الإيمان بالآخرة يمنح الأمل للبشر والإيمان بجهنم يحمي الشباب من الانحراف

المهندس الدكتور عبد الدائم كحيل*

العدد الثامن والثلاثون صيف 2016 -38

الإيمان بالآخرة يمنح الأمل
هل تعلم أن العلم الحديث اكتشف أن الإيمان بالآخرة ضروري جداً لسعادة الإنسان ومنحه الأمل في الدنيا… بل وزيادة استقراره وتخلصه من الاكتئاب والقلق؟

بحث جديد لجامعة كنت University of Kent ونشر في موقع Science Daily بتاريخ 14-5-2015 تقول بأن الإيمان بالآخرة ضروري جداً للبشر، ولكن لماذا؟
تؤكد جميع الدراسات العلمية أن الموت هو أكبر لغز في تاريخ البشرية، وأن سلوك الإنسان يختلف تماماً أثناء التفكير بالموت. حيث يؤكد الباحثان Dr Arnaud Wisman and Dr Nathan Heflick من جامعة University’s School of Psychology أن الإنسان يفقد الأمل أثناء التفكير بالموت، ولكن الإيمان باليوم الآخر يعزز الأمل لدى الناس حتى أثناء التفكير بالموت.
والنتيجة أن الإنسان بحاجة للأمل ليعيش حياة سعيدة… ولذلك فهو يكره الموت وبالتالي فإن المشكلة ليس في الموت نفسه، بل بما بعد الموت!! وهنا نود أن نتذكر حديثاً للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هادم اللذات، يعني الموت) [رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه].
وكأن النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام يريد أن يمنحنا الأمل من خلال تذكر الموت! لأن المؤمن عندما يتذكر الموت والقبر وعذابه أو نعيمه لابد أن يتذكر الجنة ونعيمها أو النار وجحيمها… ويتذكر الوقوف بين يدي الخالق في يوم مدته 50,000 سنة!!! وفي هذه اللحظة تهون عليه مصائب الدنيا وهمومها.. ويمتلئ بالأمل والسرور والفرح بلقاء الله تعالى… فينقلب هذا الموقف من تعاسة لدى الملحد إلى فرح لدى المؤمن…
فالملحد عندما يتذكر الموت يخاف… وتبدأ حساباته وآلامه وحسرته على الدنيا التي سيتركها وربما تعرض لظلم أو مرض أو مشاكل… ولم يتمكن من حلّها… فيصاب بضيق شديد واكتئاب وخوف وقلق… فأسوأ شيء على الملحد هو أن يتذكر الموت واليوم الآخر ووقوفه بين يدي الله… فهو لا يدري هل الله موجود أو هناك احتمال أن يكون موجوداً وماذا سيصنع وقتها…

لذلك أخي المؤمن… مهما كانت مشكلتك كبيرة وعظيمة سوف تزول وتصغر بمجرد أن تتذكر لحظة الموت ونزول القبر… وبعد ذلك الوقوف لمدة خمسين ألف سنة، وبعدها لا تدري ما هو مصيرك… فهل تفرح معي بلقاء الله تعالى وتتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه… ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه) [متفق عليه].
وأخيراً فقد ذكّرنا القرآن في آية عظيمة بهذا الموت، فقال مخاطباً سيد الخلق عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}[الزمر: 30]… فهل تكثروا يا أحبتي من ذكر الموت؟!

الإيمان بجهنم يحمي الشباب من الانحراف
هل تتصور عزيزي القارئ أن علماء الغرب بدأوا يكتشفون أسرار الإيمان… وهذه دراسة علمية لجامعة أوريغون تؤكد أهمية الإيمان بنار جهنم!!….

ظل الملحدون يرددون عبارة أن الدين جاء لتخويف الناس وتهديديهم واستغلالهم… وأن الوسيلة الأفضل للحياة السعيدة هو التخلص من فكرة الدين أو وجود خالق للكون والتخلص من فكرة عذاب جهنم… وغير ذلك.
ولكن تبين بأن الإلحاد يعزز لدى الملحد فعل مختلف الجرائم وبخاصة في فئة الشباب… ولذلك قامت جامعة أوريغون عام 2012 بدراسة مجموعات من الذين يؤمنون بيوم الحساب ووجود عقاب للجرائم التي يرتكبها المجرم في الدنيا وأنه سيعذب في نار جهنم… وتبين أن هؤلاء هم الأقل ارتكاباً للجرائم.


وخرجوا بنتيجة تؤكد أن الخوف من العقاب يمنع الإنسان من ارتكاب المحرمات.. وبالتالي فإن الإيمان بالله واليوم الآخر والحساب والعقاب، هو طريقة سهلة لمنع المجرمين من ارتكاب الجرائم.

إذاً هذا ما يقوله العلم، فما رأي الملحدين بعد هذه الدراسة؟ لابد أن يعترفوا بأن الإيمان بجهنم شيء جيد لأنه يمنع ارتكاب الجريمة… وبما أن الملحد ينادي بالعدل، إذاً يجب أن يؤمن بيوم الحساب لكي يحاسب الله كل ظالم ويعطي حق كل مظلوم وهذا هو العدل…
وسبحان الله، نجد الملحد ينادي بالعدل ثم ينكر يوم الحساب… وينادي بالعلم ثم ينكر دراسات العلماء… ونجده ينادي بالأخلاق ثم ينكر الأخلاق التي جاء بها الأنبياء من الله تعالى… الملحد ينكر وجود الله ولكن العلم يؤكد أن الإيمان بالله هو جزء من فطرتنا… ولذلك فإن الملحد متناقض في كل شيء. وهذا ما أنبأ عنه القرآن في قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}[ق: 5]. ومعنى كلمة (مَرِيجٍ) أي مضطرب ومختلف ومتناقض ومختلط…
نسأل الله تعالى أن يصرف عنا نار جهنم وأن نكون ممن يقولون: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65]…
وأخيراً نقول: إذا كان الغرب اليوم بجامعاته العريقة… قد وجد أن الإيمان بوجود إله قوي يعاقب الظالم وينصف المظلوم، قد ساهم ويساهم في بقاء المجتمعات الإنسانية… ولذلك يدعون للاعتقاد بيوم الحساب… وسبحان الله يخرج في بلداننا الإسلامية من يدعو لإنكار الخالق والكفر بيوم القيامة… ولذلك فإن الإلحاد مدمر مثله مثل التطرف بل هو أسوأ أنواع التطرف… فالحمد لله على نعمة الإسلام.
____________________________________________________

* وللراغبين بمتابعة البحث بكامله مراجعة الموقع www.kaheel7.com
المراجع
Afterlife belief preserves hope when thinking about death, University of Kent, May 14, 2015. https://www.kent.ac.uk/news/society/5466/afterlife-belief-preserves-hope-when-thinking-about-death
https://uonews.uoregon.edu/archive/news-release/2012/6/belief-hell-according-international-data-associated-reduced-crime
https://www.psychologytoday.com/blog/the-big-questions/201403/exploring-belief-in-god-punisher

لم هذا التكتل ضدنا

الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله

49 – العدد التاسع والأربعون ربيع 2019

حين نزل الإسلام من أربعة عشر قرناً، طُبِّق واقعاً في الحياة. ولم يبق مبدأً نظرياً فحسب، بحيث لو تعرض للتطبيق خاس ولم ينفع، ولكنه طبّق.
وظلّت الدولة الإسلامية هي الدولة الاولى في العالم قرابة الف سنة. ذلك هو ما يخيف خصوم الإسلام ولذلك يحاولون جاهدين أن يجعلوا مبادئ الإسلام باهتة في نفوس المسلمين أنفسهم، فيورّدون لهم كل شر.
وإذا ما ورّدوا لنا كل شر، أقبلنا عليها على أنه المظهر الحضاري، فإذا ما أخذنا عنهم ذلك سرّوا بهذا لأن ذلك يفتُّ في أعضادنا كمسلمين، وذلك يفرحهم هم، لأننا لو كنا مسلمين بحق لأخفناهم ولأرعبناهم ولما استقر لهم قرار، وقد جرّبونا.
إذاً فكل الوافدات التي تفد الينا من شرور هذه الحضارات، وافداتٌ مخطط لها، ومرسوم لها حتى لا يكون المسلمون كما يريدهم الاسلام، ويريدون منا ان يكون الله على ديننا، وأن لا نكون نحن على دين الله. فكأنهم يريدون الإنسان مشرِّعاً وكأنهم يريدون الله تابعا في دينه الى ما نقرره نحن.
كلما رأيت تكتلاً أمام الإسلام فافهم أن الذين يتكتلون يفهمون قوة الإسلام، ولو لم يكونوا فاهمين لقوة الإسلام لما تكتلوا أمامه ذلك التكتل.
كل القوى تتصارع ضد الإسلام، الملحدون ضد الإسلام، لماذا هذا التكتل؟ لماذا لم يتفقوا على شيء الا على الحرب على الإسلام؟ لأنهم عرفوا أن الإسلام اذا تيقّظ كمبادئ وكمنهج وسلوك فلن يبقى لظلمٍ دولة ولا لطغيانٍ أمة.

