعجز ربكم أن يستبدلكم بقوم آخرين، وهو القائل: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

غرّتكم الدنيا وقد حذرتكم من الوقوع في حبها وغيّها، ما الذي حلّ بكم؟ هان عليكم دينكم وأدرتم ظهوركم لإخوانكم المعذبين فهانت عليكم كرامتكم وغابت مروءتكم حتى فرّط بعضكم في عرضه.
أما تقرؤون قول الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].
مساجدكم عامرة ظهر الجمعة فقط، وفارغة في بقية الأوقات والأيام! أين مجالس العلم والفكر والتوعية؟ من أين تأخذون علومكم؟ أمن حملات أخصامكم الإعلامية عليكم وعلى دينكم؟ أم من الجهلاء الذين فتحت لهم أبواق الإعلام يشهرون ويضللون! لن تستقيم أفكاركم ومفاهيمكم لحقيقة الأمور ما دمتم تصغون للجهلاء من أمتكم وللخبثاء من خصومكم.
من منكم قرأ كتاب الله قراءة معاصرة؟ وفهم حديثي على النحو الذي يعينه في حياته وينير له طرق خلاصه وطريق سعادته؟ أقصرتم دينكم على العبادات ولم ينعكس على حياتكم العملية نجاحاً ولا فلاحاً ولا تعلماً ولا تطوراً ، ما على هذا ترككم السلف الصالح من أمتي، كانوا أتقياء وكانوا علماء وكانوا عاملين.
أين عقولكم؟ ولماذا أغلقتم على انفسكم مدارك الفهم والتبصر؟ أتظنون أن الاختراعات والاكتشافات الحديثة هي وليدة مجتمعاتهم المنحلة والمفككة؟ أما علمتم أن حضارتهم تأسست وبنيت بفضل حضارة أسلافكم؟ الا تتساءلون عن دور أولادكم في الغربة، أولئك الذين يتصدرون مراكز الأبحاث، لكن الإعلام يظلمهم فلا يظهر دورهم ولا مكانتهم العلمية.

أعلم يا إخواني أنكم تحبونني وتعلمون أني أحبكم أكثر، أنا حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، وإني أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيم، لن أرضى وواحد منكم في النار، فأعينوني على أنفسكم. وراحتي هي في رؤيتكم وقد نجوتم في ذلك اليوم المشهود. وما الحب الذي بيننا إلا لكي تقوى عزائمكم ويقوى الأمل فيكم وترتفع هممكم فتعملون بموجب شرع ربكم وهدي نبيّكم.
ما الحب الذي بيننا إلا لكي تتحرك قلوبكم ويرتقي إيمانكم، لا لكي تركنوا إلى حب بلا عمل ولا حياةٍ بلا همة. غاية الحب هي أن نلتقي يوم القيامة وقد وفّيتم بعهدكم حتى أوفِ بعهدي ويفي الله تعالى بوعده لي ولأمتي.
من أراد ان يكون رفيقي في الجنة فعليه بكثرة السجود، وبالابتعاد عن مجالسة الظالمين، كي لا تقسو حجب قلوبكم فيحجب عنها نور الهداية. ومن أراد ان يرد عليّ الحوض فليحفظ العهد ولا يحدث ما يحدثه الضلّال من بعدي، فقد تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فإياكم ومحدثات الأمور إذ ثمة من يصنع من المسلمين الضالّين فرقاً يمدها بالمال ويدعمها بالإعلام ويصدّرها إليكم ليفتنكم فإياكم إياكم.
لا تصغوا إلى الذين يطعنون بحديثي وبعلماء أمتي فهم لا يحبونني، لكنهم لا يجرؤون على البوح بذلك فيحاولون النيل مني من طرف خفي، وتعلمون أنه: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” .

وأحذركم وأنهاكم عن التقاتل فيما بينكم فإني لا أضمن الجنة ولا السلامة لمسلمٍ يقتل مسلماً أو يقتل معاهداً أو ذمياً، فقد قلت: ” مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ (دون وعي) يَغْضَبُ لِعَصَبَتِهِ (لقومه) وَيُقَاتِلُ لِعَصَبَتِهِ , وَيَنْصُرُ عَصَبَتَهُ , فَقُتِلَ، فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ ” . فما لكم إذا استثاروا حميتكم الجاهلية ثرتم وخرجتم وشتمتم وفقدتم أعصابكم وقاتلتم، وإذا ابتليتم في دينكم مررتم كأن شيئاً لم يكن.
والأولى عند الفتن أن تتذكروا قولي لعقبة بن عامر: ” أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ , وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ , وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ “.

