إعجاز النعاس

د. صبحي شوقي زُردق*

العدد التاسع والأربعون ربيع 2019 – 49

مقدمة
الليل والنهار آيتان من آيات الرحمن، فالنهار للحركة والمعاش والليل للسكن والنوم،أما إذا اعترضت أحدنا مشكلة أو أزمة سببت له الخوف والقلق فإن النظام الرباني -والذى أشرنا إليه بين النشاط نهاراً والنوم ليلاً- سوف يختل، وهذا الإختلال سوف يترتب عليه خلل في نظام الجسم الفسيولوجي والنفسي في شكل الشعور بالإجهاد والمشقة، بسبب اختلال عملية النوم…وفي مقالتي أحاول اثبات حقائق تحدث عنها العلم الحديث من خلال آية قرآنية واحدة … فقال تعالى في شأن الليلة التي سبقت غزوة بدر:
{إإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} (الأنفال:11)
في تفسير ابن كثير: يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أماناً من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى:{ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم}[آل عمران : 154]. قال أبو طلحة كنت ممن أصابه النعاس يوم أُحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف( أي الدروع).
إذاً قد أنزل الله عز وجل “النعاس” على جُند المسلمين في معركة بدر الكبرى ومعركة أحد … وهو الأمر الملفت للنظر…ليكون السؤال المباشر الذى يَرد على الأذهان هو : هل هناك يا تُرى من فائدة علمية وراء إنزال “النعاس”، وفي تلك الأوقات العصيبة تحديداً؟

حقائق في علم النفس و الأعصاب
قبل البدء في الحديث عن الإعجاز في الآية،هناك حقائق علمية لا بد لنا أولاًمعرفتها والوقوف عليها، وهى حقائق قد زَودنا بها العلم الحديث في مجالي علم النفس وعلم المخ والأعصاب،هذه الحقائق هي :
الحقيقة الأولى
إن خوض الحرب أو انتظارها من الضواغط النفسية من الدرجة الخامسة (الدرجة الكارثية)، وهي الدرجة الأشد على الإطلاق، فعلماء النفس قد قسموا الضواغط النفسية stressors- طبقاً لشدتها إلى خمس مستويات وهى : خفيفة، متوسطة، شديدة، بالغة الشدة، وكارثية.

والضواغط الكارثية (المُذهلة) هى الضواغط والأحداث التي يخشى الإنسان فيها على نفسه أو على غيره من الموت والهلاك، وهى مثل معايشة لحظات الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات، أو كوارث من صنع البشر مثل الحروب والإنفجارات النووية…
وبناءً على تلك الحقيقة العلمية فإن الجنود في جيش المسلمين ليلة معركة بدر كانوا قد عاشوا أشد أنواع ومصادر الضغوط زلزلةً و تأثيراً على النفس .
الحقيقة الثانية
ينقسم الجهاز العصبي التلقائي إلى جهاز عصبي سمبثاوي (الوِدي)، والجهاز العصبي الباراسمبثاوي (اللاوَدي)، لكن الضغوط النفسية الشديدة تسببتهيجاً كبيراً فقط في الجهاز العصبي السمبثاوي (الوِدي).
الحقيقة الثالثة
إن تهيج واستثارة الجهاز العصبيالسمبثاوي (الوِدي) يسبب صعوبة الدخول في النوم، كما أن التهيج في السمبثاوييؤدي إلىتثبيطالجهاز العصبي الباراسمبثاوي (اللاودي) الذى يعمل أثناء النوم على توفير الطاقة وإعادة بناء ما تلف أثناء اليقظة، ولن يقوم الباراسمبثاوي بعمله إلا إذا انطفأ وتوقف نشاط السمبثاوي أولاً.
الحقيقة الرابعة
إن نشاط الجهاز السمبثاوي الزائد نتيجة الخوف والقلق أو أي كرب عموماً يزيد من مؤشر اليقظة والحذر في بداية الأمر، ولكن هذا الخوف إذا طالت مدته أو زادت شدته فقد يؤدي ليس فقطإلى طرد النوم من العين، بل وأيضاً إلى استنفاذ طاقة ونشاط الجسم،مما قد يؤدي إلى الدخول فى”حالة الإجهاد” الذهني والبدني، مع الفتور، وضعف النشاط لدى الشخص الخائف .
الحقيقة الخامسة
إن فرط نشاط الجهاز السمبثاوي (الودي) على حساب الباراسمبثاوي يؤدي إلى حالة مؤقتة من عدم التوازن بين الجهازين هو ما يُسمى طبياً بــ” عدم التوازن العصبي الذاتي”Autonomic Imbalance وهو ما يترتب عليه عدم التوازن النفسي والفسيولوجي للشخصواستنفاذ الطاقة.
الحقيقة السادسة
لكي يبدأ الشخص الخائف فى الخلود إلىالنوم لابد أولاً من ” إطفاء ” جهاز السمبثاوي المتوهج بداخله، وذلكلكي تتاح الفرصة لجهازالبارسمبثاوي (اللاودي) بأن يمارس عمله–أثناء فترة النوم – في إعادة البناء وإصلاح الجسم وتوفير الطاقة .
الحقيقة السابعة
إطفاء جهاز السمبثاويSympathetic Off يحاول بعض الناس فعله من خلال تناول بعض المشروبات أو المأكولات المحتوية على الماغنيسيوم أو المنجنيز أو الكالسيوم مثل الحليب، والبعض الآخر يحاول إطفائه بالعقاقير المهدئة أو المنومة بغرض المساعدة على الدخول فى النوم.

الإعجاز العلمي للآية
بناء على التفسير السابق للآية الكريمة {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} والذى يُبين أن ما أنزله الله تعالى على جُند المسلمين في الليلة السابقة للقاء العدو في غزوة بدر من نعاس وأمن ونوم هو نعمة كبرى ومنحة عظيمة امتن الله عز وجل بها على الجُند رحمةً منه…
ولكن علمياً: لماذا كان إنزال “النعاس” نعمة كبرى ؟
بناءً على الحقائق العلمية السالف ذكرها، فإنه بسبب صعوبة الموقف وهوله ليلة المعركة لن ينام الجُند من تلقاء أنفسهم أبداً، لأنه من المعروف أن الخوف والقلق الشديدين يمنعان من الدخول في النوم، وذلك بسبب غلبة الجهاز السمبثاوي الخاص بالخوف على الجهاز الباراسمبثاوي…لأن القاعدة العلمية أن أحد الجهازين فقط ينبغي أن ينشط، ولا يجوز أن يعملا معاً في نفس التوقيتمع إعطاء الأولوية للجهازالسمبثاوي (الودي)…
ومع عدم توفر ما يُسمى في عصرنا الحالي بالمنومات أو المهدئات، سيكون إنزال النعاس نعمة كبرى ومنة عظيمة من الله على جُند المسلمين، لأنها ببساطة هى النعمة التىستُطفىء جذوة الجهاز السمبثاوي المشتعلة بسبب القلق والخوف المسيطر على الجُند في تلك الليلة، وبالتالي يتمكن الدماغ من الدخول في النوم، دون أى منومات أو مهدئات، رحمةً من ربك بهم، وبناءً عليه فإن “نعمة النعاس” سوف تحقق للجُند فائدتين علميتين عظيمتين هما :

أولاً : استعادة التوازن النفسي 
فبما أن النعاس يصاحبه أيضاً الشعور بالأمان وطمأنينة النفس، فإن هذا الشعور سوف يعادل ويوازن الشعور الذى سبقه من الخوف والقلق الشديدين، وبالتالي تحقيق التوازن النفسي الداخلي وهو ما يمنع أو يقلل شعور الجُند بــ ” الإجهاد” صبيحة لقاء العدو، ولعل هذا التوازن النفسي كان أكثر وضوحاً فى معركة أحد فى قوله تعالى {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [آل عمران: 154].

ثانياً : استعادة التوازن العصبي الذاتي
إذ لم ينم الجُند فى تلك الليلة واستمر الخوف والقلق حتى صبيحة لقاء العدو لسوف يتعرض كل الجُند إلى حالة من الشعور بــ ” الإجهاد و المشقة” stress بسبب العمل الزائد والطويل للجهاز السمبثاوي المستنفذ للطاقة Sympathetic Overactivity على حساب الباراسمبثاوي الموفر للطاقة وهو ما سيؤدى إلى اختلال التوازن بين الجهازين العصبيينAutonomic Imbalance وهذا الإجهاد قد يسبب إلحاق الهزيمة بجُند المسلمين…
فجاء إنزال النعاس من الله عز وجل لينقطع به نشاط السمبثاوي المُجهد للجسم وموارده، وليبدأ به عمل الباراسمبثاوي الباني لما هدمه السمبثاوي ، وهو ما يحقق التوازن بين الجهازين العصبيين Autonomic Balance، وبالتالي يسترد الجُند عافيتهم ويستعيدوا نشاطهم وقوتهم صبيحة المعركة … وهو ما يمكنهم من سحق الأعداء وكسب المعركة.
الخلاصة
كان وراء إنزال النعاس على جُند المسلمين “سر علمي” كبير … فالخوف والقلق يشعلان الجهاز العصبي السمبثاوي في الجسم، والذى له تأثير مستنفذ للطاقة والنشاط … وعلى العكس فإن النعاس يسمح للجهاز الباراسمبثاوي بعمله فىتوفير مخازن الطاقة وإعادة بناء ما تم هدمه بالجهاز السمبثاوي، وبالتالي استعادة النشاط والطاقة واستعادة التوازن النفسي والعصبي، فما أنفعه من توازن… وما أعظمها من نعمة …وصدق الله إذ قال {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}[الذاريات:21].
________________________________________
* جامعة الأسكندرية – كلية الطب. أخصائي المخ والأعصاب والطب النفسي. ومؤلف كتاب النفس والكرب.
عناوين فرعية

ًبركة الاستيقاظ باكرا

د. ميساء بنات

العدد التاسع والأربعون ربيع 2019 – 49

من منا لم يسمع المثل الشعبي (نام بكير وفيق بكير وشوف الصحه كيف بتصير!) ؟ لعلنا قد أدركنا قيمة هذه المقولة ولو متأخرين. إذ باتت المحافظة على أوقات محددة للخلود الى النوم والاستيقاظ باكراً صعبة في ظل التغيّرات المستمرة في نمط حياتنا العصرية.
قبل بضع سنوات، أجرى علماء الأحياء دراسة علمية حول فوائد الاستيقاظ في الصباح الباكر واكتشفوا عدداً من المزايا التي يشعر بها الناس الذين يخلدون الى النوم باكراً.
تمحورت الدراسة حول ظاهرة مهمة جدا تسمى الساعة البيولوجية. إذ لكل منا عدّاد بيولوجي يدور داخل جسده كل 24 ساعة. تتأثرهذه الساعة بعدة عوامل: كالجوع، سرعة ضربات القلب، وجهوزية الجسد للنوم. لكل منا ساعة بيولوجية خاصة تسمى الكرونوتايب Chrono-type وهي جدول زمني يحدد للشخص الوقت الذي يشعر فيه بالتعب.
قد نتساءل لماذا نبدأ بالتثاؤب حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر مثلاً؟ الجواب متعلق بالكرونوتايب الخاص بنا. حدد علماء الأحياء الفترات الأكثر إنتاجية بين حوالي الساعة الخامسة صباحاً وحوالي الساعة التاسعة مساءً.