حكمته صلى الله عليه وسلم في تأسيس الدولة السنة الأولى للهجرة

بقلم أ.ع.

إن الهجرة كانت محطة هامة في حياة المسلمين وفي تاريخهم السابق واللاحق، لأنها أظهرت الإسلام على العالم كله، وانتقلت بالمسلمين من إسلام الأفراد إلى إسلام المجتمعات والأمم، ولذلك اعتمدت كمنطلق للتأريخ والتقويم الإسلامي، في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بدلاً من العرف المعتمد على تاريخ ميلاد أحد أو وفاته مهما عظُم شأنه.

وقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي الأول على عدة ركائز أساسية أهمها: المدينة الفاضلة ومركزها الرئيسي المسجد، وهو مقر الدين ومقر التشريع ومقر الدولة، ثم تنظيم العلاقات داخل هذا المجتمع من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم بناء شخصية المجتمع الجديد وتدعيم خصائصه الفريدة ليكون القدوة والمثل عبر تنظيم العلاقة مع الجيران المشركين منهم واليهود.

1-تأسيس المدينة الفاضلة:
بقدوم المعلم الأول صلى الله عليه وسلم بدأت المدينة تأخذ منحىً جديداً وإطلالة جديدة في كل شيء وارتدت حلّة العاصمة والمقر فصارت دار الإسلام والسلام بعد أن كانت داراً للحروب والفتن، وداراً للنظافة والنظام بعد أن كانت داراً للأوبئة والأمراض والفوضى. ما أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة حتى قرر أن يجعل أسرته وأسر الخُلّص من أصحابه قدوةً ومثلاً للمجتمع، فأرسل في طلب بناته وزوجته سودة بنت زمعة، من مكة المكرمة وكذلك فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة الكرام. وخلال السنة الأولى من الهجرة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.

وكان صلى الله عليه وسلم شديد القلق على الصحابة الذين حجزتهم قريش في مكة ومنعتهم من الهجرة وكان يخشى عليهم من أن يضطروا إلى الخروج من ربقة الإسلام ويعودوا في ملة آبائهم من جديد، فكان يقنت في صلاة الصبح ويدعو في قنوته، لأصحابه المحتجزين وعلى الذين يحتجزونهم.

ثم لم يزل يدعو لهم حتى نجاهم الله تعالى.

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه أمور الدنيا والآخرة ودخل معهم في أدق تفاصيل حياتهم، في تربية أطفالهم، فيقول:”مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع”، وفي آداب معاشرة نسائهم شكت خولة بنت حكيم زوجها عثمان بن مظعون قيامه بالليل فقال له:” يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك بي أسوة؟ والله إن أخشاكم لله وحدوده لأنا”. وفي آداب المسجد وفي آداب المجتمع، روى عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال:(كان أول ما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام”). كما قال صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا”.

واهتم كذلك بتـنظيم أمورهم الاقتصادية والمعيشية، فعني باستقلالهم وعدم استغلال اليهود لهم اجتماعياً واقتصادياً، فخرج إلى ناحية من المدينة وخط خطاً كبيراً وقال: “هذه سوق المسلمين يبيعون فيها ويشترون وليس لأحد عليهم منّة”، وشجع الصناعة المحلية: وحضّ المسلمين على العمل فقال: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده”، فمع أنه كان ملكاً مفخماً فقد كان ينسج الدروع ويبيعها. وأعان العبيد من المسلمين على المكاتبة ليتحرروا من الرق، وحرّض أصحابه على إعانتهم ومؤازرتهم، وشجع على التجارة فقال: “تسعة أعشار أرزاق أمتي في التجارة”. وكان أهل المدينة من أخبث الناس كيلاً، فأنزل تعالى:”وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ” فصاروا أكثر الناس أمانة وضربوا للناس بها مثلاً.

وأصبحت المدينة في وقت قصير مقصداً فلئن كان الحج إلى بيت الله الحرام لا يزال محظراً على المسلمين فإن القصد إلى مدينة الرسول الكريم وتلقي الدين عن المعلم بات فرضاً شرعياً، قال صلى الله عليه وسلم: “لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”. كما قال: “إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرِز الحية إلى جحرها”.

2-المساواة بين المسلمين:
طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أن يؤوا إخوانهم المهاجرين وينصرونهم بالمال والجوار، قال: “إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم”. فتجاوب الأنصار بصورة مذهلة وهبّوا لنصرة إخوانهم المهاجرين وتقاسموا الأموال والدور والعمال والثمار وجعل بعضهم (سعد الربيع) يعرض بعض زوجاته على أخيه المهاجر(عبد الرحمن بن عوف) ليطلقها له .

وخطّ النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين بيوتاً في كل أرض ليست لأحد وفيما وهبه الأنصار من أملاكهم، رضي الله عنهم.
ولخمسة أشهر من الهجرة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين من مهاجرين وأنصار، وقال: “تآخوا في الله أخوين أخوين”. فذابت الفوارق الاجتماعية الموروثة عن الجاهلية وانحلت عقد التكبر والاستعلاء والتمييز الطبقي والعنصري، وصارت التقوى والتضحية والخدمة مقياساً للتفاضل بين الناس. وعمّت فضيلة التكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى والإيثار بالمال والطعام والجهد والتناصح في الله والتزاور في الله.وأثنى الله تعالى على الفريقين فقال:
{لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {8} وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر: 8،9].

أذهبت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وحشة الغربة لدى المهاجرين وآنستهم لبعد الأهل والعشيرة وشدت أزر بعضهم ببعض، ووصل بهم الحال في بادئ الأمر إلى التوارث، فلما عزّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة واستقرت الأحوال، بطل التوارث وعاد كل امرئ إلى نسبه وذوي رحمه فأنزل الله تعالى قوله:{وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ْ}[الأحزاب:6].

وبالرغم مما بذله الأنصار لإخوانهم المهاجرين فإن هؤلاء لم يقبلوا من الأنصار إلا حاجتهم وما يكفيهم بالحد الأدنى.
أدت المؤاخاة إلى حل سريع لمشاكل المهاجرين الحياتية لكي لا يلهيهم ذلك عن الدعوة إلى الله ولينصرفوا إلى الجهاد في سبيله.
وفي العدد القادم إن شاء الله نعرض لحكمة النبي صلى الله عليه وسلم في جعل المدينة مكاناً ترتاح إليه الأنفس والأجسام والأرواح.

تحرير المرأة العربية من نفسها ومن عقدها ومما يخططه الغرب لها

أ‌. سوزان حيدر*

49 – العدد التاسع والأربعون ربيع 2019

في ظل ما نسمعه في السنوات الأخيرة المنصرمة عن المرأة العربية وخاصة المسلمة، التي أصبحت محط أنظار العالم الغربي، والتي يريد العالم تحريرها وإلحاقها بأختها الغربية التي هي بنظرهم أيقونة من الأيقونات المقدسة للتحرر ولبناء المجتمعات السليمة الحرّة، فهل تشكل المرأة المسلمة بحجابها وأسرتها عائقاً لبناء مجتمع حر ومستقل، بحسب المبادئ المعاصرة الجديدة التي تتبناها أكثر الدول الغربية. والتي تعتقد أيضاً بأن الرجل هو بمثابة حاجز أمامها يجب الحد من دوره كزوج وكأب. وقد تم التركيز على مواضيع اعتبروها ملخصاً “لمعاناة” المرأة المسلمة كـ: “تعدد الزوجات، وضرب النساء، أو ختان المرأة”(1).