الحلال بيّن والحرام بيّن، والحق بيّن والضلال بيّن، فكونوا على ما كان عليه السلف الصالح من التقوى وتعلّموا وابحثوا واكتشفوا وأعمِلوا عقولكم وطوّروا حياتكم ومعيشتكم، يقول ربنا سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
في الختام موعدنا على الحوض فلا تفوتكم هذه الفرصة، يود أحدكم يومها لو أنه بذل في الدنيا أكثر وضحّى أكثر وتعب وبكى وتألم أكثر. لا تخافوا في الله لومة لائم، إبقوا على الحق وكونوا مع الحق، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]. إنما الحياة الدنيا ساعة من ساعات الآخرة الخالدة.
” اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مصائب الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا , وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا , وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا , وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا “.
أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نمط العيش بالحد الأدنى: التقليص

يارا أبو عدلا*

العدد الثالث والخمسون ربيع وصيف 2020

نعاني في العصر الحالي من ضغوط هائلة بسبب ثقافة الاستهلاك. إذ أصبح الإنسان استهلاكيًا بالدرجة الأولى. نعرف هذا من ازدياد حالات الإدمان على التسوق والهوس باقتناء المزيد من الأشياء. وبالتالي يشعر الفرد أنه في سباق دائم لمواكبة هذا العالم المادي، ولا عجب من أن يؤدي هذا السباق الوهمي إلى ازدياد التوتر النفسي وتشتت الذهن.
ظهر في أواسط التسعينات نمط جديد “قديم” يدعو إلى العيش بالحد الأدنى للتقليص من هوس شراء الاحتياجات المسيطر على رغباتنا وأفكارنا وجيوبنا والذي يسعى إلى إقناعنا بأن إسراف الأموال بالإنفاق على الملابس والسيارات والتحف والمنازل والأجهزة الإلكترونية يجلب السعادة ويحقق الرضى . ويطلق على هذا النظام اسم minimalism أي التقليص ويعني استخدام أقل الأدوات أو الألوان الممكنة في إنجاز أي عمل موسيقي أو فني. وقد عمل كل من جوش ميليبرن وريان نيكومينز، أصحاب فيلم ومدونة “The Minimalists” ، على تطوير هذا المفهوم ليشمل أسلوب الحياة بالكامل. فقد عرضوا تجربتهم الخاصة عن اتباع هذا النمط من الحياة، وكيف بدأت حياتهما بالتغير نحو الأفضل .
لا يدعو هذا النمط إلى التوقف عن شراء المقتنيات فحسب، بل يشجع على مجابهة العالم المادي الذي يستنزف الأموال والطاقات الفكرية ووقت الإنسان. فلسفة حياة البساطة التي ترى بأن سعادة الفرد لا ترتبط بحجم أغراضه ولا بقدرته على الشراء والاستهلاك بل بقدرته على التخلي عن الأشياء التي أدّت إلى تعاسته بسبب الهوس لاقتناء كل جديد وكل ما هو متوفر. ومن حسنات هذه الفلسفة أنها تشجع الفرد على التفكير ملياً بقراراته الشرائية وبقيمة الأموال التي عمل بجد على تحصيلها. كما تدعوه إلى النظر بوضوح إلى أولوياته وإلى الأشياء التي لها قيمة بالفعل كالصحة والعائلة بدلاً من الانسياق خلف متعٍ مؤقتة.
عن ذلك يقول نيكومينز: “الـminimalism (أو التقليص) لا يعني التوقف عن الشراء أو التخلص من الأشياء التي نملكها، إنما هو عبارة عن مخرج من سيطرة الهوَس المادي على رغباتنا وأفكارنا وجيوبنا”.
يشير ميليبرن إلى أن هوسنا بالماديات ازداد بسبب فكرة الاحتياط. كأن يفكر الفرد أنه قد يحتاج هذا الشيء لاحقاً، وذلك من منطلق الإشعار بالأمان، وأن مفهوم السعادة مرتبط بكم الأشياء التي نشتريها حتى ولو كان شعورًا مؤقتًا من الفرحة. كذلك فإن الإعلانات التي تنتشر في كل زاوية من محيطنا وبشكل واسع تسعى إلى جذب المشترين وتعزز فكرة الاقتناء.