سواء كان لدينا عادات نوم جيدة أم لا، فإن أجسامنا تتعامل دائماً مع هذه الأوقات بالطريقة نفسها. لذلك ومن أجل الاستفادة من فوائد جدول النوم الذي تم ضبطه بيولوجياً، يجب البدء بالاستيقاظ في وقت مبكر. لكن ما هي هذه المزايا وهل لهذا الجدول التأثيرالفعلي في حياتنا؟

اختبر علماء البيولوجيا هذا السؤال الدقيق نفسه لسنوات واستخلصوا أن الاستيقاظ باكراً يؤثر في الأمور التالية:

• الانضباط
تشيرالأدلة العلمية أن الذين ينهضون في وقت مبكر هم في الإجمال أجدر من سواهم في وضع جداول الاجتماعات وتنفيذها لأنهم قاموا بتكييف أنفسهم على العمل بجد وذكاء أكثر من الآخرين.
إذ أن تدريب النفس على الاستيقاظ في الخامسة صباحاً مثلا يتطلب قدراً هائلاً من الثبات العقلي لتجنب إطفاء زر المنبه. لذلك فإن الاستيقاظ المستمر عند أو قبل شروق الشمس يكسب الشخص ذهناً منظماً.

• الكفاءة والإنتاجية
أظهر عدد من الدراسات أن الأفراد الذين يستيقظون مبكراً يتمتعون بقدرة عالية على التعامل مع المشاكل، ذلك لأنهم يتحكمون أكثر بتفاصيل حياتهم الشخصية والمهنية. ولأن الاستيقاظ المبكر يزيد من الكفاءة والانتاجية ، فيمكن للأشخاص التركيز بشكل أفضل على الأهداف والاطلاع على وجهات النظر المختلفة قبل اتخاذ القرارات الحاسمة.

• الحد من التوتر
تؤسس أول ساعة أو ساعتين من اليوم للساعات الأربع عشرة المقبلة. لذلك فان الوقت الكافي لإكمال روتين الصباح يخفف من كمية الإجهاد الذهني الخارجي الذي قد يواجهه الشخص طوال اليوم. وجدت الدراسات أن الذين يستيقظون في وقت مبكر هم أكثر تفاؤلاً و طموحاً بشكل عام. من ناحية أخرى، يميل محبو السهرإلى الإبداع غير أنهم يعانون من ارتفاع معدلات التشاؤم والقلق والاكتئاب.

• التحفيز
عند ممارسة أعمال الصباح الروتينية ، يوصي العديد من علماء النفس بإضافة شيء يلهم ويبقي الشخص متحمساً ومندفعاً لتحقيقه. ولكن ما هي أفضل الأشياء التي يمكن الحصول عليها من هذه البرمجة الصباحية؟ الأفكار متنوعة ولكن على الشخص اختيار شيء يرتبط بشكل مباشر بأهدافه ويحفز تفكيره. سواء كان يحب الاستماع إلى البرامج الإعلامية الهادفة أو مشاهدة الأفلام الوثائقية أو قراءة الكتب المثيرة. وعليه أن يتعلم من كل ما يستمع إليه. حتى أن بإمكانه دمج الإفادة الفكرية مع تناول وجبة الإفطار لتحفيز عقله أثناء تغذية جسمه. ما عليه سوى الانتباه إلى حجم الطعام المستهلك أثناء مشاهدة البرامج او المطالعة.

• نوعية نوم أفضل
كم مرة يحاول الشخص النوم لفترات إضافية في عطلة نهاية الأسبوع للتعويض عن ساعات الاستيقاظ باكراً خلال الاسبوع؟ في الحقيقة أن النوم الإضافي لا يقدم أية مزايا، لأن جودة النوم لا علاقة لها بالساعات الفعلية للنوم. في الواقع، قد يشعر الشخص بالتعب بشكل خاص في الأيام التي ينام فيها لمدة تسع أو عشر ساعات. ولكن كيف يكون ذلك ممكنا؟ تعتمد جودة النوم بشكل أكبر على المثابرة والمحافظة على جدول نوم منتظم بسبب هذه الساعة البيولوجية الرئيسية، حيث تحاول أجسامنا الاستعداد جسديًا لفترات الراحة اللاشعورية لضمان الحصول على حوالي 8 ساعات من النوم. لذلك، كلما بقي الشخص مستيقظا حتى الساعة الثالثة أو الرابعة صباحًا، يصعب على جسمه أن يتهيأ بشكل صحيح للدخول في نوم عميق.

• وقت فطور مناسب
ما هو تفسير مقولة “الإفطار هو أهم وجبة في اليوم”؟ إن تناول وجبة فطور صحية يوفر الطاقة اللازمة للتركيز والأداء طوال اليوم. لا يدرك الكثير من الناس أن الجسد قد يشعر بالجوع حتى خلال النوم. لذلك من الضروري التزود بالوقود عند الاستيقاظ على الفور. هذه مشكلة يواجهها العديد من الذين يستيقظون متأخرين كل صباح تقريبًا؛ فعندما يستيقظون حوالي العاشرة او الحادية عشرة قد يتخطون الوجبة الأولى، هذه العادة تبطّىء عملية الأيض المسؤولة عن تحويل الطعام إلى طاقة صالحة للاستخدام. وإذا لم يعمل نظام الأيض قبل الغداء، فسيشعر الشخص بالكسل. ويؤثرهذا الجدول الزمني لتناول الطعام على زيادة الوزن ، وانعدام التركيز، ونقص الإنتاجية. لذا فإن تجنب هذه النتائج السلبية يكون من خلال البدء بتناول وجبة متوازنة صباحاً وكل يوم.

• وقت للتفكير والتأمل
بالنسبة للأفراد المشغولين بالمدرسة، بالعمل، بالأصدقاء أو بالعائلة، قد يكون من الصعب حصولهم على وقت هادئ، اذ لا يبقى لهم سوى القليل من الوقت للتفكير في حياتهم وأهدافهم ومستقبلهم. ولكن بدء اليوم بساعة أو ساعتين باكراً يفتح الفرص اليومية لتحديد الأهداف واكتشاف الفرص الجديدة. سواء كانوا يرغبون في تجربة هواية جديدة، أو بدء روتين جديد، أو يحتاجون فقط إلى بعض الوقت للتفكير أو التأمل. إن الإستخدام الجيد لهذا الوقت الهادئ يضمن البدء بيوم خال من الإجهاد، ولن يمضي وقت طويل حتى يبدأ التحسن الملحوظ في أداء الجسم وفي القدرة على التركيز.

• الاستيقاظ الباكر في الإسلام
سبق ذكر بعض المنافع التي يحققها الإنسان من الاستيقاظ باكراً: كالانضباط وكفاءة الإنتاجية والتنظيم والحد من التوتر والتحفيز على العمل وتحقيق إنتاجية أفضل والتمتع بوقت هادئ.
هذا السلوك الحياتي والثمرة التي يجنيها الإنسان من باكورة النهار يتلقفها المؤمن بصلاة الفجر فينهض إلى وضوئه ثم صلاته ويجعل أول نهاره توجهاً إلى فاطر السموات والأرض فيشعر أن محياه ومماته لله رب العالمين. ينهض باكراً بعد ليل قضاه وفق نظام الله في كونه، فالله تبارك وتعالى جعل الليل للنوم والراحة والسكون، وجعل النهار للعمل والكد والسعي إلى الرزق، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر، 61]. فعندما يتبع الإنسان سنة الله في كونه يكون شاكراً له على نعمائه، فكم يجب أن يحرص الإنسان على تطبيق منهاج الله في هذا الكون، فالبكور له أهمية في حياة الفرد مما ينعكس إيجاباً على حركة المجتمع وإنتاجه.

• البكور بركة
الإرشاد النبوي مع المسألة المطروحة يجد مداه على صعيد الأمة جمعاء وليس على صعيد الفرد فقط من خلال حسن استثمار الوقت واختيار أبركه، فتزدوج عندها البركة لتكون بركتين، بركة الإقتداء وبركة الإنتاج، فيكون الحظ كاملا من الدعاء النبوي: “‏ اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا ‏”1 ‏. فالبكور بركة وزيادة ونماء لخيري الدنيا والآخرة، والسهر شقاء وتعب وقلة في الدنيا والآخرة، تلك البركة التي خفّ أثرها في حياتنا، وتناسينا الأخذ بأسبابها، والتي كانت سبباً في رفعة سلفنا الصالح وقيادتهم للعالم. وها هو عمر رضي الله عنه يضرب الناس على السمر بعد العشاء ويقول مستنكراً: “أسُمَّراً أول الليل ونوَّماً آخره!؟ أريحوا كُتَّابكم .”2


1 رواه أبو داود 2606، الترمذي 1212، ابن ماجة 2236، صحيح الترغيب والترهيب 1693.
2 فتح الباري- شرح حديث رقم 599
Carskadon, M. A., Wolfson, A. R., Acebo, C., Tzischinsky, O., &Seifer, R. (1998). Adolescent sleep patterns, circadian timing, and sleepiness at a transition to early school days. Sleep, 21(8), 871-881.
Wolfson, A. R., &Carskadon, M. A. (1998). Sleep schedules and daytime functioning in adolescents. Child development, 875-887.
Gais, S., Plihal, W., Wagner, U., & Born, J. (2000). Early sleep triggers memory for early visual discrimination skills. Nature neuroscience, 3(12), 1335.
Wagner, U., Gais, S., & Born, J. (2001). Emotional memory formation is enhanced across sleep intervals with high amounts of rapid eye movement sleep. Learning & memory, 8(2), 112-119.