ومثال على الآراء المنتشرة والصورة التي يتم تعميمها عن المرأة المسلمة “المضطهدة” بحسب قول الكثيرين، يعتبر جوش سيريتي Josh Cerretti في مقالة له تحت عنوان: “نظرة الغرب للمرأة المسلمة” أن المرأة المسلمة فقط هي من تعاني من الاضطهاد، وأنها أصبحت رمزاً للنضال من أجل المساواة مع الرجل.(2)
وكتبت الباحثة ياسمين أسامة عبد المنعم كتاباً بعنوان “صورة المرأة العربية في الصحافة الأميركية والبريطانية” أكّدت فيه: “أنه على الرغم من التطور التكنولوجي وتحسن أوضاع المرأة العربية، ظلت الصحافة الغربية تقدم صوراً قديمة ومشوهة ومتحيزة ضد العرب بصفة عامة، والمرأة العربية بصفة خاصة، حيث دأبت على تقديمها في صور نمطية تعكس الاستسلام والسلبية والأمّية والانقياد والتبعية للرجل والمجتمع وعاداته والتقاليد التي تحكمه، حيث لا تبرز من دور المرأة إلا تلك الأدوار التقليدية المربوطة بالإنجاب والبيت، في تجاهل تام لما حققته من نجاحات في مجالات عديدة”.(3)

ومن هذا المنطلق علت الصيحات على منابر التواصل الاجتماعي وفي الاعلام المرئي والمسموع وغيرها، ونُظمت الحركات النسائية “لتحرير المرأة العربية المسلمة”. كجمعية “انتفاضة المرأة العربية”، جمعية “تحرير المرأة العربية”… الذين نادوا بالخروج عن كل العادات والتقاليد والتخلي عن المسؤوليات والالتزامات… والتي لا تكتمل إنسانية الإنسان إلا بها.
“فانتفضت المرأة العربية”، على حد زعمهم، ونادت بأعلى صوتها وفي صفحات التواصل الاجتماعي حيث أعلنت ما يلي:

هذه المقولة من أحد المقولات التي دعت إليها جمعية “انتفاضة المرأة العربية” التي تأسست عام 2011 ومن مقرراتها “علينا نحن النساء أن نكمل الثورة للإطاحة بالذكورية التي تجعل من كل رجل ديكتاتورًا في بيته على زوجته وابنته واخته وحتى على أمّه… لا أولويات لا رقابة ذاتية، ولا مساومة على حقوقنا. إما أن تكون الثورات كاملة بنا أو لا تكون. ولنتذكر دوماً، أنه باستطاعة امرأة واحدة أن تحدث فرقاً كبيراً. ولنا أن نتخيّل ما قد تفعله مئتا مليون امرأة في عالمنا العربي معاً…”(4)
وهنا السؤال تحرير المرأة من ماذا؟ هل هذا “التحرر” يبني مجتمعاً سليماً يرتكز على التعاون والتكامل بين الجنسين؟ أم نرى أنها حملة لإثارة الأحقاد بين المرأة والرجل بحيث حولوا المسألة صراعاً بينهما كلٌّ يريد إثبات نفسه بأنه الأفضل والأقوى؟
هناك مقولة قديمة “أبغض ما في الرجل العربي غيرته على نسائه”، والتي باتت ماضياً يُحكى حيث أصبح كثير من الرجال في أيامنا هذه يحاول خلع هذه الصفة عنه لأنها لم تعد تتفق مع المبادئ الجديدة والمستوردة لاكتساب صورة “الرجل المتحضر”.
لماذا المرأة المسلمة؟ لدى المرأة المسلمة في الإسلام مكانة عظيمة ودور مهمّ في إنشاء المجتمع، لذا فإن ضرب هذا الدور قد يسبب الضربة القاضية لهدم مجتمع بأكمله.

قال أحد اليهود قديماً: “إن مكسبنا في الشرق لا يمكن أن يتحقق إلا إذا خلعت الفتاة المسلمة حجابها، فإذا خلعت الفتاة المسلمة حجابها كسبنا القضية واستطعنا أن نستولي على الشرق” وجاء في بروتوكلات حكماء صهيون: “علينا أن نكسب المرأة ففي أي يوم مدت إلينا يدها ربحنا القضية”.
وقال آخر: “كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع فأغرقوها في حب المادة والشهوات”. (5)
لذلك عقدت ونظّمت المؤتمرات لأجلها “ففي عام 1980 عقدت الأمم المتحدة المؤتمر الثاني الخاص بالمرأة، للوقوف على ما تم انجازه من تنفيذ توصيات مؤتمر المكسيك، وفي عام 1985 عقد المؤتمر الثالث الخاص بالمرأة (إستراتيجيات نيروبي المرتقبة للنهوض بالمرأة) في نيروبي بكينيا، وفي عام 1995 عقدت الأمم المتحدة المؤتمر الرابع للمرأة في بكين ودعت إلى مضاعفة الجهود والإجراءات الرامية إلى تحقيق أهداف استراتيجيات نيروبي، ويعتبر هذا المؤتمر من أخطر المؤتمرات، حيث دعت فيه بوضوح إلى العديد من الأمور التي تخالف الشريعة الإسلامية، مثل: الدعوة إلى الحرية والمساواة – بمفهومهما المخالف للإسلام ـ والقضاء التام على أي فوارق بين الرجل والمرأة، وقامت الأمم المتحدة كمتابعة لمؤتمر بكين بتنظيم مؤتمر “المرأة 2000: مساواة النوع، والتنمية والسلام للقرن الحادي والعشرين”، والذي أصبح معروفا باسم بكين + 5 ، ثم بكين +10 عام 2005، ومؤخرا بكين +15 عام 2010.
كذلك وضع المؤتمر العالمي المعني بالمرأة في بكين عام 1995م منهاج عمل وخطة لتنفيذ بنود إتفاقية السيداو، أُلزمت الدول التي صادقت على الاتفاقية بالعمل بها، ودعا المؤتمر بصراحة إلى عدد من الأمور التي تخالف الفطرة والشرع، ومنها: الدعوة إلى فتح باب العلاقات الجنسية المحرمة، والسماح بالإجهاض، وتحديد النسل، ومنع الزواج المبكر، وإباحة الزواج اللانمطي، والاعتراف بالشواذ، والتركيز على التعليم المختلط بين الجنسين وتعميمه، والقضاء على أي فروق تشريعية بين الرجل والمرأة.

كما تضمنت وثيقة مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة (المساواة والتنمية والسلام)، المنعقد في نيويورك عام 2000م الدعوة إلى الحرية الجنسية والإباحية للمراهقين والمراهقات، والتبكير بها مع تأخير سن الزواج، وأوصى المؤتمر بتشجيع جميع أنواع العلاقات خارج إطار الأسرة الشرعية (للرجل والمرأة)، وتهميش دور الزواج في بناء الأسرة، والسماح بزواج الشواذ من الجنس نفسه، والمطالبة بإلغاء التحفظات التي أبدتها بعض الدول الإسلامية على وثيقة بكين.
ومن الملاحظ في وثيقة بكين بوجه خاص وأغلب مواثيق المؤتمرات السابقة أنها لم تعترف بكون الزوج شريكًا شرعيًا في مؤسسة الزواج، بل لم تعترف من الأصل بوجود مؤسسة تسمى الزواج والأسرة، وإنما شجعت على تكوين مؤسسات جديدة ترتكز على الزمالة والصداقة والشراكة، لذلك أكثرت من ذكر الشريك أو الزميل باعتباره الطرف الآخر في العلاقة بين طرفين أحدهما ذكر والآخر أثنى، أو كلاهما ذكر، أو كلاهما أنثى، وذلك في العلاقات الشاذة (اللواط أو السحاق)، لذلك طغت على الوثائق صفة الفردية كونها وصفًا للمرأة لا كونها ضلعًا في مؤسسة الأسرة، إضافة إلى كلمة “جندر” التي وردت في وثيقة بكين ستين مرة.”(6)

ما أُعطيَته المرأة في الاسلام ؟

ركّز الاسلام على بناء المجتمع ككل، والأسرة هي جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع لذا أولاها الاسلام اهتماماً كبيراً، وأعطى الزوجة والأم مكانةً كبيرة فيها والدور الأساسي في تربية الأولاد وتنشئتهم التنشئة الصالحة.
الأم هي التي تعمل على بث روح العمل والإخلاص في نفوس أولادها من أجل خدمة المجتمع وبنائه.
صان الاسلام حقوق المرأة واحترم إنسانيتها وعرف فضلها وخصّها بكثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تكرمها أماً وزوجة وأختا وبنتاً.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه “كنا في الجاهلية لا نعُد النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام، وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقًا”. (صحيح البخاري)
من تكريم الإسلام للمرأة أنه خصص سورة باسمها وهي سورة “النساء”، وكرّم الإسلام المرأة أماً، فقال تعالى “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”. (الآية 23 من سورة الإسراء)
فهي في الاسلام راعية وسيدة في بيتها، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم:”كُلُّ نَفْسٍ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ ، فَالرَّجُلُ سَيِّدُ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِها” (ابن السني).

وللزوجة حقوق على زوجها قال الله تعالى: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (الآية 19 من سورة النساء) وقوله جلّ وعلا “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (الآية 228 من سورة البقرة).
وكان العرب في الجاهلية يُكرهون إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهم، وجاء الإسلام فأنكر ذلك ونهى عنه واستقبحه قال تعالى “وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”. (الآية 33 من سورة النور)، ونهى الاسلام عن ضربها وجلدها إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها”(البخاري ومسلم.)