ويضيف ميليبرن “يمكن للبعض أن يستغرب هذا النمط من الحياة والعيش بهذا الحد الأدنى من البساطة، لكنه أمر يستحق التجربة ويمكن البدء به تدريجيًا وبالتخلي عن عدد معين من القطع والأدوات بشكل شهري”.
ومن مشجعي هذا النمط من الحياة مؤسِّس شركة آبل، ستيف جوبز، وهو مؤمن موقن بالتبسيط. وهو يعزو نجاح منتجاته إلى بساطة التصميم وسهولة الاستخدام. وكان “تبسيط التعقيد” هو الدرس الرئيسي الذي قام بتدريسه للشركات. توضح هذه التقنية أن النقطة المحورية ليست المنتج المتطور الذي تبيعه، ولكن الطريقة التي تتعامل بها مع العميل وتقوم بتطوير تقنيات الجيل الرائد. لم يطبق جوبز هذه الفلسفة فقط على أعماله، ولكنه كان أيضًا ممارساً لهذه التقنية في حياته.
قال جون سكولي الرئيس التنفيذي السابق لشركة آبل في مقابلة: “أتذكّر منظر الدخول إلى منزل ستيف ولم يكن لديه أثاث تقريبًا. كان لديه فقط صورة لأينشتاين، الذي أعجب به كثيرًا، وكان لديه مصباح وكرسي وسرير. لم يؤمن فقط بوجود الكثير من الأشياء، لكنه كان حريصًا بشكل لا يصدق على ما اختاره”.

نموذج أقدم عن العيش بالحد الأدنى هو ماركوس أوريليوس، امبراطور رومانيا في القرن الثاني الميلادي، وقد اشتهر بتأملاته في الفلسفة الرواقية، وهي فلسفة تدعم العيش في بساطتها البالغة.
بعض التقنيات التي يمكن تطبيقها لاتباع هذا النمط من العيش :
• اكتب قائمة بالممتلكات التي لا تحتاجها
• تخلّص من كل الأغراض المتكررة
• توقف عن التعامل مع الأوراق
• أبقِ منزلك خالٍ من الركام
• بسّط عملية الطعام
• اقتصد في لباسك
• قلّص احتياجاتك
لا يقتصر هذا النمط من العيش على تقليص المقتنيات بل يشمل ما هو أهم من ذلك: تقليص استخدامنا للتقنيات الحديثة التي تستنفذنا وتفقدنا التركيز وتعتبر من أكبر الملهيات في حياتنا. من ذلك التطبيقات الاجتماعية والاتصالات ورسائل الهاتف. فلو نجحنا في ذلك لوجدنا راحةً نفسية وقدرةً على ترتيب أولوياتنا واهتماماً أكبر بأنفسنا وبصحتنا وبعلاقاتنا مع ربنا ومع الآخرين. وبالتالي سوف نصبح أشخاصًا مساهمين في المجتمع لا مستهلكين فقط، وهذا ما سيجعلنا نشعر بالسعادة الحقيقية.
ونختم بتعليق أخير عن هذا النمط الحديث “القديم” في الواقع. إذ كانت حياة النبي الأعظم، صلى الله عليه وسلم، نموذجًا للحياة البسيطة، حيث قال: “‏ كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ‏”‏ ‏.‏
*من أصدقاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان


1- https://www.tate.org.uk/art/art-terms/m/minimalism
2- https://www.theminimalists.com/
3- https://www.noonpost.com/content/17709
4- https://www.becomingminimalist.com/10-reasons-why-minimalism-is-growing-a-k-a-10-reasons-you-should-adopt-the-lifestyle/
5- سنن النسائي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ

أفكار في الثورة والدّين

د. علي شريعتي*

العدد الثالث والخمسون ربيع وصيف 2020

1- المسجد في زمن الرسول ﷺ كانت له ثلاثة أبعاد :بُعد ديني (معبد)، وبُعد تربوي (مدرسة)، وبُعد سياسي (برلمان). وكان كل مواطن عضواً فيه .. أصبح المسجد الآن قصراً فخماً .. ولكن بدون أبعاد!
2- إني أفضّل المشي في الشارع وأنا افكر في اللّه على الجلوس في المسجد وأنا أفكر في حذائي!
3- الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن، ولا من أجل العقيدة، بل هي معركة بين مصالح دول، ضحيتها العوام من السنة والشيعة ..
4- ليعلم تجار الدين هؤلاء، سيأتي يوم وتثور الناس عليهم، وأنا أخشى أن يذهب الدين ضحية لتلك الثورة ..
5- من الصعب أن تتعايش مع اُناس يرون أنهم دائماً على حق ..
6- إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة، فلا يلوموا أحداً حينما تُسرق ثورتهم ..
7- إذا أردت أن تُخرب أي ثورة فقط، اعطها بعداً طائفياً أو دينياً وستنتهي إلى هباء ..
8- لا بد أن نُعيد القرآن مرة ثانية من القبور والتعازي إلى الحياة، ونقرأه على الأحياء لا على الأموات ..
9- مشكلتنا نحن المنتسبين للإسلام منذ قرون لا تكمن في عدم تطبيقنا الإسلام، بل في أننا لم نفهمه بعد ..
10- عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله، فاعلم أنها دعوة خائن! لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر
هو الاستحمار، وإن كان عملاً مقدساً ..
11- حين يتخلى رجال الدين عن مسؤولياتهم، ويتحولون إلى عوامل تخدير للناس
فمن المتوقع أن يبتعد الناس عن الدين، ويبحثوا عما يحقق طموحاتهم ..
12- اُشفق على الفتاة حين تسوء سمعتها، فهي لا تستطيع تربية لحيتها لتمحو تلك الصورة ..
13- لا فرق بين الاستعمار والاستحمار، سوى أن الأول يأتي من الخارج ..والثاني يأتي من الداخل ..
14- أن يكرهك الناس لصراحتك أفضل من أن يحبوك لنفاقك!
15- أبي من اختار اسمي، وأسلافي هم من اختاروا اسم عائلتي، وأنا مَن اخترت طريقي..
16- لا تقل للباطل نعم مهما كانت المصلحة ..
17- حين تحترم عقلك سيأخذك أعمق مما تتخيل ..
18- ليس من اللازم أن تتفق معي في الرأي، يكفي أن تفهم ماذا أريد أن أقول ..
19- إنهم يخشون من عقلك أن تفهم، ولا يخشون من جسدك أن تكون قوياً ..
20- إن الحديث يدور عن مجتمع: نصفه نائم مخدور مسحور، ونصفه اليقظان هارب، نحن نريد أن نوقظ النائمين ليقفوا على أقدامهم، ونُعيدُ الهاربين الفارين ليبقوا.
21- مات جاري أمس من الجوع، وفي عزائه ذبحوا كل الخراف ..


* الدكتور علي شريعتي23) نوفمبر 1933 – 18 يونيو 1977 م) مفكر ومناضل إيراني، شارك في ثورة مصدق وفي تظاهرات تأييد لومومبا ضد الاستعمار البلجيكي، تعاون مع جبهة التحرير الوطنية في الجزائر، من منتقدي النزعات المذهبية والداعين إلى التعالي فوقها، وهو أحد ملهمي الثورة في إيران، اغتيل قبل اندلاعها، وذلك في بريطانيا سنة 1977. (راجع ويكيبيديا).

“قبضة الموت” المال الحديث، عبودية الديون والإقتصاد المدمر

د. ميساء بنات

العدد الثالث والخمسون ربيع وصيف 2020

حين تفشل المهن، يعاني الأشخاص، وحين تكون المهنة متعلقة بالإقتصاد، فالعالم بأكمله يعاني نماذج المعاناة تجسدها نسبة الدين العام: مثلاً بريطانيا مدينة ب 400 بليون باوند، كندا 650 بليون دولار، ألمانيا 500 بليون داتش مارك، اليابان 2 تريليون دولار، وأمريكا 5 تريليون دولار.
سؤال قد يخطر في بالنا: هل هذه البلدان فقيرة؟ الجواب كلا. سؤال آخر يطرح نفسه: إذا كانت كل هذه الدول ترزح تحت طائلة الدَّين، لمن هم مدينون إذاً؟ وإذا كانت جميع الدول مدينة، لمن يستحق هذا الدين؟ والمثير للعجب أن الدول التي ترزح تحت نسبة الديون الأكبر هي الأكثر تقدماً.
كل هذه الأسئلة يجيب عليها “Michael Rowbotham” في كتابه ” The Grip of Death: A Study of Modern Money, Debt Slavery and Destructive Economics”: أي ” قبضة الموت: دراسة عن المال الحديث، عبودية الديون والإقتصاد المدمر”.
أما الترجمة الحرفية للعنوان “قبضة الموت”، كما يقول المؤلف فهي: الرهن العقاري، تحديداً رهن المسكن حتى الممات. عنوان قبضة الموت هو ترجمة فضفاضة لكلمة “رهن”، وهو ما يعني حرفيًا “تعهد بالموت”.