الشيشة أكثر ضرراً وسمّية من السيجارة

*إعداد م. وسيم فرشوخ

العدد التاسع والأربعون ربيع 2019 – 49

كان الناس يظنون أن النارجيلة صديقة ودية خفيفة الضرر حتى صارت تغوي المزيد والمزيد من الشباب والشابات في فرنسا وفي كثير من المجتمعات الشرقية والغربية على السواء. إلى أن جرت عليها الاختبارات الجدية مما أثار قلقاً لدى دوائر المنظمة العالمية للصحة.
إنه الغليون المائي، المعروف باسم الشيشة أوالنرجيلة أو الهوكا، ممارسة ناشئة في الشرق الأوسط وانتشرت على نطاق واسع في الغرب. فتحت له حوانيت أغْوَت الفئات الأصغر سناً فصاروا يستهلكونه في المقاهي وفي الشوارع والمنازل.

أولاً- ما هي آثارها على الصحة؟الشيشة أخطر من السجائر!
الدكتور آليس داشينو أخصائي علاج الإدمان النفسي، يقيّم: يظن معظم مدخني الشيشة، وحتى غير المدخنين، أن السمّية الناجمة عن تدخين النارجيلة قليلة نسبياً ويقللون من أهمية الأضرارالصحية الناجمة عن استنشاق كمية من المواد السامة الصادرة من دخانها.
كما يظن أولئك أن التبغ الممزوج بالفواكه المعطرة وأن ترطيب الدخان لدى مروره بماء النارجيلة يجعلانها أقل ضرراً من دخان السجائر، لكن الحقيقة أن هذا الظن ليس سوى مسألة إحساس وتوقع بلا دليل علمي.
أما نتيجة الاختبارات فقد أفضت إلى أن الماء لا يحتفظ سوى بنسبة 3% فقط من المعادن الثقيلة المنبعثة من دخان النارجيلة، وأن الـ97% من هذه المعادن تدخل في صدور مدخني النارجيلة وصدور من يجلس بقربهم. عدا عن كمية أول اوكسيد الكربون الناجمة عن الاحتراق غير الكامل وهي غاز سام بالغ التأثير على القلب وعلى الأوعية الدموية.

ثانياً- سمية الشيشة حقيقية:
أجريت دراسة نشرت في عام 2016، قارنت بين أثري النارجيلة والسيجارة وأفضت إلى النتائج الآتية:
يستنشق مدخن النارجيلة 74 ليتراً من الدخان السام، بينما يستنشق مدخن السيجارة الواحدة 0.6 ليتراً. وأن الرئة تمتص عند تدخين النارجيلة ضعفي كمية النيكوتين، و25 ضعفاً من القطران ، و11 ضعفاً من أول أكسيد الكربون.

ولا تزال الدراسات تحتاج إلى تطوير وتدقيق، في المقارنة بين طرق التدخين والمواد المستخدمة الطبيعية منها والصناعية وآثار كل منها على صحة الإنسان سواء كان مدخناً أو مجالساً، خاصة إذا كان المكان مغلقاً. لكنها تبقى بلا شك ذات أثر سيء على فئة المراهقين والشباب.
يضاف إلى ذلك عدم تغيير ماء النارجيلة بعد كل (رأس تبغ)، وعدم ترك المنتج يفحم، وعدم التدخين الجماعي للنارجيلة الواحدة وعدم تنظيف المعدات بشكل منتظم.
كل من هذه العناصر يضيف مزيداً من الأضرار على الصحة.

ثالثاً- الأمراض الناتجة عن تدخين الشيشة:
يؤدي تدخين الشيشة إلى أضرار كبيرة على صحة القلب، وقد قام باحثون في جامعة كاليفورنيا بقيادة الباحثة ماري رزق؛ وهي أستاذة مساعدة في الجامعة نفسها، بإجراء دراسة عن تأثير جلسة واحدة فقط من تدخين الشيشة لمدة ثلاثين دقيقة، على معدل ضربات القلب، وضغط الدم، وتصلُّب الشرايين، وتم نشر نتائج هذه الدراسة في المجلة الأمريكية لأمراض القلب، والتي كانت كالآتي:
أ‌) زيادة صلابة الشرايين
ب‌) فقدان مرونة الشرايين وتَيَبسها، وذلك يعد مؤشراً موثوقاً للسكتة الدماغية
ت‌) ارتفاع معدلات نبضات قلب المشاركين بنسبة 16 نبضة في الدقيقة
ث‌) ارتفاع ضغط الدم
ج‌) يزيد الفحم المستخدم في تسخين التبغ، من نسبة الإصابة بالسرطان، وذلك بسبب إنتاجه لمستويات عالية من أول أكسيد الكربون، والمعادن، والمواد الكيميائية المسرطنة. تعمل مواد التبغ والمعسل على تهيُّج الفم، وتزيد من خطر الإصابة بسرطانات الفم
ح‌) تُسَهِّل الشيشة انتقال عدوى الأمراض المختلفة بين المدخنين، عند مشاركة الشيشة
خ‌) يعتبر الأطفال المولودون لمدخني الشيشة، أكثر عرضة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي
د‌) يزيد الدخان الموجود في الشيشة نسبة الإصابة ببعض الأمراض، ومنها: سرطان المريء، وسرطان المعدة، ومشاكل في الرئة، وانخفاض الخصوبة

رابعاً- أسباب التعلق بالنرجيلة:
أ‌) هي أحد أساليب الظهور بمظهر التحرر والاستقلالية من سلطة الوالدين، يعتمدها المراهق كأسلوب ليحقق لنفسه شعوراً بخروجه من دور الطفولة واكتمال نموه واستقلاله
ب‌) يظن المراهق أنه تحرر بذلك من السلطة الأسرية وأن التدخين هو علامة نمو شخصيته وفرديته وأنه يستكمل بذلك رجولته واعتزازه بكيانه
ت‌) يدمن عليها بسبب مادة النيكوتين
ث‌) هي موضة العصر
ج‌) هي أداة من أدوات التسلية والترويح عن النفس
ح‌) يتناولها كبديل عن السجائر
خ‌) البطالة المنتشرة في بلادنا
د‌) يقول علماء الاجتماع إن من أسباب إقبال المراهقين على التدخين هو نقص التوعية الأسرية، والغيرة التي تتفشى في الأوساط الاجتماعية المرفهة، وعدم استغلال أوقات الفراغ بشكل جدي أو مفيد، كقراءة الكتب والمجلات، ومشاهدة البرامج الثقافية

خامساً- سبل المعالجة وطريقة الإقلاع عنها:
أ‌) يفضل تجنب الجلوس في تجمعات المدخنين، وحلقات تدخين الشيشة في المناسبات الاجتماعية العديدة، ويفضل البقاء في الخارج عند بدء جلسة تدخين الشيشة للحصول على بعض الهواء النقي، أو المغادرة.
ب‌) تجنب الأصدقاء المدخنين: يفضل تجنب الأصدقاء الذين يدخنون الشيشة لفترة من الوقت عند اتخاذ قرار الإقلاع عنها، والطلب منهم عدم التدخين عند التواجد معهم.
ت‌) إيجاد طرق للتعامل مع المواقف العصيبة: يفضل البحث عن طرق للشعور بالاسترخاء والراحة للتخفيف عن النفس، كأخذ حمام ساخن، وذلك لمنع التفكير بتدخين الشيشة.
ث‌) تجنب الملل: يعتبر الاهتمام بهواية جديدة والانشغال بنشاط ما، من الطرق الجيدة لإشغال الوقت، وتجنب التفكير بتدخين الشيشة.

سادساً- أثر التوعية في فرنسا إيجابي نسبياً:
أعلن المرصد الفرنسي للمخدرات والإدمان في عام 2017، أن نصف الشباب الذين يبلغون من العمر 17 عامًا قالوا إنهم قد دخّنوا بالفعل الشيشة مقابل 65٪ في عام 2014، وهذا يعني انخفاضًا مقبولاً في نسبة مدخني النارجيلة، وخاصة بين الفتيات وأن 7.7٪ من المراهقين قد دخنوا الشيشة بالفعل دون تجربة السجائر. لكن لا تزال تجربة السجائر تتعلق بستة مراهقين من أصل عشرة.

ختاماً- ما حكم تدخين النارجيلة ؟
جاءت الشريعة الإسلامية لمقاصد عظيمة، تحفظ للناس دينهم، ومقومات حياتهم، ومن أعظم هذه المقاصد التي اتفق عليها الفقهاء: (حفظ النفس)، فمنعت في سبيل تحقيقه كل مؤذ ومُضر، وأمرت باجتناب كل خبيث.
وفي ذلك يقول الله تعالى – في مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم -: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}(الأعراف: 157).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ”(رواه أحمد في “المسند (1/313)).
ومن المعلوم في هذه الأزمان -بعد تقدم العلوم التجريبية وتطور الطب الحديث- أن الدخان و(النارجيلة) من المواد المضرة ضررًا مباشرًا وبالغًا، لاحتوائها على مواد سامة، ومركبات ضارة، تسبب في العاجل أو الآجل الأمراض الخطيرة المميتة، وهذا باتفاق الأطباء.
وقد أصدرت دار الافتاء المصرية بتاريخ 5 سبتمبر 1999م فتوًى بأن التدخين حرامٌ شرعاً بعدما تبين بالعلم الحديث أضراره وخطورته، وذلك استناداً إلى قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29)، وإلى قوله تعالى:{ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195).
وبناءً عليه فلا يجوز تعاطيها ولا تدخينها، بل يجب اجتنابها وحفظ المجتمعات من ضررها، وهو واجب لا يتحقق إلا بتقوى الله تعالى أولاً، ثم بتعاون جميع الأفراد والمسؤولين. والله تعالى أعلم.


*من أصدقاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان
المراجع
 Anna Schaefer (25-2-2016), “Hookah vs. Cigarettes: The Truth”، www.healthline.com, Retrieved 20-8-2018. Edited.
“Shisha”, www.bhf.org.uk, Retrieved 20-8-2018. Edited.
Ana Sandoiu (7-8-2018), “How 30 minutes of hookah smoking.
affects your heart”، www.medicalnewstoday.com, Retrieved 20-8-2018. Edited.
“Hookahs”, www.cdc.gov, Retrieved 20-8-2018. Edited.
Terry Martin (5-2-2018), “An Overview of Quitting Smoking”، www.verywellmind.com, Retrieved 14-9-2018. Edited.
“Reasons to stop hookah/shisha – How to quit hookah”, www.beautyhealthtips.in, Retrieved 14-9-2018. Edited.
“Ways To Quit Shisha / Hookah”, www.quitshisha.com, Retrieved 14-9-2018. Edited.