وفي الختام أختي المسلمة الكريمة العزيزة في دينها الوقورة في حجابها الجميلة العفيفة في إيمانها، لا تكاد الحياة تخلو من تعب وكبد، والمؤمن معرض فيها للفتن، أنت جوهرة ثمينة وأنت خُلقتِ لتكوني سيدة زمانك عفة وطهارةً وسعادة. اجتهدي في أسرتك وحياتك لتكون أكثر نجاحاً وتفوقاً واعلمي أن دورك في بناء الأمة عظيم، فلا تكوني وسيلة للهدم والدمار، قومي بدورك كما أمرك الله تعالى، كوني صانعة للرجال والأجيال.


*من صديقات منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة –لبنان.
المصادر:
(1): مقالة على موقع “الجزيرة” تحت عنوان “المرأة العربية بعيون غربية” لعادل لطيفي، رابط المقالة: https://bit.ly/3bqDbz2
(2): مقالة “المرأة المسلمة في عيون الغرب” على موقع “لها” ترجمة ايمان سعيد القحطاني نُشرت بتاريخ 6 تشرين الأول 2012، رابط المقالة:
http://www.lahaonline.com/articles/view/41710.htm
(3): مقالة “الغرب يرسم صورة أخرى للمرأة العربية” على موقع “العرب” نُشرت بتاريخ 25 كانون الثاني 2017، رابط المقالة: https://bit.ly/2RPCLu9
(4): مقالة على موقع مجلة “بدايات” تحت عنوان “انتفاضة المرأة في العالم العربي” نُشرت في العددين الثالث والرابع، رابط المقالة:
https://www.bidayatmag.com/node/224
(5): مقالة على موقع “المسلم” تحت عنوان “كيف ينظر اليهود للمرأة” لخباب الحمد نُشرت بتاريخ 24 نيسان 2010، رابط المقالة:
http://almoslim.net/node/127172
(6): مقالة على موقع “رسالة المرأة” تحت عنوان “المؤتمرات الدولية والمرأة المسلمة.. تعددت الصياغات والهدف واحد” لرشا عرفة نُشرت بتاريخ 29 حزيران 2010، رابط المقالة:
http://woman.islammessage.com/article.aspx?id=626

تأثير الخوف على النسيج الكبدي

د. لطيفة إسحاق خياط*

العدد السابع والأربعون خريف 2018 – 47

قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34]
قال صلى الله عليه وسلم: ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته” رواه مسلم كتاب الصيد والذبائح.

الحقيقة العلمية:
أظهرت العديد من الأبحاث العلمية الحديثة حقائق مذهلة عن مظاهر الخوف الفسيولوجية التي تحدث داخل الجسم، نتيجة التعرض للخوف الشديد، كالخوف من القتل والذبح.
ويعتبر الجهاز الهرموني هو المسؤول عن حدوث هذه التغيرات الفسيولوجية بما يفرزه من هرمونات تؤثر في الحالة الفسيولوجية للجسم، وتنظم عمله، ويمكننا تعريف الهرمون كما يلي:
الهرمون عبارة عن جزيئات تفرزها الغدد الصماء في الدم مباشرة: ليؤدي وظيفة معينة في الجسم، ويقوم الدم بتوزيع هذا الهرمون على أجزاء الجسم. بعض الهرمونات سريعة التأثير مثل هرمون الأدرينالين الذي يهيئ الجسم لمواجهة الخطر، وهرمون الأنسولين الذي ينظم نسبة السكر في الدم، وبعضها بطيء التأثير، ويؤثر خلال فترات زمنية طويلة مثل هرمون النمو، والهرمونات الجنسية.
تعتبر الغدة النخامية هي الغدة المسؤولة والمسيطرة على الغدد الصماء، فهي عبارة عن جسم صغير يتدلى من السطح السفلي للمخ، وتفرز هرمونات منبهة، ومنشطة لكل من الغدة الدرقية، والغدة الكظرية، والغدد التناسلية، وغيرها لذلك تعتبر الغدة الننخامية رئيسة الغدد الصماء.

تقوم الغدة الكظرية، أو الغدة فوق الكلوية، بإفراز الهرمون المسؤول عن حالة الخوف الشديد، حيث يوجد زوج من الغدد الكظرية كل منها عبارة عن جسم أصفر هرمي الشكل، يلتصق بأعلى الكلية، ويتركب من جزء خارجي ( قشرة الكظر)، يفرز مجموعة من الهرمونات، منها هرمون الكورتيزون، الذي يرفع من مقاومة الجسم، وجزء داخلي (نخاع الكظر) يفرز هرمون الأدرينالين المعروف بهرمون النجدة، حيث يزداد إفرازه في حالات الخوف، والغضب، والإنفعال.

ففي حالة الخوف الشديد، يتم إستحثاث الغدة النخامية لإفراز هرمون يعمل على حث الغدة الكظرية (نخاع الكظر) لإفراز هرمون الأدرينالين، الذي تزيد نسبته في الدم عن المستوى الطبيعي، مما يؤدي إلى حدوث العديد من التفاعلات الكيميائية والفسيولوجية داخل الجسم، مثل إرتفاع درجة الحرارة، مع زيادة دقات القلب، وإرتفاع عال ومفاجئ في ضغط الدم، بسبب إنقباض الشرايين، والأوردة الصغيرة، مما قد يسبب نزيفاً دماغياً صاعقاً، أو جلطة قلبية، أو موتاً مفاجئاً، وقد يؤثر على أوعية العين الدموية، فيسبب لها العمى المفاجئ.

كما أن زيادة الأدرينالين في الدم تعمل على تحرير الجليكوجين من مخازنه في الكبد، والعضلات، ويطلق السكر، مما يزيد من نسبة السكر في الدم.

ويصاحب إزدياد الأدرينالين صعوبة في التنفس، وضعفاً عاماً في العضلات، وتقلصاً لعضلة القلب، وزيادة في إستهلاك الأكسجين، كما يزيد الأدرينالين من قابلية الدم للتجلط ما يؤدي إلى حدوث الجلطة القلبية، أو الدماغية. وتعمل زيادة الأدرينالين على تثبيط لحركة الأمعاء، وتوسيع بؤبؤ العين، فتزيد حدة الإبصار في الليل، كما يرافق زيادة الأدرينالين خروج كميات كبيرة من الماء بواسطة الإدرار الولي (dieresis).

هرمون الأدرينالين:
تم إكتشاف هذا الهرمون في عام 1900م على يد عالم الكيمياء الياباني تاكامين takamine kichi، وينتمي هرمون الأدرينالين إلى عائلة الكاتيكول أمين (catecholamine)، وصيغته الجزيئية هي C9H13NO3.
وللأدرنالين وظائف حيوية هامة داخل الجسم، حيث يعتبر كناقل عصبي، يؤثر في الجهاز العصبي السمبتاوي الذي يتصل بكل من (القلب، الرئتين، الأوعية الدموية، المثانة البولية)، كما يعمل هرمون الأدرينالين على معاكسة تأثير الأنسولين، حيث يطلق عندما ينخفض مستوى السكر في الدم، مما يزيد من عملية الأيض، وإرتفاع السكر في الدم.

وبعد التعرف على التغيرات الفسيولوجية، والتأثيرات الجانبية الناتجة عن زيادة جزيئات هرمون الأدرينالين على الوظائف الحيوية للجسم، لنا أن نسأل: هل لزيادة هذه الجزيئات عن المستوى الطبيعي للجسم تأثيرات على مستوى الأنسجة والخلايا؟
لذلك إهتمت الدارسة الحالية بالتعرف على التغيرات النسيجية التي تحدث نتيجة لزيادة إفراز هرمون الأدرينالين، عندما يتعرض الحيوان للخوف الشديد مثل الخوف من الذبح.

التجربة:
1- حيوانات التجارب:
إستخدم في هذه الدراسة عدد 12 خروفاً من نوع الحري،وزن الحيوان حوالي 22-25 كيلوجراماً سليمة، وخالية من الأمراض.
2- خطوات التجربة:
– قُسمت الحيوانات إلى ثلاث مجاميع تضم كل مجموعة أربعة خرفان، المجموعة الأولى مجموعة ضابطة تم تطبيق هدى الرسول صلى الله عليه وسلم عليها في ذبح الحيوان (إراحة الذبيحة، وتمرير السكين بسرعة على العنق)، المجموعة الثانية تم حد السكين لمدة 30 ثانية أما الحيوان، وهو ينظر ثم ذبحه، المجموعة الثالثة ذبح حيوان أمام حيوان آخر ينظر إليه، ويتم حد السكين لمدة 60 ثانية أمام الحيوان، وهو ينظر إليه ثم ذبحه.
– تم سلخ الحيوانات وتشريحها، ثم أخذت عينات صغيرة من أكباد كل الخرفان، ووضعت على الفور في فورمالين تركيزه 10% لمدة 48 ساعة لثبيتها، ثم جهزت العينات للدراسة النسيجية حسب الطرق النسيجية المعروفة (الغسل، الترويق، التخليل، الطمر)، ثم قطعت العينات بإستخدام ميكروتوم دوار إلى قطاعات رقيقة بسمك 5 ميكرونات، وحملت على شرائح زجاجية، وصبغت بصبغة الهيماتوكسلين والأيوسين H&E، ثم فحصت القطاعات بإستخدام المجهر الضوئي.