من هو “Michael Rowbotham”؟
هو كاتب ومعلق سياسي واقتصادي مقيم في المملكة المتحدة ويعرف بكتابه “وداعاً أمريكا” الذي نشر في العام (2000)، وكتاب “قبضة الموت” الذي نشر في العام (1998). يقع الكتاب في 344 صفحة مقسمة على 18 فصل. بعض عناوين الكتاب: أسطورة المجتمع الاستهلاكي، قوة المال، التضخم، حرب التصدير…
الأسلوب:
يتميز الكاتب بأسلوب سهل في عرض السبب الرئيسي لمعظم المشاكل في العالم وكيف تؤثر على كل قطاع اقتصادي في جميع بلدان العالم، ويعرض المعلومات بشكل منطقي. بالنسبة للاقتصاديين الأكاديميين، يُعدّ الكتاب مادة مهمة مطروحه بأسلوب سلس يبحث أسباب وتداعيات عدم استقرار النظام المالي الحالي.

الكتاب باختصار:
تتمحور النظرة العامة للكتاب حول الاقتصاد من وجهة نظر اجتماعية أخلاقية “a socio-economic perspective”. يناقش الكتاب موضوع التمويل والديون والاقتصاد من حيث تأثيرها على المجتمع والسياسة والأخلاق وليس من ناحية اقتصادية بحتة وللكاتب مآخذ عديدة على أثر الديون والمصارف وقدرتهم على التمويل وما الى ذلك من آثار سلبية على المجتمع ويعتبرها قدرة تدميرية أكثر منها بنيوية.
يعتبر الكاتب أن عملية صناعة المال (money creation) هي إشكالية لأن حجم كتلة المال الموجودة في السوق والتي يطبعها البنك المركزي ويصرح عنها على موقعه الإلكتروني لا تتناسب مع حجم الأموال الموجودة في السوق. وهذا الفارق بين حجم المال الموجود في السوق وكمية الأموال التي طبعها البنك المركزي يعود إلى قدرة البنوك على صناعة الأموال عن طريق إعطاء الديون. وهذا ما يطلق عليه “Rowbotham” اسم “العبودية”: “a slavery relationship” بين البنك والمستدين الذي رهن أي شيء مقابل هذا القرض مما يعطي هذا البنك القدرة العالية على التحكم بالاقتصاد.
حتى إن الكاتب يطرح إشكالية أخرى هي تهرّب البنوك من الـ 10% الاحتياطي بحيث أصبحت تأخذ أموال المودعين وتستثمرها بسندات الخزينة مع البنك المركزي مما أعطى البنوك قدرة أعلى على التحرك. مثلاً في العام 1997 أظهرت إحصائيات “Bank of England” أن الأموال المفبركة كانت 25 بليون $ بشكل عملة نقدية طبعها البنك المركزي وضخها في الاقتصاد. بينما فبركت البنوك والأسواق 655 بليون $. أي أن نسبة 97% من قيمة الأموال أتت عن طريق الديون وليس عن طريق الكتلة النقدية التي طبعها البنك المركزي.
في المملكة المتحدة على سبيل المثال، تبين إحصائيات بنك إنجلترا لعام 1997 أن المبلغ الإجمالي للأموال التي تم إصدارها من قبل البنك المركزي نيابة عن حكومة المملكة المتحدة هي فقط 25 مليار جنيه استرليني بشكل اوراق نقدية وعملات معدنية بينما خلقت البنوك ومجتمعات البناء ما تبقى من 655 مليار جنيه استرليني (97٪ من جميع الأموال المستخدمة في المملكة المتحدة) عن طريق إقراضها في صورة قروض وقروض شخصية وسحب على المكشوف.
وبالتالي، فإن الأموال المقترضة تشكّل ما يقرب من كامل الأسهم المالية في المملكة المتحدة. وينطبق الشيء نفسه في أمكنة آخرى.