فريضة الحج تتطلب 5 قرون ليؤديها جميع مسلمي العالم*

َ!فرضية غير دقيقة

العدد الثامن والأربعون شتاء 2019 – 48

أجرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية دراسة غير عادية من أجل تحديد أقصى موعد مطلوب لكي يؤدي كل مسلم في العالم مناسك الحج.
وأشارت الصحيفة في تقرير نشرته أمس إلى أن عدد الوافدين إلى مكة في موسم الحج بلغ ذروته في عام 2012، إذ بلغ 3.16 مليون حاج، مقارنة مع 1.7 مليون شخص في العام الجاري، حسب معطيات الصحيفة.
وعليه يبدو من المستحيل أن يُتاح لجميع المسلمين في العالم، والذين يقدر عددهم بـ1.8 مليار شخص، فرصة لأداء مناسك الحج ولو مرة في حياتهم.
وخلصت الصحيفة إلى أن 581 عاماً على الأقل هي الفترة المطلوبة كي يؤدي جميع المسلمين في العالم اليوم مناسك الحج.
رأي “الإعجاز”:
تبدو هذه العملية الحسابية ساذجة إن لم تكن متعمدة، فقد احتسب أصحابها الصغار والرضع ومن كل من لم يبلغ الحلم من المسلمين، ولم ينقصوا من حساباتهم من أعذر الله إليه بسبب فقره ونسبة هؤلاء ليست بالقليلة، هذا دون احتساب المنتسبين إلى الإسلام ولا يمارسون شيئاً من العبادات والله أعلم بعددهم.
ويبقى أن الله تعالى قد قبل أعذار الذين ينوون الحج ويستطيعون إليه سبيلاً، لكن تحبسهم الأعذار ومنها التقييد عليهم في بعض البلاد كالصين مثلاً، ومنها كذلك تحديد سقف لعدد الحجاج في كل بلد من البلدان. ولا ننسى أن توسعة الحرم مستمرة من عهد إلى عهد، وأن عرفة تتسع لبضعة ملايين وأنها تستوعب أكثر من ذلك في حال التناوب على المكوث فيها ساعة بعد ساعة. والله تعالى بالنوايا أعلم، وهو أحكم وأرحم.
_______________________

* من بريد القراء. المصدر: نيويورك تايمز https://arabic.rt.com/middle_east/965454

الإحرام وحماية التنوع الحيوي: إعجاز بيئي

د. صبحي رمضان فرج سعد*

العدد الثامن والأربعون شتاء  2019 – 48

لم يعرف العالم نظام المحميات الطبيعية إلا في القرن التاسع عشر، ففي عام 1864م أعلنت حكومة واشنطن “وادي يوسيميتي” Yosemite محمية طبيعية، وفي عام 1872م تأسست محمية “يلوستون” Yellowstone، بينما لم يعقد أول مؤتمر للمحميات إلا في عام 1964م.
وفي الوقت ذاته حرص الإسلام حرصاً شديداً على الحياة الفطرية، فاعتنى بتنميتها وحمايتها، فلقد عرفت العرب قديما ما يعرف بـ”الحِمى”، والحِمى هو المكان المحمي، خلاف المباح . فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا حمى إلا لله ورسوله”(رواه البخاري)، ومعناه: أن يمنع الإمام الرعي في ارض مخصوصة لتختص برعيها إبل الصدقة، مثلاً .
ويمكن القول بأن الإسلام كان أول من قرر مبدأ المحميات الطبيعية ، فلقد دعا إلى جعل مكة والمدينة حرمين آمنين ” أي محميتين طبيعيتين (حيويتين)” منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام، كما سن الإسلام التشريعات المناسبة لحماية الحياة البرية بهذه الأماكن المحرمة ؛ وبذلك كان له السبق في إدخال هذه التشريعات الحضارية المتقدمة للحفاظ على البيئة. ويمكن الأخذ بهذه التشريعات وتطبيقها على المحميات الطبيعية التي يتم إقرارها وتطبيقها في الوقت الراهن.
فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة “إن هذا البلد حرام لا يُعضد شوكه ولا يُختلى خلاه ولا ينفّر صيده ولا تُلتقط لُقطته إلا لمعرّف”، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر (نبات عشبي معمر ذو رائحة عطرية ذكية تشبه في الغالب رائحة الورد) فإنه لِقَينهم ولبيوتهم. فقال:”إلا الإذخر”. وروى الإمام مسلم عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن إبراهيم حرّم مكة ، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها، لا يقطع عضاها ولا يصاد صيدها” .

نبات الإذخر
وقوله صلى الله عليه وسلم “لا يعضد شوكه” وفي رواية “لا تعضد بها شجرة”، وفي رواية “لا يختلى شوكها” وفي رواية “لا يخبط شوكها”، قال أهل اللغة (العضد) القطع، و(الخلا) هو الرطب من الكلأ ، وقالوا: الخلا والعشب أسم للرطب منه، والحشيش والهشيم اسم لليابس منه، و(الكلأ) يقع على الرطب واليابس، وعدّ ابن مكي وغيره من لحن العوام إطلاقهم اسم الحشيش على الرطب. ومعنى (يختلي): يؤخذ ويقطع ، ومعنى (يخبط) : يضرب بالعصا ونحوها ليسقط ورقه ، وقد اتفق العلماء على تحريم قطع الأشجار التي لا يستنبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم قطع خلاها، واختلفوا فيما ينبته الآدميون. وقوله (ولا ينفر صيده) تصريح بتحريم التنفير، وهو الإزعاج وتنحيته من أوكاره، فإن نفرّه عصى، سواء تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل سكون نفاره ضمنه المنفر، وإلا فلا ضمان، قال العلماء ونبه على الإتلاف ونحوه؛ لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى”.
وحدد التشريع حدوداً جغرافية واضحة لهذه المحميات تعرف بـ “أنصاب الحرم”، وهى لمكة التنعيم في الشمال (6 كيلومترات) وأضاه في الجنوب (12 كيلومتراً) والجعّرانة في الشرق (16 كيلومترا) ووادي نخلة في الشمال الشرقي (14 كيلومترا) والشميسي (الحديبية من قبل) في الغرب (15كيلومترا) .
وتتفق الآثار على أن تحديد أنصاب الحرم تم عن طريق ملائكة الرحمن، وبالأخص جبريل عليه السلام، ولكنها اختلفت في زمن ذلك التحديد، وارتبط ذلك في الأساس ببناء البيت الحرام ، فذكر الأزرقي أنه تم في زمن آدم عليه السلام، بينما نقل محب الدين الطبري عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن الذي نصبها إبراهيم عليه السلام، ولم تحرك حتى كان قصي بن كلاب، فجددها، ثم لم تحرك حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث عام الفتح تميم بن أسيد الخزاعي فجددها، كما جددها من بعده عمر ومعاوية وعبد الملك بن مروان.
وكذلك فقد حرّم النبي صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى”، واللابة : هى الحرة ، وهى الحجارة السود. والمدينة تقع بين اللابتين: الشرقية والغربية. وفي الحديث المتفق عليه “المدينة حرم ما بين عير إلى ثور”. و”عير” جبل عند الميقات، و”ثور” جبل عند أحد ، من جهة الشمال .
وإلى جانب حرمي مكة والمدينة، لم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا “وجاء، وهو واد بالطائف وهو عند الشافعي – ورجحه الشوكاني – حرم، ولكنه عند الجمهور ليس بحرم .
وحرمة نطاق الحرم هى حرمة ذاتية دائمة ومطلقة، تحقيقا لمطلب الأمن الذي اختصه الله به ، فقال:{أو أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} (العنكبوت:67)، وأما نطاق الحل والذي يتحدد بالمواقيت المكانية للإحرام، فهو بمثابة محمية مؤقتة خاصة وليست له حرمة ذاتية كسابقه .

حدود ونطاقات الحل والحرم بمكة المكرمة
وتعرف المحمية الطبيعية بأنها “وحدة بيئية محمية تعمل على صيانة الأحياء الفطرية نباتية وحيوانية وفق إطار متناسق”. والمتأمل لمخطط المحميات الطبيعة المعاصرة يجد أنه لا يبعد عن ذلك وإنما يتطابق معه إلى حد بعيد ، فمخطط المحمية يقسمها إلى منطقتين أساسيتين: أولهما: منطقة القلب أو النواة ، وهى تمثل البقية الباقية من النظام الحيوي في حالته الطبيعية، وهى منطقة يتم حمايتها حماية كاملة وصارمة، بحيث لا يسمح فيها بأي صورة من صور الاستغلال، وقد تتضمن المحمية أكثر من قلب أو نواة. وثانيهما: المنطقة العازلة(نطاق الوقاية- النطاق الانتقالي)، وهى المنطقة التي تدهور فيها النظام الحيوي، وهى المستهدفة من الحماية والصيانة بما يساعد على إعادة تأهيلها، ويتم حمايتها بشكل صارم بصورة مؤقتة حتى تستعيد طبيعتها، ومن ثم يسمح فيها باستغلال الموارد الحيوية وفق ضوابط مقننة تكفل استمرارية حماية الأحياء الفطرية.