الجدول التالي يوضح المجاميع المختلفة للتجربة وفترات الخوف

مدة التعرض للخوف

نوع الخوف

المجموعة

————–

مجموعة ضابطة الأولى

30 ثانية

حد السكين أمام الحيوان وهو ينظر

الثانية

60 ثانية

ذبح حيوان أمام آخر وهو ينظر

الثالثة

النتائج:
1. توضح القطاعات النسيجية لحيوانات المجموعة الضابطة مجموعات الخلايا الكبدية (HC) مرتبة في أشرطة داخل صفوف كبدية، يتوسطها وريد مركزي (CV) كما توجد جيوب دموية (BS) بين أشرطة الخلايا، تحتوي كل خلية كبدية على نواة وسطية بداخلها كروماتين.
2. أظهر فحص قطاعات الكبد في المجموعة الثانية، والتي تعرضت للخوف لمدة 30 ثانية، وجود تغيرات نسيجية متعددة شملت تحلل الستوبلازم، وأنوية الخلايا الكبدية، وإتساع الوريد المركزي (CV)، وركود وترسيب لخلايا الدم الحمراء مع تحللها، كما يظهر الوريد المركزي محطم البطانة الطلائية الداخلية ومتصلاً بالجيوب الدموية (BS) التي تظهر متسعة، ومنفصلة البطانة الطلائية، مع تحلل لبعض الخلايا الكبدية، وظهور بداية تحلل لكرماتين أنوية بعض الخلايا ومعظم العضيات الستوبلازمية، مع مشاهدة زيادة عدد خلايا كوفر (K).
كما يظهر إتساع في الجيوب الكبدية، مع بداية تحلل الخلايا الكبدية، وتحلل للسيتوبلازم والأنوية (HC)، مع مشاهدة نزيف داخلي وخلايا التهابية (I).
3. أظهر فحص قطاعات الكبد في المجموعة الثالثة التي تعرضت للخوف لمدة 60 ثانية تحللاً واضحاً لسيتوبلازم الخلايا الكبدية، مع إنكماش بعض الأنوية، ووجود بعض الأنوية الطرفية داخل الخلايا الكبدية، كما تظهر منطقة كبيرة متحللة داخل الفصوص الكبدية، مع زيادة في عدد خلايا كوفر، وترسيب لخلايا الدم الحمراء داخل الجيوب الدموية.
إستدارة وإتساع شديد وكبير للوريد المركزي (CV)، مع تهتك وإنفصال البطانة الطلائية الداخلية للوريد، وترسيب لخلايا الدم الحمراء، وتحطمها، وتحللها، ويظهر إتصال الوريد المركزي بالجيوب الدموية.
كما يوضح القطاع في منطقة الحيز البابي القناة الصفراوية التي تظهر معظم خلاياها متحللة مع تهتك لجدار القناة، وزيادة ملحوظة في عدد خلايا كوفر في تلك المنطقة ويظهر الوريد البابي تهتك البطانة الطلائية مع تليف لجدارها، وتوسع للجيوب الدموية المحيطة به وترسيب للخلايا الدموية الحمراء داخلها.

وجه الإعجاز:
‌أ. بين الرسول صلى الله عليه وسلم الهديّ الصحيح والسليم في الذبح، مما يؤكل من بهيمة الأنعام، فربط عليه الصلاة والسلام بين الرفق والإحسان إلى الحيوان، وبين سلامة اللحوم، وما يؤكل من الحيوان كالكبد. فقد ظهر في الدارسة المجهرية الحالية أن إخافة الحيوان، وعدم الرفق به، أو ذبح حيوان آخر أمامه يؤثر في الخلايا النسيجية للكبد، ويتلفها، ويزداد هذا التلف بزيادة فترة التعرض للخوف، وذلك لأن الخوف يعمل على إستحثاث الغدة النخامية لإفراز هرمون يعمل على حث الغدة الكظرية لإفراز هرمون الأدرينالين، الذي تزيد نسبته في الدم بسرعة، وينتشر مع الدورة الدموية إلى جميع أعضاء الجسم المختلفة.
‌ب. كما أظهرت نتائج الدراسة الحالية التأثير السلبي لزيادة إفراز هرمون الأدرينالين على الخلايا الكبدية، الذي يعمل على تدمير بعض الخلايا الكبدية، وتحلل الأنوية، وتلف للكروماتين لبعض الخلايا مع إنكماش للأنوية في البعض الآخر، كما أظهرت تلفاً في البطانة الطلائية للوريد المركزي، مع إتساع في حجم الوريد، والذي يزداد بازدياد فترة الخوف التي يتعرض لها الحيوان، كما يظهر ترسب لخلايا الدم الحمراء، وتحللها داخل الوريد المركزي، مع ظهور إتساع في حجم الجيوب الدموية، وإتصالها مع الوريد المركزي، وترسيب للخلايا الدموية الحمراء بداخلها وتحللها، وظهور زيادة في عدد خلايا كوفر. كما تظهر القنوات الصفراوية محطمة البطانة الداخلية، مع تهتك في خلاياها، مما يؤدي إلى إنتشار العصارة الصفراوية بين الخلايا الكبدية، وقد تنتشر مع الدورة الدموية إلى جميع أنسجة الجسم ومنها العضلات.
‌ج. نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إخافة المسلم، وقد ورد ذلك في العديد من الأحاديث النبوية، وإتضح السر في هذا النهي باكتشاف التغيرات النسيجية للخلايا الكبدية التي تـتأثر بزيادة إفراز هرمون الأدرينالين، المسؤولة عن حالة الخوف، ولأن الكبد يعتبر من الأعضاء الهامة جداً في الجسم، فقد أظهرت الدارسة النسيجية الحالية الأضرار الشديدة التي تصيب الكبد، نتيجة التعرض للخوف الشديد، وهذا يتوافق مع نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن إخافة المسلم، وكذلك مع رفقه وإحسانه للحيوان عند الذبح، لأن ذلك من الإحسان المأمور به.

وهكذا يتجلى وجه الإعجاز العلمي لهذا النهي مع الحقائق العلمية الحديثة التي بينت الأضرار الجسيمة التي يحدثها الخوف داخل الجسم، سواء على المستوى الفسيولوجي والنسيجي للأعضاء. وذلك يزيدنا يقيناً أن القرآن الكريم كلام الخالق – عز وجل- وأن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وحي من الله قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّوَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3،4].

فمن أين لهذا النبي الأمي أن يعلم بكل هذا الضرر الذي يلحق بالإنسان والحيوان عند تعرضه للخوف الشديد، وينهى عن إخافته.
كما يتجلى لنا عطفه ورحمته وإحسانه إلى الحيوان، حتى عند ذبحه، وبذلك يكون قد سبق الغرب في الدعوة إلى الرفق بالحيوان، قبل ألف وأربعمئة وأربعين عاماً.


* جامعة أم القرى. وللراغبين بمتابعة البحث بكامله مع المراجع كاملة العودة الى الموقع www.eajaz.org .

[1]الحد من الإصابة بمرض السرطان

ترجمة أ. عمر الترك*

العدد السابع والأربعون خريف 2018 – 47

كشفت دراسة جديدة عن مخطط وقائي لخفض خطر الإصابة بمرض السرطان عبر تجنب الكحول ولحم الخنزير. وفي الوقت ذاته، قال الباحثون إنه يجب تجنب جميع المشروبات السكرية، مشددين على “التمسك بالماء” كجزء من الجهود المبذولة لخفض مخاطر الإصابة بمرض السرطان بنسبة تصل إلى 40 في المائة.

وتأتي خطة النقاط العشر الصادرة عن صندوق أبحاث السرطان العالمي بعد دراسة أجريت على 51 مليون شخص – وهي الدراسة والتحليل الأكثر شمولاً حتى الآن لأسباب مرض السرطان. وتربط هذه الدراسة الوزن الزائد بما لا يقل عن 12 نوعًا من أنواع السرطان – أكثر من ضعف العدد في التحليل الذي أجري قبل عقد من الزمن، ويحدد نصائح محددة حول كيفية تقليل مخاطر الإصابة بمرض السرطان.قال الباحثون إن “أدلة قوية جدا” قد ازدادت منذ عام 2007 تربط بين نمط الحياة غير صحي والسرطان، مما دفعهم إلى إصدار هذه التوصيات الجدية.