ماذا يريد “Michael Rowbotham”؟
يريد خلق نظام جديد يكون فيه سياسة نقدية عادلة تجاه الناس ولا تعطي البنوك القدرة على استغلال الناس عن طريق الديون.
يرى الكاتب أن العلاقة بين الدائن والمدين علاقة غير عادلة. إنها علاقة عبودية نظراً للقدرة العالية التي يتمتع بها المصرف للسيطرة على الطريقة التي نتصرف بها بأموالنا من خلال صناعة الأموال.
تكمن المشكلة في صناعة الأموال من خلال الديون وليس من خلال طباعة الأموال مما لا يوازي بين ما يطرحه البنك المركزي من أموال وبين إنتاج أو استهلاك. ما يعطي المصرف القدرة على تحديد من يستطيع الحصول على قرض ومن لا يستطيع، وهذا نوع من الـ “Monopoly”: احتكار لكمية الأموال الموجودة والمصارف هي التي تقرر من الستفيد.
إنها نظرة “كارل ماركسية شيوعية” بمعنى أن رأس المال هو الذي يتحكم بالناس ومن يتحكم برأس المال هي المصارف التي تتحكم بالأموال الموجودة وأصحاب العقارات يتحكمون بالعقارات. وأغلب الظن أن هذه القروض ستذهب إلى أصحاب الأراضي الذين يملكون من الملاءة المالية ما يخولهم الحصول على قروض وسدادها ورهنها مما يعزز الطبقية في المجتمع. فتكون هذه الطبقة المالكة هي العليا وما غير ذلك دونها.
إذاً المصرف هو الذي يتحكم بالاقتصاد وكمية الأموال الذي يجب ضخها في السوق. فإذا أراد البنك ركود الاقتصاد يوقف إعطاء القروض وإذا أراد إنعاش الاقتصاد فإنه يعطي القروض ويخفض نسبة الفوائد فتستطيع الناس العمل والعيش “ببحبوحة”. إنه اقتصاد متضررّ وتحتكره المصارف وهذا جزء كبير من مشاكل العالم الثالث مثل لبنان ومصر وغيرهم. فهذه البلدان استدانت الأموال أكبر بكثير من قدرتها على الإنتاجية فوقعت في مشاكلها الحالية. وبحسب الكاتب فإن هذا النظام الربوي هو المسؤول عن مشاكل العالم الثالث. تؤدي كثرة القروض بحسب الكاتب إلى التضخم وزيادة الأسعار بشكل عام وكلفة الإنتاج والتضخم بكل العالم وذلك لأن ضخ القروض يؤدي إلى زيادة الأموال ورفع الأسعار وإذا لم تُضخ القروض يقع الناس في مشاكل كبيرة لأن عليهم سداد الفوائد.
يريد الكاتب نظاماً يناقض الفكرة الماركسية فعلى الطبقة العاملة أن تثور على هذا الوضع. كما يدعو إلى خلق اقتصاد عبر طبع الأموال وليس عبر إعطاء القروض فتصبح الدولة المتحكم الأكبر لعملية القروض عن طريقها وليس عن طريق المصارف.
يخلص الكتاب إلى طرح نظرية اجتماعية مفادها: “نحتاج إلى حاكم عادل” وليس مصرف يستغل السلطة للحصول على إفادة شخصية خاصة.
من بين التعليقات التي نشرت عن هذا الكتاب:
“إنه أداة أساسية للتثقيف الذاتي”، “نظريةRowbotham واضحة ومبتكرة”، “قبضة الموت من أفضل الكتب حول كيفة التحرك نحو نظام المال من أجل عالم مستدام وشامل”. بينما وجد البعض أن الكتاب “قد فشل لأنه يرى أن جميع الأمراض الاقتصادية سببها واحد وهو النظام المصرفي الذي يتم من خلاله إنشاء ٩٧% من أموالنا. ثم يقدم مخطط غير مرجح للإصلاح النقدي كحل”.


*من أعضاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة- لبنان.

الكوليسترول أزيل رسمياً من قائمة المواد الضارة للجسم*

العدد التاسع والأربعون ربيع 2019- 49

بريد القراء

 


اعترفت حكومة الولايات المتحدة الامريكية أخيراً أن الكوليسترول ليس مصدراً من مصادر القلق. وعليه فقد تم الغاء التحذير عنه والذي كان موجوداً منذ السبعينيات لتجنب أمراض القلب والشرايين المسدودة.
وهذا يعني أن البيض والزبدة ومنتجات الألبان الكاملة الدسم والمكسرات وزيت جوز الهند واللحوم قد تم تصنيفها الآن على أنها آمنة وتمت إزالتها رسميًا من قائمة الأغذية ذات الضرر لصحة الإنسان.
كما ذكرت وزارة الزراعة الأمريكية ، المسؤولة عن تحديث البيانات التوجيهية الغذائية بانها لن تحذر الناس من تناول الأطعمة عالية الكوليسترول، وسوف تركز بدلاً من ذلك على السكر باعتباره المادة الرئيسية المقلقة للصحة.
قال طبيب القلب الأمريكي ستيفن نيسن: إنه القرار الصحيح. لقد حصلنا على إرشادات غذائية خاطئة. لقد كانوا مخطئين منذ عقود “.
لقد كان المفهوم الخاطئ أنه عندما نتناول المزيد من الأطعمة الغنية بهذا المركب، تصبح أجسامنا أقل نمواً. وإذا حرمنا أنفسنا من الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من الكولسترول – مثل البيض والزبدة والكبد – فإن جسمنا ينمو.
الحقيقية عن الكولسترول أنه يتم إنتاج معظمه في اجسادنا من قبل الكبد. يتكون العقل في المقام الأول من الكوليسترول. من الضروري أن تعمل الخلايا العصبية.
الكولسترول هو الأساس لإنشاء جميع هرمونات الستيرويد ، بما في ذلك هرمون الاستروجين، التستوستيرون، والكورتيكوستيرويدات.
ارتفاع الكوليسترول في الجسم هو مؤشر واضح يدل على أن الكبد في صحة جيدة.
الدكتور جورج مان مدير مساعد في دراسة فرامنغهام عن حدوث وانتشار مرض القلب والأوعية الدموية (CVD) وعوامل الخطر فيها: الدهون المشبعة والكولسترول في النظام الغذائي ليست هي السبب في مرض القلب التاجي. هذه الأسطورة هي أعظم خدع القرن، الكوليسترول هو أكبر خدعة طبية في كل العصور. لا يوجد شيء مثل الكوليسترول السيء. لذلك يمكنك التوقف عن محاولة تغيير مستوى الكوليسترول الخاص بك. تثبت الدراسات أنه بدون شك، الكوليسترول لا يسبب أمراض القلب ، ولن يمنع نوبة قلبية. غالبية الناس الذين لديهم نوبات قلبية لديهم مستويات كولسترول طبيعية.
______________________
* بريد القراء ن.د.غ.ر. نقلاً عن
https://www.washingtonpost.com/news/wonk/wp/2015/02/10/feds-poised-to-withdraw-longstanding-warnings-about-dietary-cholesterol/?utm_term=.1982832f86fa