Source: http://www.arab-ency.com

نماذج تخطيطية لمحميات حيوية بسيطة وعنقودية
ولقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مواقيت الإحرام بالحج (حدود نطاق الحل) فجعل ميقات أهل المدينة “ذا الحليفة” (450كم شمال مكة)، ووقت لأهل الشام “الجحفة” (187كيلومتر شمال غرب مكة)، وهى قريبة من “رابغ” التي تبعد عن مكة بنحو 204 كيلومتر، وقد صارت “رابغ” ميقات أهل مصر والشام، ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم “جحفة”، وميقات أهل نجد “قرن المنازل” وهو جبل شرقي مكة يطل على عرفات، وبينه وبين مكة 94 كيلومتر، وميقات أهل اليمن “يلملم” وهو جبل يقع جنوب مكة، بينه وبينها 54كم، وميقات أهل العراق “ذات عرق” موضع في الشمال الشرقي لمكة، بينه وبينها 94كم . وهذه المواقيت التي عينها الرسول صلى الله عليه وسلم هى مواقيت لكل من مر بها، سواء كان من أهل تلك الجهات أم كان من أخرى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “هن لهن ومن أتى عليهن من غير أهلهن” .
ومعلوم أن الحج رحلة إيمانية تهدف بالأساس– كغيرها من سائر العبادات الأخرى- إلى رفع الإيمان وتحقيق التقوى، وعلى ذلك جاءت فاتحة آيات الحج بسورة البقرة وخاتمتها وقد حثت عليها (197-203) ، يقول تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} وختمت بقوله {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، وبالتالي كان الحج بما يشتمله من شعائر بمثابة “دورة تدريبية” يتزود من خلالها العبد بالاقتصاد وحسن المعاملة، وهو مطلب بيئي مفقود، حيث امتد الإسراف والجور إلى العديد من مناحي الحياة، حتى برزت وفرضت العديد من القضايا نفسها على الساحة البيئية المعاصرة، كالرعي الجائر والصيد الجائر والقطع الجائر” …الخ .
وهنا نستطيع أن نفهم الإشارة الكامنة في إرداف هذه الآيات المباركات بنهيه عز وجل عن الفساد وإهلاك الحرث والنسل، فيقول تعالى{ومن الناس مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة :204-205) .
يقول العلامة ابن كثير في تفسيره: “وإهلاك الحرث وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما”، وقال القرطبي: “ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملاً على الزرع، وطلب النسل، وهو نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب” .
ولم يطرح مصطلح “المحميات الحيوية” إلا ضمن برنامج الإنسان والمحيط الحيوي، فهو من المفاهيم والمصطلحات البيئية الحديثة التي انبثقت عن مؤتمر المحيط الحيوي الذي عقد في باريس في سبتمبر عام 1968م بدعوة من منظمة اليونسكو، وتعرف “المحمية الحيوية” بأنها وحدة إيكولوجية محمية تتصف بمجموعة من الخصائص منها أن تمثل نموذجاً من الأقاليم الجغرافية الحيوية، وإن تمثل نظاماً ايكولوجياً منتخباً بعناية أي وحدة إيكولوجية منتخبة A Representative Ecological Unit، وهو الإسم الرسمي للمحمية منذ عام 1982م، وهذه الوحدة الإيكولوجية المنتخبة تميز المحمية عما كان شائعاً من قبل عند اختيار المحميات بسبب موقعها المتميز أو قيمتها الجمالية دون مراعاة للمواقع المنتخبة للأقاليم الجغرافية الحيوية.
وفي مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية الذي عقد في استوكهولم عام 1972م أقر المؤتمر توصية بضرورة إنشاء شبكة عالمية من المحميات الحيوية بما يضمن صيانة نماذج منتخبة من النظم الإيكولوجية الحيوية العالمية، وفي عام 1975م نشر الاتحاد الدولي لصيانة الطبيعة والموارد الطبيعية المعروف بـ “الأيوسن” IUCN خريطة للأقاليم الجغرافية الحيوية التي تضمنت 193 إقليماً رئيساً وفرعياً يتم من خلالها اختيار محميات هذه الشبكة العالمية.
ولم تتوقف عظمة التشريع عند هذا الحد بل امتدت لتقرر عقوبات على المخالفين ، يقول تعالى في حق من قتل الصيد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (المائدة:95) ، وهذا مخصوص بصيد البر دون صيد البحر، إذ يحرم على المحرم قتله أو ذبحه أو الإشارة إليه وإن كان مرئياً، أو الدلالة عليه إن كان غير مرئي، أو تنفيره ، وكذلك يحرم عليه بيعه وشراؤه وحلب لبنه. أما صيد البحر فيحل لقوله سبحانه {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} .
كما شهد الإسلام مولد أول “محكمة لرعاية البيئة” في التاريخ ، فقد روى عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين: أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين إلى ثغرة ثنية (أي ثغرة في الطريق)، فأصبنا ظبياً ونحن محرمان فما ترى؟ فقال عمر إلى رجل جنبه تعال حتى أحكم أنا وأنت. قال: فحكما عليه بعنز فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي، حتى دعا رجلا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال:لا . قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ قال: لا، فقال عمر: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضرباً ، ثم قال إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وهذا عبد الرحمن بن عوف.
وقد قضى السلف في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش وبقر الوحش والأيل (ذكر الوعول) والأروى (أنثى الوعل) في كل واحد من ذلك ببقرة ، وفي الوبر والحمامة والقمرى والحجل (الدجاج الوحشي) والدبسى (نوع من الطيور) في كل واحد من هذه بشاه ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الأرنب بعناق (العنز التي زادت على أربعة أشهر) وفي الثعلب بجدي، وفي اليربوع (حيوان على شكل الفأر) بجفرة (العنز التي بلغت أربعة أشهر).
واختلف العلماء في ضمان الشجر إذا قطعه، فقال مالك: يأثم ولا فدية عليه، وقال الشافعي وأبو حنيفة: عليه الفدية، واختلفا فيها؛ فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع القيمة، قال الشافعي: ويضمن الخلا بالقيمة.

_________________________
* أستاذ جغرافيا البيئة المساعد – كلية الآداب- جامعة المنوفية- جمهورية مصر العربية
مراجع البحث:
1- الإمام النووي، شرح صحيح مسلم، (9/102-103).
2- السيد سابق، فقه السنة، المجلد الأول، ، الطبعة الحادية والعشرون، دار الفتح للإعلام العربي، القاهرة،1420هـ-1999م.
3- زين الدين عبد المقصود غنيمي، قضايا بيئية معاصرة ، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، الكويت، 2004م.
4- صلاح عبد الجابر عيسى رؤية جغرافية للأبعاد المكانية في أعمال ومناسك الحج، مجلة الدارة ، العدد الأول ، شوال 1405هـ، يونيو 1985م.
5- عبد الله ناصر الوليعي، الجغرافيا الطبيعية والدراسات البيئية ، مجلة المنهل، جدة، 1997م.
6- علي علي السكري، البيئة من منظور إسلامي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1995م.
7- علي مهران هشام، المحميات الحيوية وسائل لحماية البيئة، الكويت، متاح على: (http://www.kisr.edu).

كن لطيفاً من أجل صحّة أفضل

ترجمة أ. زينب ضاهر*

العدد الثالث والخمسون ربيع وصيف 2020

اللطف فضيلة وهي محط إعجاب وتقدير في معظم الحالات. ولكن هل تعلم أن كونك لطيفًا يمكن أن يكون مفيدًا لصحتك أيضًا؟ إن التعاطف مع الآخرين يعيد ضبط أنظمتنا البيولوجية المُجهدة باستمرار ويردها إلى “حالة الراحة” الطبيعية لدينا، ما يؤثر بشكل إيجابي وكبير على صحتنا بشكل عام وذلك بحسب دراسة رائدة للبروفيسور الدكتور جايمس دوتي (James Doty) من جامعة ستانفورد .

ليس من مصلحتنا أن يكون نظامنا العصبي في “حالة الخطر” طوال الوقت
بحسب الدكتور دوتي، لا يعمل الجهاز العصبي بشكل طبيعي إذا كان في حالة خطر طوال الوقت. ولكن للأسف إن نمط حياتنا السريع الذي يرفع من مستوى الأدرينالين في الجسم يجعلنا نعمل بشكل رئيسي ونحن في حالة خطر وليس في حالة راحة كما من المفترض أن يكون، ما يسبب عدداً كبيراً من الأمراض المتنوعة.
عند التعرض للضغوط يفرز جسمنا بروتينات تشير إلى وجود التهابات. وبسبب هذه الإفرازات يسجل جهازنا العصبي انخفاضاً في قدرات جهاز المناعة لدينا، وهو المسؤول عن الدفاع عن الخطر الذي تسببه الجراثيم أو البكتيريا التي تسبب الأمراض.
إن التحفيز المفرط المستمر لأجهزتنا العصبية، والناجم عن أسلوب حياتنا السريع يحثّنا على الحكم على الآخرين. هذا الحكم السريع على الآخر يقلل من قدرتنا على التصرف بدافع الرحمة والتعاطف مع الغير. ويضعنا في حالة الخطر أيضاً وبشكل مستمر، ما يؤثر بشكل سلبي على صحتنا على المدى الطويل.

اللطف والرحمة يعيداننا إلى “حالة الراحة”، بدءًا من الجهاز العصبي
يؤثر الشعور باللطف والتعاطف مع الآخرين، وكذلك القيام بأعمال الخير، على صحتنا بشكل كبير.
يقول الدكتور دوتي: “عندما ينوي أحدهم القيام بعمل لطيف، فإن ذلك يؤثر بشكل كبير على فيزيولوجية الانسان، فيخرجه من “حالة الخطر” إلى “حالة الراحة”، ويؤدي ذلك إلى تغيّر في طريقة تعامله مع الأحداث”.
وبدل أن تكون استجابتنا السريعة مرتكزة على الخوف أو القلق أو التوتر، فإننا نستجيب بشكل أبطأ، وبتحرر أكثر، مما يؤدي إلى أعمال مثمرة ومنتجة، أكثر ابتكاراً وتعاطفاً.
وقد أظهرت ذلك دراسات قامت بها جامعة ايموري “Emory”، وأدّت النتائج إلى دعم فكرة أن الأعمال اللطيفة الدائمة والتي تظهر التعاطف مع الآخرين أو ممارسات التأمل المرتكزة على الرحمة يمكن أن تقلل من التفاعل السلبي بين الجهاز العصبي وجهاز الغدد الصماء.