وقالوا أنه على النمط السائد في المملكة المتحدة حالياً، من الممكن للسمنة تجاوز التدخين باعتباره السبب الرئيسي للسرطان خلال عقدين من الزمن.

وفي السنوات الأخيرة، ربطت العديد من الدراسات تناول الكحول واللحوم المصنعة مع زيادة خطر الإصابة بمرض السرطان وتبين أن تناول الكحول خصوصا هو الأكثر ارتباطًا بسرطان الثدي، بيد أن اللحوم المصنعة مثل لحم الخنزير تزيد من فرصة الإصابة بأمراض الأمعاء.
وتقول التوجيهات الجديدة: “من أجل الوقاية من السرطان، الأفضل عدم شرب الكحول نهائياً”. وتحذر من أن “الكحول مرتبط بشكل ملحوظ بزيادة خطر الإصابة بستة أنواع من السرطان”، بما في ذلك سرطان الثدي والأمعاء والكبد. وأضافوا أنه لا يوجد “مستوى محدد مقبول من تناول” اللحوم المصنعة التي لا تزيد من مخاطر الإصابة بالسرطان.

التوصيات الجديدة ، التي أطلقت في المؤتمر الأوروبي للسمنة في فيينا ، تسلط الضوء على المخاطر الناجمة عن الوزن الزائد. وتحدد الخطة المكونة من 10 نقاط “مجموعة” من التغييرات في نمط الحياة لتقليل خطر الإصابة بالسرطان ؛ مثل المحافظة على وزن صحي ، ممارسة الرياضة يومياً ، وتناول نظام غذائي متنوع يحتوي على الكثير من الفواكه والخضروات.

وقالت الدكتورة جيوتا ميتو ، مديرة التمويل لصندوق أبحاث السرطان العالمي أن المشروبات الوحيدة غير المسرطنة هي تلك التي لا تحتوي على سكر أو كحول. وقالت: “أفضل ما أوصي به هو ملازمة شرب الماء فقط”. ويحذر البحث أن أنماط الحياة غير الصحية تؤدي إلى ارتفاع أعداد حالات السرطان في جميع أنحاء العالم ، والتي من المتوقع أن ترتفع بنحو 60 في المائة بحلول عام 2035. وفي مراجعة هذه الدراسة بدقة ، تحت قيادة كلية إمبريال كوليدج في لندن، والتي قامت بتتبع جميع المنشورات المنشورة عن الروابط بين النظام الغذائي والنشاط البدني والسرطان ، في دراسات شملت 51 مليون شخص، 3.5 مليون شخص قد أصيب بالسرطان. وقالت الدكتور ميتو: “هذا دليل قوي على ما يؤثر ولا يؤثر على خطر الإصابة بالسرطان”. وقالت أن من المتوقع أن تزداد حالات السرطان الجديدة إلى 24 مليون سنويًا بحلول عام 2035 في جميع أنحاء العالم مع ازدياد تبني المزيد والمزيد من البلدان لأسلوب الحياة الغربي.

وأضافت “لدينا أدلة قوية جدا تربط زيادة الوزن والسمنة بالسرطان الذي نما خلال العقد الماضي”. وقالت: “لدينا الآن 12 موقع للسرطان مرتبطان بزيادة الوزن والسمنة، بعدما كانت 7 منذ أكثر من 10 سنوات مضت”.

وتوجه هذه الدراسة بالحفاظ على وزن صحي طوال الحياة، وتجنب أي زيادة في الوزن عند البلوغ. وقالت الدكتورة مترو: “إن توصيات الوقاية من السرطان موثوقة وتعمل معاً كمخطط للتغلب على السرطان لأنها تستند إلى أدلة أثبتت قطعيتها على مدى عقود”. وتقول الدراسة أن أولئك الذين يعملون في وظائف لا تتطلب مجهود بدني كبير يجب أن يأخذوا “عناية خاصة” وممارسة التمارين الرياضية في حياتهم اليومية – مما لا يقل عن 45 دقيقة من النشاط المعتدل الكثافة.

النقاط العشر للوقاية من السرطان[2]:
1. الحفاظ على وزن صحي سليم وتجنب زيادة الوزن.
2. المثابرة على التمارين الرياضية كجزء من الحياة اليومية – المشي أكثر من الجلوس
3. تناول نظام غذائي غني في الحبوب الكاملة والخضراوات والفواكه والحبوب. في حين أثبتت الدراسات أن أفضل نظام غذائي هو للبلدان المجاورة للبحر الأبيض المتوسط.
4. الحد من استهلاك “الأطعمة السريعة” والأطعمة المصنعة الأخرى عالية الدهون والنشويات والسكريات مما يساعد على التحكم في السعرات الحرارية والحفاظ على وزن صحي.
5. الحد من استهلاك اللحوم الحمراء والمصنعة.
6. الحد من استهلاك المشروبات السكرية وزيادة شرب الماء والمشروبات غير المحلاة.
7. للوقاية من السرطان، من الأفضل عدم شرب الكحول نهائياً.
8. لا تستخدم المكملات الغذائية للوقاية من السرطان. احرص على تلبية احتياجاتك الغذائية من خلال النظام الغذائي وحده.
9. للأمهات: أرضعن أطفالكم، إذا أمكن. الرضاعة الطبيعية جيدة لكل من الأم والطفل (أي الحد من السرطان).
10. بعد تشخيص السرطان: اتبع توصياتنا ، إذا استطعت. تحقق مع أخصائي الصحة لما هو مناسب لك.


*عضو منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة -لبنان

[1] https://www.telegraph.co.uk/news/2018/05/23/cut-alcohol-bacon-slash-cancer-risk-say-researchers/

[2] صندوق أبحاث السرطان العالمي

حِكم من سورة المائدة – لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر

أ.باسم وحيد الدين علي

العدد السابع والأربعون خريف 2018 – 47

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } [المائدة].
قال تعالى: يسارعون في الكفر ولم يقل يسارعون إلى الكفر، والمعنى أنهم مصرون عليه مستغرقون فيه، يتوغلون في الكفر بمرور الأيام والأحداث، ولذلك بقي الإيمان ادعاءً ولم يخترق إلى القلب.
هم المنافقون، سمّاعون لما يقوله اليهود، سمّاعون أي أدمنوا الإصغاء لليهود الذين يديرون المعركة مع الداعي دون أن يظهروا إلى العلن أو أن يواجهوه.
وفي معنى: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} قال أحبار اليهود: إذا أفتى لكم النبي بما يناسبكم فاقبلوه وإلا فاحذروا فإنه نبيّ. قال الطبري: كان رجل من اليهود قتله رجل من أهل دينه، فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين: سلوا ليِ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن بُعِثَ بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمرنا بالقتل لم نأته.
{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}، والمقصود أنهم حرفوا حكم الرجم للزاني فجعلوه جلدا. وَكَانَ ذلك مكتوباً فِي التَّوْرَاةِ، فَكَانَ إِذَا زَنَى مِنْهُمْ حَقِيرٌ رَجَمُوهُ، وَإِذَا زَنَى مِنْهُمْ شَرِيفٌ حَمَّمُوهُ أي سوّدوا وجهه بالفحم، وَطَافُوا بِهِ على حمار ووجهه إلى الخلف، ليفدوه من الرجم بالتشهير، فَاسْتَفْتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفْتَاهُمْ بِالرَّجْمِ، وَسَأَلَهُمْ عَمَّا يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِهِمْ فَكَتَمُوهُ، إِلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْوَرَ فَإِنَّهُ، قَالَ: كَذَّبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمُ “.
الحكمة الأولى: من علامات الكافرين والمنافقين، تطبيقهم ما يناسبهم من أحكام الشرع والكتاب دون أحكامٍ أخرى لا تناسبهم. قال الله تعالى في سورة الحجر:{الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) }.
الحكمة الثانية: لا يحزنك. وهو حزن الرسول والداعي ولحزنهما ثلاثة أوجه:
أ- الحزن الأول: حزنه أسفاً على من لا يصغي، من المنافقين والكافرين، لأن إصرار البعض على الكفر أو الغفلة سيودي بهم إلى العذاب، عذابي الدنيا والآخرة. قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)} [المائدة]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]، وقال له: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].
ب-الحزن الثاني: حزنه خوفاً من بطش المنافقين والكافرين وحتى الحاسدين من أهل ملّته ويا للأسف. والحسد يضع الحاسد في خانة المنافقين والعياذ بالله إذا أراد بالداعي سوءا. والله تعالى يؤيد رسله فيقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} [المائدة].
ج-الحزن الثالث: حزن الداعي لشعوره بالفشل والعجز والخيبة والتقصير لأنه عجز عن إقناع البعض وهدايتهم، فنسب العلة إلى نفسه. وجواب الله تعالى له في هذه الحالة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)} [المائدة].
الحكمة الثالثة: لوشاء الله تعالى أن يجعلهم مؤمنين لما جعل لديهم القدرة على الكفر. {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)} [الشعراء].
ولو شاء ربنا لهدى الناس جميعاً، لكنه يريد من الانسان العاقل المخيّر أن يؤمن بقرار ذاتي منه، قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149].
الحكمة الرابعة: تخيير الناس هو الذي يحسم مصائرهم.
أينما تنزه بصرك في القرآن الكريم تجد الله تعالى قد قسم الناس إلى فئات:
أ‌- مسلمين على درجات مسلم باللسان ومؤمن بالقلب واللسان ومحسن يعيش مع الله تعالى بعنايته وتحت مراقبته.
ب‌- منافقين، عليمون باللسان مراؤون أمام الناس، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون.قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [النساء: 145].
ت‌- كافرين، معادين محاربين وجاهرين بالعداء وبالمعصية. قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } [النساء: 140].
الخلاصة: كيف نتوقى الفتنة إذن؟
أولاً- في الاعتقاد: عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّهُ أَن يذهبه عني من قلبِي قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَوْعَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أرضه عذبهم وَهُوَ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ فِي سَبِيل ِاللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فقَالَ مِثْل َقَوْلِهِ ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل َذَلِكَ.
ثانياً- في العمل: جواب الآية السابقة في هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)} [المائدة].
وصلى الله على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.