أبطال الخيم

أ. زينب ضاهر*

العدد الثالث والخمسون ربيع وصيف 2020

تحت الشمس الحارقة، ومن ظلمة الليل القارس، يخرج أطفال من خيمهم المبلولة بالشتاء، ويطؤون تراب الأرض بنعال ممزقة، يمسكون بقرآنهم الكريم، ويسارعون إلى حفظ آياته، وتعلّم ما أنزل الله سبحانه وتعالى، وبهذه الصلة مع خالقهم، يتحدّون الفقر والحاجة، ويتخلّقون بأكمل الأخلاق فيصبحوا أغنياء بالله، وبهم سينصر الله كلمته ودينه، بجعلهم رجالاً ونساءً صالحين ومصلحين.
فمن يتقي الله تعالى ويصبر على صعوبات الدنيا، لن يضيّع الله تعبه ولا صبره، وسيرزقه علماً وحكمةً وفلاحاً.

أن تكون طفلاً، سورياً نزح أهله من بلاد أنهكتها الحرب، تعيش في خيمة، تستيقظ ولا تجد أدنى مقوّمات الحياة، تنشأ مُشرّداً في منطقة جرداء، تموت من بردها في الشتاء وتحترق من شمسها في الصيف وأن تلعب بالحجارة، لهو واقع صعب ومرير.
ولكن أن تتحوّل هذه الأرض وهذه الخيمة إلى جنّة، لهو أمر ممكن.
حسين عمّار نازح سوري يعيش في عرسال، قضى إخوته في الحرب الدائرة في سوريا ونزح هو ووالدته وزوجته، وزوجات إخوته ليجد نفسه مسؤولاً عن أرامل وأيتام.
عائلة حسين ليست الوحيدة، أحاط به في منطقة عرسال عدد كبير من العائلات والأرامل والأيتام، اللواتي جمعهنّ في مخيّم واحد، يضمّ 9 عائلات، 18 أرملة، وخمسة أطفال أيتام الأب والأم.

مخيّم ليس كالمخيّم
كان لا بُد من حماية الأطفال والأرامل، حمايتهم ليس فقط من الفقر، ولكن من الجهل والبطالة والكسل، وأهمّ من ذلك حمايتهم من اليأس.
ليس هناك أصعب من طفل لا طموح له، لا حبّ ولا أمل بمستقبل سعيد، وليس هناك أسهل من تحويل هذا الواقع بالوعي والعلم، ولا يتمّ ذلك إلا عبر الصلة بالله تعالى.
فمن كان متصلاً بالله عز وجل، حباً وذكراً وتلاوةً للقرآن الكريم، لن ينقطع أبداً عن عمل الخير، ولا بُدّ أن يستخدمه الله تعالى لنصرته ولإعادة بناء ما تهدّم وليس فقط في وطنه، ولكن في كل بقاع الأرض.
يعي حسين عمّار هذه الحقيقة جيّداً، لذلك سعى إلى إنشاء خيمة تعليمية خاصة لتحفيظ الأيتام القرآن الكريم، ومساعدتهم في دروسهم المدرسية.