الجهاز العصبي الودي مقابل الجهاز العصبي السمبتاوي
عندما نقوم بأي عمل لطيف وبدافع الرحمة، ينتقل نظامنا العصبي من النظام العصبي الودي (Sympathetic nervous system) والذي يعيش فيه أغلبنا نتيجة لنمط حياتنا السريع والمزدحم إلى النظام العصبي اللاودي (Parasympathetic nervous system).
ومعنى ذلك أن النظام العصبي الودي والذي يبقي الانسان في حالة متحفزة وتسمى “حالة الخطر”، وعنده ترتفع ضربات القلب ويتسارع تدفق الدم في الشرايين ويكثر إفراز الانسولين ويتعرق الانسان، بسبب صخب الحياة اليومية. بينما يؤدي عمل الخير واللطف والتبسم والهدوء إلى الانتقال إلى النظام العصبي اللاودي والذي يطلق عليه “حالة الراحة”.
يؤدي هذا الانتقال إلى انتظام معدل ضربات القلب وخفضه، ما يعزز نظام المناعة ويساعد على مكافحة العدوى أو الأمراض.
وماذا عن التيلوميرات (Telomeres)؟ وهي الأجزاء أو الأطراف التي ينتهي عندها الكروموزوم، ولكي تتصوّرها، يمكنك تخيل أغطية صغيرة تحمي نهايات الكروموزومات أثناء انقسام الخلايا. تصبح التيلوميرات أقصر في كل مرة يقوم فيها كروموزوم بنسخ نفسه أثناء انقسام الخلية، وهو ما يحدث باستمرار.
في نهاية المطاف، تقصر التيلوميرات إلى حدّ يمنعها من القيام بعملها في حماية المعلومات الجينية المخزنة في الكروموزومات، ما يؤدي إلى توقف الخلايا في النهاية عن التكاثر – وهي عملية تعرف باسم موت الخلايا.
هذه هي الطريقة التي تعمل بها التيلوميرات كساعة قديمة في كل خلية لدينا؛ كلما قصرت التيلوميرات بشكل أسرع، أصبحت عملية الشيخوخة أسرع.
وقد أظهر البحث الذي أجراه د. دوتي أن من الآثار الإيجابية للعيش في نظام عصبي لاودّي إطالة حجم التيلوميرات مما يشرح نظريًا، بمرور الوقت، كيف يؤدي اللطف والرحمة إلى إبطاء عملية الشيخوخة في بعض خلايا الجسم.
كما أن إظهار اللطف والتعاطف يمكن أن يعيد ضبط أنظمتنا العصبية بعيدًا من “حالة الخطر” ليعيدها إلى “حالة الراحة”، وإن تجربة اللطف أو التعاطف من قبل الآخرين لها أيضًا تأثير إيجابي على أنظمتنا.
وأثبت البحث الذي أجرته ستيفاني براون (Stephanie Brown) الأستاذة بجامعة ستوني بروك (Stony Brook) أن تجربة التعاطف يمكن أن تؤدي إلى تحسينات هائلة في صحتنا العقلية والبدنية أيضًا.

من أجل صحة جيدة: كن لطيفاً
يتيح لنا البحث الذي ذكرناه أعلاه فهم فوائد التفاعلات الإيجابية والخيّرة للإنسان على صحته العقلية والبدنية.
فالأثر الإيجابي الناجم عن كونك لطيفاً لا يؤثر فقط على صحتك ، بل يؤثر أيضًا على تفاعلاتنا مع الآخرين ويطلق تفاعلًا إيجابيًا ذا فوائد بعيدة المدى عبر مجتمعات بأكملها. وبذلك فإننا بإعادة ضبط أنظمتنا إلى “حالة الراحة” عن طريق إخراج أنفسنا من “حالة الخطر” ، نتمكن من معالجة الأشياء بشكل أكثر وضوحًا ومن اتخاذ خيارات أفضل والتمتع بحياة أكثر سعادةً واستقرارا.
لذا اجتهد في المحافظة على لطفك وهدوئك وافعل الخير، ففي ذلك مصلحتك ومصلحة الذين مِن حولك!


*من أعضاء منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

[1] “Our bodies are chronically in “threat mode”—but being kind recalibrates our nervous system”، لجايمي بال “JAIMEE BELL”، رابط المقالة على موقع big thing: https://bigthink.com/mind-brain/kindness-benefits-james-doty?utm_term=Autofeed&utm_medium=Social&utm_source=Facebook&fbclid=IwAR2R-fUeMFtrro5gYK_M8WBlT6Wdu4nCZm5rO0LGhE2qOT5qUoNEnSHbANI#Echobox=1580879373

التطورات العالمية وتداعياتها على العالم

سير الأحداث وضرورة اللحاق بالركب التقني

الأستاذ طلال أبو غزالة

العدد الثامن والأربعون شتاء 2019 – 48

حذّر الأستاذ طلال أبوغزالة(1)، المؤسس والرئيس لمجموعة طلال أبو غزالة الدولية، من أزمة اقتصادية “طاحنة” ستضرب العالم بحلول 2020، مركزها الولايات المتحدة الأميركية، وستكون أقوى وأشد بكثير من تلك التي حدثت في 2008.
وأكد في حديث مع “البلاد”(2) أن ما سيحدث هو أزمة اقتصادية، وليست مالية كسابقتها، ستأكل “الأخضر واليابس”، وستؤدي إلى كساد كبير، وغلاء وبطالة وارتفاع “فاحش” في الأسعار.
مجموعة طلال أبو غزالة الدولية هي شركات عالمية تقدم خدمات المحاسبة والمحاماة والاستشارات الإدارية ونقل التكنولوجيا والتدريب والتعليم والملكية الفكرية وتقنية المعلومات والتوظيف والترجمة والنشر والتوزيع.
ودعا أبو غزالة الدول والحكومات والشركات والمؤسسات على مختلف أحجامها وقطاعاتها لضرورة الاستعداد لهذه الأزمة والتصدي لها، كل حسب ما يناسبه.
وأوضح أن المؤشرات التي تدل على ذلك كثيرة، وهو توقع يؤيده به الكثير من الخبراء والمفكرين الاقتصاديين ومراكز الدراسات والأبحاث حول العالم.
وبيّن أن الغرب بدأ بالفعل استعداده وبات قلقا تجاه هذا الأمر، لكننا للأسف في الدول العربية ما زلنا “نائمين” على الموضوع، حيث لا تحركات جدية ولا تجهيزات ذات قيمة.
وأوضح أن الأزمة ستبدأ بأميركا وتقضي على كل اقتصادات العالم، فكما يقال “عندما تعطس أميركا يصاب العالم بالإنفلونزا”.
ومن المعلوم أن النظام المالي العالمي مرتبط بطريقة أو بأخرى بأميركا، فهي تسيطر على التجارة وحركة الأموال الدولية، منذ اتفاقية “بريتون وودز” في العام 1944، عندما أصبح الدولار العملة الأساسية والمرجعية بالعالم.
وتوقع أبوغزالة أن يصل سعر برميل النفط جراء الأزمة لأكثر من 150 دولاراً، واعتبر ذلك ميزة للدول المنتجة (الخليج العربي مثلا) على عكس الدول التي تعتمد على الاستيراد.

أسباب الأزمة
أما الأسباب، فبدأها بتحول أميركا إلى دولة مستوردة للنفط بعد استهلاك معظم إمكاناتها، وبالتالي فإنها ستفرض شروطها على الأسواق بحكم قوتها العسكرية للهبوط بالأسعار، كذلك ارتفاع الفوائد في السوق المالية هناك ما سيؤثر على الأسواق العالمية.
وتابع “يضاف إلى ذلك الحرب التجارية التي تقودها واشنطن ضد العالم، في مقدمته الصين التي تعتبرها أشد خصومها الحقيقيين، وهو صراع كبير لن ينتهي، وقد قرأ كثيرون وعلموا عن تبادل الضرائب والرسوم والعقوبات بين البلدين”. وأكد أن الصين منافس قوي وشرس لأميركا، وفي مختلف المجالات، فضلاً عن أن معظم الصناعات الأميركية الهامة وشركاتها الكبرى تنتج أعمالها وتقيم مصانعها بالصين، (…) وطبيعي أن يكون لدى واشنطن مشكلة اسمها بكين.
وزاد أبوغزالة “الأمر لا يتوقف هنا، فبعض مراكز البحوث والدراسات في أميركا، تتوقع أن تعلن واشنطن حربا حقيقية عسكرية على الصين عندما تقع الأزمة”.
وأكد أن ما يزيد المشكلة بأن ارتفاع أسعار النفط سيخدم خصوم أميركا، كروسيا وإيران، وفنزويلا وغيرها، وهو ما سيزيد تأجيج الموقف العالمي.
(…) التعليم الرقمي.. ضرورة
واتهم أبوغزالة النظام التعليمي بجميع دول العالم دون استثناء، بأنه غبي وخاطئ؛ كونه لا يتماشى (مع الفرق بين الدول) مع التقنية، مؤكداً أنه يدرس رفع دعوى قضائية على جميع مؤسسات التعليم العالي حول العالم بهذا الخصوص لاسيما في الدول العربية.

واستند بفكرته إلى أن جميع أنظمة التعليم تخرّج أشخاصاً يحملون شهادات، لكنهم باحثين عن وظيفة، وبالتالي هم عاطلين عن العمل، مؤكداً أن مؤسسات التعليم لم تتكيف مع احتياجات السوق المستقبلية، وهي الاختراع والإبداع.
وتساءل لدعم فكرته “ما هي غوغل، إنها برنامج، فكرة، ليس فيها مواد أولية ولا منتجات ولا رأس مال، لكنها الآن أكبر شركة بالدنيا، فحجمها وصل إلى تريليون دولار، وهذا ما نحتاجه”.
وتابع أبوغزالة “تساءلتُ في عدة محاضرات وكلمات ألقيتها بالشهور القليلة الماضية في جامعات هارفرد وMIT وكولومبيا، وغيرها: ألم تدركوا أنه إذا لم تتغيروا فإن التسونامي المعرفي سيقضي عليكم، (…) قلت للحاضرين: لماذا ترككم واحد مثل بيل غيتس ولم يكمل دراسته؟، (…) أنتم تخرّجون أناسا يتسببون بمشكلة في سوق العمل”.
وزاد “مصيبتنا بالبلدان العربية أكبر، فالغرب على الأقل يدّرسون باللغة الإنجليزية، وبالتالي يستطيع الخرّيج العمل في أي مكان، على عكسنا نحن حيث يدرس الطلاب بالعربية، وبالتالي نقضي على مستقبله”.
وضرب أبوغزالة مثالاً حياً على ذلك، حيث قال “لدي أكبر شركة محاماة بالمنطقة، ولا أستطيع إيجاد موظفين عرب يتقنون اللغة الإنجليزية للعمل معنا، فنحن بحاجة إلى شخص يستطيع قراءة وفهم المستندات التي يريد رفع قضية فيها، والتي معظمها باللغة الإنجليزية”.

وأوضح أن كل شيء حولنا تطور وواكب المعرفة والرقمنة، إلا التعليم خصوصاً في البلدان العربية، (…) انظر إلى الصناعات حولنا، الهواتف، السيارات أين كانت وكيف أصبحت؟

إصلاح التعليم قبل الاقتصاد
وعاد أبوغزالة ليؤكد أن الدول العربية تعاني مشكلة سيطرة وزارات التعليم (الحكومية) على التعليم، وهو ما يزيد التأخير ويعطل التقدم نحو المستقبل، موضحاً أن دولاً متقدمة استطاعت السير بخطوات كبيرة بهذا الاتجاه، فمثلاً بأميركا وفنلندا لا توجد وزارة تعليم أساساً، فيما ألغت السويد التعليم الحكومي نهائياً.
ويؤكد أبوغزالة أن إصلاح التعليم يجب أن يسبق إصلاح الاقتصاد، بل يجب أن يسبق إصلاح كل نواحي الحياة، موضحاً أنه لا يمكن القضاء على الفساد بشكل نهائي مثلاً إلا بالتحول الرقمي؛ لأنه عندما يكون هناك حكومة إلكترونية ومواطن إلكتروني وخدمات رقمية، فإن ذلك سيلغي التمييز؛ كون الجهاز لا يعرف الأسماء و”الواسطات والمحسوبيات”، مبيناً أن هناك ضرورة ملحة لنقفز إلى التعلم الرقمي، فتقدم الدول الآن يقاس بعدد المواطنين الرقميين، (بالدول الإسكندنافية يصل إلى 90 %).