كيف يحفظ الشرع حق المرأة في الميراث!

ش.أ. محمد أسد صفصوف*

العدد السابع والأربعون خريف 2018 – 47

خلال العصور الوسطى وبينما كان الإسلام يشهد تألّق الحضارة وانوار العلم، كانت أوروبا تتخبط بالظلم والظلام، وكانت المرأة موضع بحث ودراسة وجدل عقيم ما إذا كانت مخلوقاً بشرياً أم لا! وكان المجتمع الأوروبي يمارس فيه ازدراءه وتحقيره للمرأة، وذلك بطبيعة الحال بما ورثه من الفلسفة اليونانية وما حفظه من العادات والتقاليد والقيّم السائدة آنذاك والتي أكدّت دونيّة المرأة عندهم.
عيّنة صغيرة عن أكبر فلاسفة اليونان اللذين رسخّا في الفكر الغربي عموماً بأن المرأة كائن دونيّ… أحدهما أفلاطون (427-347 ق.م) النبراس والمثال الأعلى الذي يحتذى به في علم الفلسفة وعالم مدارك الفكر والمعرفة، وهو للأسف أحد ركائز ودعامات هذا الفكر الغربي حيث كان له اليد الطولى في الاعتقاد بأن المرأة كائن الدنس والهوان! فقد ذهب هذا الفيلسوف إلى القول “بأن جنس الأنثى خلق من أنفس الرجال الشريرة، من أنفس غير العقلاء”(1).
أما أقصى ما وصل إليه أرسطو بعده (384-322 ق.م) فهو اعترافه بأن المرأة “تعرف بوظيفتها الإنجابية وواجباتها داخل المنزل”(2).
ولن نسترسل في بحثنا هذا ونتطرق إلى النظريات الفلسفية المدهشة التي يتشرّبها أولادنا في مسار منهاجهم الأكاديمي، ففي أخر المطاف يبقى على عاتق الأهل تلقيح أولادهم بجرعات تحمي جهاز مناعتهم الفكرية وأن يعلّموا أولادهم أن يكونوا كالنحلة ليأخذوا الخير من كل وردة ولو كان البستان أجنبياً آخذين بعين الإعتبار أنه لولا هذا الدين الحنيف لبقيت المرأة في هذه الدونية كما سيتم بيانه.
وتمضي السنوات والقرون والعالم يظن بالمرأة ظن السوء، بينما كان قد مضى على ظهور النبي العربي، عشرة قرون، يحمل كلام الله تعالى: (وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت)(3) . ويقول عليه الصلاة والسلام للناس: “استوصوا بالنساء خيرا” (4)، ويوصي أبا البنات فيقول:” من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته ، كن له حجاب من النار يوم القيامة” (5).
وفي الوقت التي كانت فيه الديانة اليهودية تحرّم الاختلاط بأي إمراة أثناء حيضها! قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أنس، رضي الله عنهم، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إصنعوا كل شىء إلا النكاح”. فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه!!!
في هذا الوقت التي أظلمت فيه العصور وظلمت المرأة مظلومية عامة شملت الأم والشقيقة والزوجة والإبنة…، جاء هذا الدين الحنيف ليكرّمها.
فقد رحم الإسلام المرأة أيما رحمة، أسقط عنها النفقة فلا تُنفق على ولدها ولا والديها ولا زوجها بل لا تنفق على نفسها هي، ويلزم زوجها بالنفقة عليها، كما أوجب لها مهراً كاملاً يدفعه الزوج لمجرد الخلوة بها، أو نصفه بمجرد العقد عليها ورأف بها فورّثها من زوجها حتى لو مات بمجرد عقده عليها.
رحمها الإسلام فأسقط عنها فريضة الجهاد، وأسقط عنها فريضة الحج إذا لم يكن معها محرم يحرسها ويخدمها حتى ترجع، وما تقدّم إلا غيض من فيض لجهة تكريم المرأة في الإسلام.
جاء الإسلام وكرّم المرأة وأخرجها من الدونيّة والمظلومية، ومع أن المرأة لا تزال تستغل في الغرب والشرق وتعامل كالرقيق، وتلفظ كالسلعة ما أن يقضوا منها وطرهم وما أن يذبل جمالها، وبالرغم من ذلك ويا للأسف لا نزال نسمع أبواقاً من كل ناحية وصوّب، زوراً وبهتاناً، أن المرأة مهضومة الحقوق في الإسلام ولا يزالون يرددون آية واحدة بصوت واحد وبهدف واحد وبنيّة واحدة { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } (6)وهو كلام حق من عند الله الحق إنما اجتزاء هذة الآية ووضعها في غير سياقها وموضعها الطبيعي لتوجيه السهام إلى هذا الدين الحنيف إنما هو باطل ومردود وسنستعرض بالنسب المئوية عدالة المرأة في الشريعة اﻹسلامية.

لو تفحصنا المواضع التي ترث فيها المرأة لوجدنا ما يلي:
وفقاً لعلم الفرائض (المواريث)، نجد أن المرأة ترث في ثلاث وأربعين حالة، فتعالوا لنرى كيف ترث المرأة في تلك الحالات، وهل لو ساوينا بين الرجل والمرأة في الميراث في كل الحالات نكون بذلك قد أنصفنا المرأة أم بخسناها حقها!
المتعمق فعلاً، بعلم المواريث يدرك تماماً بأن قاعدة أن (للذكر مثل حظ الأنثيين)، ليست قاعدة مطلقة في الميراث، بل هي محصورة في أربع حالات فقط من ضمن ثلاث وأربعين حالة ترث فيها المرأة، والحالات الأربع هي:
1 – وجود البنت مع الإبن وإن تعددوا.
2- وجود الأخ والأخت الشقيقة وإن تعددوا.
3- وجود الأخت للأب مع الأخ للأب،
4- وجود بنت الأبن مع ابن الإبن وإن تعددوا.
أما في بقية الحالات الثلاثين الأخرى نجد أن المرأة مميزة عن الرجل بشكل واضح وبفارق كبير. ففي عشر حالات ترث المرأة مثل الرّجل، وفي عشر حالات أخرى ترث المرأة فيها أكثر من الرجل، وعشر حالات تحجب المرأة فيها الرّجل وتأخذ الإرث كاملاً ولا ينال الرجل من الإرث شيئًا.
بعملية حسابية بسيطة نجد أن المرأة قد تفوقت على الرجل في حقها في المواريث، فإذا قسمنا (30) وهي عدد الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل أو مثله أو بمفردها، على عدد (34) حالة ترث فيها المرأة نحصل على النسبة المئوية 88.23% تتفوق فيها المرأة على الرجل في الميراث . ويبقى أن نقول لمن يدعي تحرير المرأة المسلمة أرونا كيف تعاملون المرأة عندكم كسلعة ثم تهملوها بعد أن تقضوا منها إربكم، وها هي الحقائق الدامغة القطعية وبالأرقام تثبت كيف يحفظ الإسلام المرأة وحقوقها مهما طال بها العمر وجارت عليها الأيام.