برنامج ثابت
يلتزم الأطفال ببرنامج ثابت للحفظ وهو ثلاثة أيام في الأسبوع، وينقسمون إلى حلقتين، حلقة الإناث تحت عنوان “رتّل وارتق” للمدرّسة نايف صدّيق، وحلقة الذكور تحت عنوان “عبق القرآن” للمدرّس علاء محب الدين.
تتضمن حلقة الذكور 17 فتىً تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثالثة عشر، ويتراوح عدد الأجزاء التي يحفظونها بين جزئين و12 جزءاً.
يداومون ثلاثة أيام في الأسبوع، مدة الدرس ساعتين ونصف.
من نشاطات هذه الحلقة الذهاب إلى الملعب، إقامة إفطارات جماعية خاصة في شهر رمضان المبارك، والذهاب إلى المساجد لحضور محاضرات علمية.
أمّا المسابقات، فيتم إقامة العديد منها، آخرها مسابقة حفظ 50 حديثاً شريفاً، مسابقة المحافظة على صلاة الجماعة فجراً وعشاءً كل يوم في خيمة معيّنة، بالإضافة إلى مسابقة حفظ سورتي يوسف والسجدة.
أمّا عن حلقة الإناث، فتتضمن 22 فتاةً، يتراوح حفظهنّ بين الجزئين والستة أجزاء، تتخلّل حصة تحفيظ القرآن الكريم نشاطات ترفيهية ويُقام حفل تكريم عند الانتهاء من كل مسابقة.
وهناك عدة مسابقات وهي كالآتي:
1- مسابقة على عدد الصفحات، الحضور، اللباس والأخلاق.
2- مسابقة حفظ أربعة أجزاء في شهر واحد وهو المستوى الأول والأصعب.
3- مسابقة حفظ ثلاثة أجزاء في شهر واحد وهو المستوى الثاني.
4- مسابقة حفظ جزئين في شهر واحد وهو المستوى الثالث والأسهل.

تعليم وتوعية
للأرامل حصة، تتعلّمن القرآن الكريم ويحضرن الصفوف مع أطفالهن، ويتم إعطائهنّ دورات توعية وتعليمية وحتى نفسية، ليأخذن الخبرات اللازمة حول كيفية التعامل مع الضغوطات ونصائح تربوية ليقوموا بتربية جيل واعٍ وناجح، بالإضافة إلى تعلّم عدد من المهارات الحياتية تخوّلهنّ من العمل البسيط لإعالة أنفسهنّ حين تسنح الظروف بذلك.
إذ لا يتوفر لهنّ إمكانية العمل الدائم، وبالتالي يتم تمويل هذا المخيّم وأهله من قبل المؤسسات الإنسانية والاجتماعية، التي خفّ تمويلها كثيراً منذ سنتين، وباتت تعاني هذه العائلات من صعوبة في تأمين لقمة العيش.

برامج موسميّة
لكل إنسان الحقّ في الترفيه، لذلك هناك برنامج صيفي يتضمّن عدة أنشطة ورحلات ترفيهية لجميع أفراد المخيّم، الصغير والكبير والمسنّ أيضاً، بالإضافة إلى مسابقات تعليمية وترفيهية تشمل الجميع.
أما في شهر رمضان المبارك، فالأمر مختلف عن باقي الأشهر وهناك برنامج خاص يتضمّن مسابقات قرآنية، مسابقات حديث، الصلاة جماعة وإن كان ممكناً في المسجد، إفطارات جماعية وإحياء لليلة القدر، سحور جماعي وختمة للقرآن الكريم.
يُضاف إلى ذلك تعزيز روح العطاء لدى الجميع عبر إنشاء صندوق للتبرعات مخصص للمخيم والغاية منه تعليم الأطفال على التبرع وعلى الصدقة.
ختاماً، لا يمكن لأي كان إلا أن يرفع القبعة احتراماً لكل الجهود التي يبذلها أي إنسان لإنشاء حياة كريمة ناجحة ويساعد في تعويض هذه العائلات الحياة التي تركوها خلفهم جرّاء الحرب.
والإنسان الحقيقي، هو إنسان أينما ذهب، ونتاجه الخلّاق والمبدع في تحويل الصعوبات إلى تحديات ترتقي بالمجتمع ككل، سيزهر أينما حلّ وارتحل. وسينبت رجالاً ونساءً صالحين من تحت الفقر والحرمان، وسيبنون العالم من جديد، ويرحمون من حولهم بالعلم والفلاح، ومن خلال صلتهم بالله عز وجل، يصبرون وسيهزمون كل ما يقف بوجههم ويحول دون إكمال حياتهم الجميلة.


*من أعضاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة – لبنان