توفر الفرص في عصر الإنترنت
أما المشكلة الثانية الأعظم، فهي بحسب وجهة نظر أبوغزالة توفر الفرص، حيث لم تتجهز الدول لمواكبة المستقبل والعصر الرقمي، (…) نحن انتقلنا من التعليم إلى التعلم، والشخص يستطيع الآن أن يعلم نفسه، وأن يصبح عالماً بفضل التقنية والإنترنت الذي بات يوفر كل المعلومات.
وفضّل أبوغزالة تسمية الثورة المعرفية التي نعيشها بالثورة الصناعية الرابعة، والتي اعتبرها أقوى من الصناعية والزراعية وغيرها، منبهاً إلى أهمية خلق طريقة للعيش في ظل الذكاء الاصطناعي الذي سيطغى على كل شيء. وأشار إلى أن ذلك يحتم على الجميع سواء كان حكومات أو قطاعاً خاصاً أو أي جهة كانت، مواكبة سرعة التطور التقني؛ لأن الوظائف تغيرت وفرص العمل أصبحت ذكية.
وتابع “مثلا خذ مهنة المحاسبة، فهي بأقصى حد لن تكون موجودة بعد 20 عاماً، حيث لن يكون هناك مدقق حسابات، فالأمر سيصبح تكنولوجياً بالكامل، وسيحل محلها البرامج التقنية”.


كلية المخترعين
وعن أحدث مشروعات المجموعة، بيَّن أبوغزالة أنه تم إطلاق كلية بالأردن هي الأولى من نوعها على مستوى العالم تعنى بالإبداع، وفكرتها الرئيسة تكمن في أن الطالب لا يستطيع التخرج إلا بعمل اختراع ما. وأكد أن العالم يحتاج إلى التغيير، فالثروة في المستقبل تأتي من الاختراع، (…) لاحظ مثلا كيف كانت بالسابق البنوك وشركات العقارات والطاقة هي الأكبر على مستوى العالم. أما الآن، فشركات التقنية هي التي تسيطر.
ويؤكد أبوغزالة أن الفرص المتاحة للشباب اليوم لا تحصى، كما أنها لا تقارن بتلك التي كانت متوافرة سابقاً، رابطاً ذلك بعصر السرعة والتقنية وبالإنترنت الذي أتاح كل شيء وفتح الأبواب على مصراعيها.


(1)طلال أبو غزالة:

مؤسس ورئيس مجموعة طلال أبو غزالة الدولية، التي تعد أكبر مجموعة شركات عربية تقدم الخدمات المهنية في مجالات المحاسبة والاستشارات الإدارية ونقل التكنولوجيا والتدريب والتعليم والملكية الفكرية والخدمات القانونية وتقنية المعلومات والتوظيف والترجمة والنشر والتوزيع.

وفي عام 1972 أنشا شركتين هما شركة طلال أبو غزاله (تاجكو) وأبو غزاله للملكية الفكرية (أجيب)، حيث اختصت الأولى بمجال المحاسبة واختصت الثانية في مجال الملكية الفكرية. ومنذ ذلك الحين، أسس طلال أبو غزاله ما مجموعه 14 شركة للخدمات المهنية المتخصصة في مجالات متنوعة مثل الإدارة والاستشارات والخدمات القانونية وتقنية المعلومات وغيرها كثير.

وعلى مر السنين، نجح في إنشاء شراكات وثيقة مع منظمات عالمية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية.

وفي 4 أبريل/نيسان عام 2007 عيّن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون طلال أبو غزالة نائباً.

(2)نقلاً عن جريدة البلاد البحرينية التي أجرت المقابلة بتاريخ 18 تشرين الثاني 2018 تحت عنوان: “النفط والحروب التجارية أسباب للأزمة ومركزها أميركا طلال أبوغزالة: أزمة اقتصادية عالمية “طاحنة” في 2020″.

رابط المقالة: http://albiladpress.com/newspaper/3687/534452.html

كأس واحدة من الخمر يومياً… تقتل

خالد حنون*

العدد الثامن والأربعون شتاء 2019 – 48


يقول ريتشارد هورتون محرر مجلة “لانسيت” (المجلة الطبية العالمية The Lancet): “نحن نفهم الآن أن شرب الكحول هو أحد الأسباب الرئيسية للموت في العالم اليوم، علينا أن نتحرك الآن. علينا أن نتحرك الآن وبسرعة لمنع الملايين من الموت. وبإمكاننا ذلك”.
نشرت المجلة دراسة كجزء من برنامج أبحاث العبء العالمي للمرض (Global Burden of Disease (GBD، هدفت إلى تقييم النتائج والأنماط الصحية المتعلقة بالكحول بين عامي 1990 و 2016 في 195 دولة بحسب العمر والجنس.
وقدمت الدراسة عدة نتائج حول انتشار الاستهلاك الحالي للكحول، وانتشار الامتناع عن تناولها، واستهلاك الكحول بين الشاربين الحاليين للكحول، ونسبة الوفيات وسوء الحالة الصحية العامة الناجمة عن استهلاك الكحول والتي ينجم عنها 23 مضاعفة صحية، مثل الأمراض المعدية وغير المعدية والإصابات.
وكشفت أن شرب أي كمية مهما كانت قليلة من الكحول يومياً قد تكون لها مضارّ صحيّة، بخلاف اعتقاد سائد بأن كأسًا واحدة من النبيذ يوميًا قد تكون مفيدة للصحة.
لا تفرق الدراسة بين البيرة والنبيذ والليوكور، ويختلف متوسط شرب الكحول من بلد لآخر وبين الجنسين. ويبلغ عدد شاربي الخمر في العالم مليارين و400 مليون، 63% منهم من الرجال. وأشار الباحثون إلى أن شرب الخمر أودى بحياة مليونين و800 ألف عام 2016.
في ذلك العام، كان الخمر سابع أسباب الوفاة المبكرة والإصابة بإعاقات حول العالم، والسبب الأول للوفاة في حوادث وانتحار لدى من هم بين الخامسة عشرة والتاسعة والأربعين.
وأظهرت الدراسة أن شرب كأس واحدة من الخمر يوميًا على مدى عام يزيد بنسبة 0,5% خطر الإصابة بواحد من 23 مشكلة صحية منها السرطان وأمراض القلب والأوعية والجلطات الدماغية وتليّف الكبد والحوادث وأعمال العنف وغيرها، وذلك لدى من هم بين الخامسة عشرة والخامسة والتسعين.
وأكدت الدكتورة إيمانويلا غاكيدوEmmanuelaGakidou، الباحثة في جامعة واشنطن والمشاركة في إعداد الدراسة، “مخاطر شرب الخمر على الصحّة كبيرة جدا”. وأضافت: “هناك حاجة ملحة وعاجلة لإصلاح السياسات للتشجيع إما على خفض نسبة استهلاك الكحول لدى الناس أو الامتناع عن استهلاكها بشكل كلّي.. القولُ بأن كأساً أو كأسين من الخمر مفيدان للصحة ليس سوى أسطورة”.
وبحسب ماكس غريسوولد Max Griswold (كبير الباحثين والمؤلف الرئيسي)، شارك في هذه الدراسة أكثر من 500 مساهم ما بين باحث وأكاديمي وغيرهم من أكثر من 40 بلدا، وقال: “بعد جمع أكبر كمية من الدلائل والمعلومات حتى يومنا هذا، توضّح دراستنا العلاقة بين الصحة والكحول، يسبب تناول الكحول خسارة صحية كبيرة بطرق لا تعد ولا تحصى، في كل أنحاء العالم”.
ويجدر الإشارة إلى أن ثمانية بلدان من أصل 10، من بين أول عشرة دول رائدة تتضمن أقل نسبة وفيات ناتجة عن الكحول بين عمري الخامسة عشرة والتاسعة والأربعين هي في منطقة الشرق الأوسط وهي: الكويت، ايران، فلسطين، ليبيا، السعودية، اليمن، الأردن وسوريا. الدولتان المتبقيتان هما المالديف وسينغابورة.
على العكس، تقع سبعة دول من بين البلدان العشرة الرائدة في أعلى نسبة وفيات ناتجة عن الكحول في مناطق بحر البلطيق، أوروبا الشرقية، آسيا الوسطى، وتحديدًا روسيا وأوكرانيا وليتوانيا وروسيا البيضاء ومنغوليا ولاتفيا وكازاخستان. والثلاثة الآخرون هم ليسوتو وبوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى.
وفي المعدّل، تتربّع رومانيا على قائمة البلدان التي يشرب فيها الرجال أكبر كمية من الخمر يوميًا (8,2 كؤوس) تليها البرتغال ولوكسمبورغ (7,3 كؤوس يوميًا).
أما لدى النساء، فتتصدر أوكرانيا الترتيب (4,2 كؤوس يوميًا) تليها أندورا ولوكسمبورغ (3,4).
___________________________
*عضو منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة – لبنان
https://www.alarabiya.net/ar/medicine-and-health/2018/08/24/المصدر: باريس – فرانس برس
http://www.healthdata.org/news-release/new-scientific-study-no-safe-level-alcohol

الوقاية والشفاء من مرض السَّرطان بالصّيام

بقلم الأستاذ وسيم مصري*

العدد الثامن والأربعون شتاء 2019 – 48

ليس من شيء شرعه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، أو في السُّنة النبوية إلا وكان القصد منه الرحمة وصالح الإنسان. يقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)}[يونس: 57-58].
نتناول في هذا المقال الصيام، وقدرته الشفائية لمرض السرطان. وذلك من خلال عرض طبيعة هذا المرض، أسس العلاج، والآليَّة الشفائية للصيام بالنسبة لهذا المرض بشكل خاص.
الصيام ركن من أركان الإسلام، ولم يكن الله سبحانه وتعالى ليأمر به، مع ما يتضمنه من كبت لشهوة الأكل والشرب وغيرها، إلا لوجود فوائد صحية ونفسية. يقول تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ ءَامَنُوا كُتِب عَلَيْكمُ الصيَامُ كَمَا كُتِب عَلى الّذِينَ مِن قَبْلِكمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ (183) أَيّاماً مّعْدُودَتٍ فَمَن كانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلى سفَرٍ فَعِدّةٌ مِّنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَ عَلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طعَامُ مِسكِينٍ فَمَن تَطوّعَ خَيراً فَهُوَ خَيرٌ لّهُ وَ أَن تَصومُوا خَيرٌ لّكمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)}[البقرة 183-184] فالإشارة إلى البركة والخير الموجودين في الصيام واضحة في نص هاتين الآيتين.

قبل أن أتطرق إلى فوائد الصيام بالنسبة لمرض السرطان، تعالوا لنتعرف على هذا المرض:
ما هو السرطان؟
السرطان نمو متزايد للخلايا دون انضباط بنظام الأنسجة الأساس من حيث عمر الخلية، أو إتجاه نمو النسيج، ففي الأحوال العادية الصحيحة ينمو كل عضو بمقدار معين، وتنمو أنسجته وخلاياه في إتجاه معين وفق نظام دقيق بحيث لا يتجاوز النسيج أكثر مما هو محدد له، وفق المنظومة النسيجية المتناسقة في جسم الإنسان، فإذا حدث خلل ما في هذا النظام الدقيق لأسباب متعددة فقد تنمو بعض الأنسجة دون مراعاة قوانين النمو فتصير سرطانية بمعنى أنها تنمو في أي إتجاه غير محترمة لقواعد النمو، ولا تبالي بالأنسجة المجاورة، ولاتتوقف عند حد معين، ولا تراع ما سيقابلها في طريقها أثناء نموها من عصب ستجتاحه في طريقها، فتسبب الشلل، أو شرياناً أو وريداً دموياً تقرضه في طريقها، فيحدث النزيف الدموي، أو غدة تربك نظام إفرازاتها بالزيادة، أو النقص، أو العدم الكلي، أو عظام تحدث فيها الهشاشة، بل والكسور، أو عضو آخر من أعضاء الجسم زاحمه الورم، وربما تضخم الورم، وضغط على أنسجة، أو أعضاء أخرى فأعاق وظيفتها أو عطلها تماما.
يرتبط نمو الخلايا في الجسم وفق القواعد الدقيقة، والمحكمة التي أودعها الله تعالى في المادة الوراثية (الـ DNA) الموجودة في نواة كل خلية من خلايا الجسم، ولكن قد يحدث خلل في أجزاء من هذه المواد الوراثية لأسباب مختلفة كالإشعاع والسموم البيئية. ما يترتب على ذلك الخلل أن انقسام وعمل الخلايا قد يختلّ، وهذا ما يعرض المريض للإصابة بالسرطان.
يجدر الذكر هنا أن الله سبحانه تعالى زود الخلايا العضوية في الجسم بآليات خاصة، تمكنها من إكتشاف وتصليح تلك الأخطاء الممكنة الحدوث في المادة الوراثية، بشكل يمنع تفاقم المرض. فتلك الأخطاء، أوالتشويشات في المادة الوراثية تحدث يوميا، وعند كل الناس ولأسباب مختلفة (عمليات إنتاج الطاقة، السموم في الغذاء، الإشعاع وغيرها…) ولكن من آثار رحمة الله، وبإيداعه لوسائل التصليح يصرف عن أكثرنا هذا المرض.

كيف يمكن للصيام المساعدة في الشفاء من مرض السرطان (وحتى تجنبه أصلاً):
الآلية الأولى: في إنقسام الخلايا(…) وجد العلماء على مدى الـ 70 سنة الماضية، وبشكل واضح، بأن تقليل الإمداد بالسعرات الحرارية (الطعام) للجسم يبطئ عملية تكاثر (إنقسام) الخلايا. هذا يعني أن في حالة حدوث أي خلل بالمادة الوراثية، وفور تكون خلايا غير حميدة (سرطانيّة) فإن الجسم لديه مدة زمنية أطول لتصليح الخلل قبل أن يتفاقم الوضع، وتتكون خلايا سرطانيّة أخرى.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الدراسة التي قام بها بعض العلماء عام 2005 في جامعة كاليفورنيا مع الفئران، حيث قام العلماء بدراسة مجموعتين من الفئران (أ) مَن حُدّد مقدار ما تأكل خلال اليوم (نسبة 5% أقل من المعتاد)، و(ب) من سُمح لها أن تأكل كما تشاء، دون أي تحديد. ما وجده العلماء هو أن مقدار وسرعة إنقسام الخلايا للمجموعة الأولى كانت أقل من تلك للمجموعة الثانية. يقول البروفيسور مارك هيليرستاين إن إنقسام الخلايا هو عامل أساس في تطور وإنتشار مرض السرطان. فكبت عملية الإنقسام (من خلال الصيام مثلاً) يعطي المجال والوقت اللازمين لآليات الجسم للتخلص من الخلايا السرطانية قبل تفاقم المرض. وجدير بالذكر أن الخلايا السرطانية، وبسبب الخلل في مادتها الوراثية تحتاج لكميات كبيرة من السعرات الحرارية، وهكذا فالصيام يبطئ نموها بشكل كبير. ويضيف البروفيسور مارك هيليرستاين إن تقليل إستهلاك السعرات الحرارية هو العامل الأساس المثبت علمياً الذي بمقدوره أن يطيل العمر، وهذه هي الآلية الأولى.
الآلية الثانية: تتعلق بالعلاج الكيماوي، فقد أثبتت الأبحاث العلمية أن الصوم يساعد على إستهداف الخلايا السرطانية من قبل المواد الكيميائية بشكل خاص دون المس بالخلايا الحميدة (السليمة). فالعلاج الكيماوي عادة يقوم ياستهداف الخلايا السرطانية والحميدة بدون تمييز، ولكن الصيام بما يتضمنه من تقوية وتعزيز لخلايا الجسم يعطي الخلايا السليمة قدرة أكبر على التصدي للمواد الكيماوية، ولكن الخلايا السرطانية (وللخلل الموجود بها) فالصيام يضعفها بشكل خاص أمام العلاج الكيماوي. (…).
الآلية الثالثة: فحرمان الجسم من الطعام لساعات متواصلة ( كالصيام) يجبر الجسم على الإعتماد على مخازن الطاقة الموجودة به. هذا يؤدي إلى إطلاق السموم المكبوتة من هذه المخازن (التي لم تستعمل لأيام ، لأشهر أو لـ 11 شهراً، أي من رمضان إلى رمضان )، وهذه السموم تعمل كعلاج كيماوي طبيعي، فهي تجري في الدم، وتهاجم الخلايا السرطانية بشكل خاص. قد يتساءل البعض: ولكن من أين تأتي هذه السموم أصلاً؟ الجواب هو أنها تأتي من البيئة، الهواء الملوث، والطعام المصنع (آفات المجتمع العصري).
ويقوم الصيام أيضاً بتقوية جهاز المناعة في الجسم، حيث تزداد قدرته للتعرّف على الخلايا السرطانية وإبادتها.
الآلية الرابعة: يستخدم الجسم كمية طاقة كبيرة لعمليات هضم الطعام، وهكذا يمكن للجسم إستخدام هذه الطاقة بشكل آخر عند الصيام. فتستغل هذه الطاقة عند الصيام لتنظيف الجسم من الخلايا الميتة، الخلايا السرطانية والسموم.
هذا إقتباس مما تقوله سامي هوفارد عن تجربتها مع الصيام لعلاج سرطان المبيض، الذي أصابها في منتصف الثلاثينيات من عمرها: “خلال العشرة أيام الأولى للصيام بدأت ألاحظ التغيرات؛ جلد أصفى، الخطوط بالوجه بدأت بالتلاشي، أحسست بنفسيّة قوية ومنتعشة، طاقة عالية، وأحسست بالإيجابية والحماس للحياة بشكل عام. بدأت أتابع الجوانب الروحانية للموقع …”
-سامي هوفارد تشافت تماماً من السرطان، بفضل من الله سبحانه وتعالى: وبإتباع الصيام.
_______________________________
* وللراغبين بمتابعة البحث بكامله مع المراجع كاملة العودة الى الموقع www.eajaz.org

قصة وعبرة*

العدد الثامن والأربعون شتاء 2019 – 48

القصة

حين كان نيلسون مانديلا يدرس الحقوق في الجامعة كان أحد أساتذته واسمه بيتر وكان أبيض البشرة يكرهه بشدة!! وفي أحد الأيام كان الأستاذ بيتر يتناول طعام الغذاء في مقصف الجامعة فاقترب منه نيلسون مانديلا حاملاً طعامه وجلس بقربه…

فقال له الأستاذ بيتر: “يبدو أنك لاتفهم يا سيد مانديلا أن الخنزير والطير لا يجلسان معاً ليأكلا الطعام”!!

نظر إليه مانديلا وأجابه بكل هدوء: “لا تقلق أيها الأستاذ فسأطير بعيداً عنك”!! ثم ذهب وجلس على طاولة أخرى…

لم يتحمل الأستاذ جواب مانديلا فقرر الإنتقام منه…وفي اليوم التالي طرح الأستاذ بيتر في الصف سؤالاً على مانديلا: “سيد مانديلا إذا كنت تمشي في الطريق ووجدت صندوقاً وبداخل هذا الصندوق كيسان الكيس الأول فيه المال والكيس الثاني فيه الحكمة…فأي الكيسين تختار؟؟!”…

وبدون تردد…أجابه مانديلا: “طبعاً سآخذ كيس المال”…ابتسم الأستاذ وقال ساخراً منه: “لو كنت مكانك لأخذت كيس الحكمة”…وبكل برود أجابه مانديلا: “كل إنسان يأخذ ما ينقصه!!”…

في هذه الأثناء كان الأستاذ بيتر يستشيط غضباً وحقداً لدرجة أنه كتب على ورقة الإمتحان الخاصة بمانديلا “غبي” وأعطاها له!! أخذ مانديلا ورقة الإمتحان وحاول أن يبقى هادئاً جالساً إلى طاولته وبعد بضع دقائق وقف مانديلا واتجه نحوالأستاذ وقال له بنبرةٍ مهذبة: “أستاذ بيترلقد أمضيت على الورقة باسمك، لكنك لم تضع لي علامة!!!”

العبرة

إياك ثم إياك أن تسمح لأحد أن يسرق منك ثقتك بنفسك واعتزازك بهويتك حتى وإن كان أستاذك الذي بيده تقييمك أو رئيسك الذي بيده طردك من وظيفتك لأن نفسك هي أغلى وأثمن من كل شيء.

__________________

* ن.د.غ.ر. بريد القراء