*الشيخ المحامي محمد أسد صفصوف، عضو في منتدى الإعجاز العلمي في القرأن والسنة – لبنان
(1)سوزان موللر أوكين، النساء في الفكر السياسي الغربي ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، الطبعة الأولى 2009 ص 27.
(2) المرجع السابق، ص 115.
(3) سورة التكوير : الآيتان8،9 .
(4) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.
(5) أخرجه إبن ماجه في سننه.
(6) سورة النساء، الآية 11.

كتابة السنة النبوية في زمن الوحي ورد شبهات المرجفين

الشيخ الدكتور وفيق حجازي*

49 – العدد التاسع والأربعون ربيع 2019

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، من أوتي جوامع الكلم ومحاسن الحكم ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه من حفظوا الدين وسادوا الأمم، وبعد: فإن الله تعالى حفظ الدين وأكمله وأتمّه، فقال جل جلاله {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر9] ومن حفظ الدين حفظ السنة النبوية كذلك؛ لأن الأمر بالأخذ بها جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[الأنفال24]. لكنه بين الفينة وأختها تتجه سهام البعض نحوها طعناً وتشكيكاً وافتراءً وافتئاتاً تحت مسميات كثيرة، والغريب أن من يوجه سهامه نحو السنة ليس من ذوي الاختصاص في التشريع الإسلامي، وبالتالي فهو أحد اثنين إما جاهل بالإسلام وقواعده، وإما حاقد على الإسلام ومصادره وكلاهما شر.

تعريف بالسنة وبأهميتها:
فالسنة النبوية تطلق على كل ما أُثِر عن الرسول صلوات الله عليه من قول، أو فعل، أو تقرير، أو سيرة، أو خُلق، أو شمائل، أو أخبار، أو صفات خَلقية، دون نظر إلى ما قد يثبت به حكم شرعي، أو ما لا يثبت به حكم، وسواء في ذلك ما كان بعد البعثة، وما كان قبلها.
وإن أمر السنّة عظيم، لا يُتصور إسلام بلا سنّة، ولا يفهم بلا سنّة، ولا يقبل بلا سنّة، فالسنّة ميزان الأعمال والأقوال، العلم بها واجب لصحة العمل، والعمل بها واجب لصحة الإيمان، والطعن بها والزيغ عنها هلاك وخسران، بمتابعتها سعادة الدارين، وبمخالفتها شقاوة الثقلين، وبحسْب المتابعة للسنة تكون العزّة والكفاية والنصرة، والهداية والفلاح والنجاة.

علاقة السنة بالقرآن:
والسنّة مع القرآن تعتبر مبيِّنةً وشارحةً ومؤكدةً ومستقلة، وإنكارها بداية الطريق نحو عدة مزالق في هدر نصوص الوحي وهذا يميت في قلوب الناس الغيرة على الإسلام ويشكل لهم مناعة ضد أي سبيل للنصح أو بيان الحق، والسنّة هي البيان النبوي للبلاغ القرآني، والتطبيق العملي لآياته، من فرائض وعبادات وتكاليف وشعائر ومناسك ومعاملات، فكان تطَلَّبُ القرآن الكريم السنّةَ النبوية، باعتبارها أُسًّا لا يُستغنى بها عن القرآن ولا يغني عنها القرآن؛ لأنها أحد صنوي الوحي قال تعالى:{لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور63] لذا تحوّل القرآن بالسنة إلى حياة ومعيشة، ودولة وأمة ومجتمع ونظام وحضارة، وكانت التطبيقات النبوية للقرآن عملاً وقولاً وشرحاً وتفصيلاً ضرورة قرآنية.
ولا يخفى أن السنة النبوية مع القرآن أشبه ما تكون بالعلاقة بين الدستور والقانون فالدستور مصدر ومرجع للقانون، والقانون تفصيل وتطبيق للدستور، ولا حُجة ولا دستورية لقانون يخالف أو يناقض الدستور، ولا غناء ولا اكتفاء بالدستور عن القانون، لذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتبليغ وتطبيق وتنفيذ وإقامة دستور الدين، فتحول القرآن على يديه إلى حياةٍ عملية يحيياها المسلمون، فكان بيان القرآن وتفسيره وتفصيله فريضة إسلامية دائمة وقائمة على الأمة إلى يوم الدين، وأول من أقامها مُقيمُ الإسلام، نبينا صلى الله عليه وسلم.

إشكالية كتابة الحديث خلال حياة النبي صلى الله عليه وسلم:
اهتم الصحابة بالسنة ونقلها وكتابتها في زمن رسول الله على خلاف ما يدعيه المشككون بالسنة الذين يزعمون أن السنة لم تكتب إلا بعد مائة سنة ونيف من الهجرة، وأن التدوين الرسمي للسنة كان في زمن الأمير العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وأيدوا تلك الدعوى ببيّنة ساقطة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة السنة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :”لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه”. وقد ذكر الإمام البخاري أن هذا الحديث ليس مرفوعا للنبي بل هو موقوف على أبي سعيد ومع هذا فالحديث في صحيح مسلم وهو صحيح لكن أبا سعيد نفسَه كتب أحاديثاً عن رسول الله، وهنا تعارض القول مع الفعل وعند التعارض يُقدَّم الفعل على القول.
ومع هذا فقد حاول بعض العلماء تعليل ذلك الحديث وأنه نهي خاص لمن خشي الاتكال على الكتابة دون الحفظ أو نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة وهذا ما رجحه العلماء كيف وقد كتب كثير من الصحابة أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام كالصديق والفاروق حتى أن أبا هريرة يقول ما من الصحابة أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ، فالصحيفة التي كان يكتب فيها عبد الله بن عمرو تسمى بالصحيفة الصادقة ، وهي من أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتملت على ألف حديث، حتى لَيصحَّ أنْ توصف بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهده صلوات الله عليه، بل وكان له كُتَّاب وباللغات المختلفة.
والكتابة كانت متألقة في زمن النبي على خلاف ما يزعمه بعض المستشرقين لأن من طبيعة الرسالة أن يكون هنالك القراء والكتّاب والمتعلمون لأن الدولة تحتاج لمكاتبات ومراسلات وعهود ومواثيق فكان للنبي كتّاب وحي ينيفون على الأربعين كاتبا، ناهيك عن كتّاب الصدقات والرسائل والعهود.

من كتب الحديث في عصر النبوة؟
كانت مساجد المدينة محطّ أنظار المسلمين يتعلمون فيها القراءة والكتابة وكانت هنالك كتاتيب لتعليم الصبيان الكتابة والقراءة، وهذه الوثيقة -الصحيفة الصادقة- كانت نتيجة محتومة لفتوى النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو وإرشاده الحكيم له، يقول: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ عَنْ ذَلِكَ، قَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، قَالَ: فَأَمْسَكْتُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: ” اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ “. وهنالك صحيفة سَمُرة بن جندب ، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير، وسعد بن عبادة كان من كبار صحابة رسول الله كانت عنده صحيفة فيها أحاديث عن رسول الله وتوارثها أولاده واحفاده من بعده، ورافع بن خديج يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال اكتبوا ولا حرج، وفي فتح مكة قال النبي لرجل من أهل اليمن اكتبوا لأبي شاه، تقول السيدة عائشة جمع أبي الحديث عن رسول الله وكان خمسمائة حديث فبات ليلة يتقلب كثيرا فلما أصبح قال: أي بنيّة هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بها فحرقها بالنار. والفاروق همّ بتدوين السنة كما جمع الصديق المصحف وبإشارة منه وإنما تريث في ذلك ولكن جاءته طعنة المجوسي أبي لؤلؤة عليه لعنات الله تعالى وهو القائل قيّدوا العلم بالكتابة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أمر بكتابة صحيفة خطيرة الشأن في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه (بدستور) للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة، وهي الصحيفة التي دون فيها كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوقَ المهاجرين والأنصار واليهود، ولفظ الكتابة صريح في مطلعها: “هذا كتاب محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس”. وكتاب الصدقات فصّل فيه رسول الله مقادير الزكاة الواجبة كتبه للصدّيق قبل وفاته، وكتبه الصديق لولاته في الأمصار. وكتاب عمور بن حزم لمّا بعثه النبي لليمن قاضيا فيه كثير من التشريعات الجنائية والاقتصادية والتعويضات المالية. وعلي بن أبي طالب كانت عنده صحيفة العاقلة.

بل كان النبي يكتب للملوك كتباً، وإلى عماله وقضاته كتباً كذلك، فالسنة حُفِظت وكُتِبت كلها في زمن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. بل كان بعض الصحابة لَيؤكد حفظه للسنة يكتبها ثم حتى لا يتكل على الكتابة يمحوها. وكان كثير من الصحابة يكتب ما يحفظه من رسول الله ويرسله لصحابي آخر فكتب أسيد بن حضير الأنصاري لمروان بن الحكم، وجابر بن سمرة لعامر بن سعيد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم لأنس بن مالك، وزيد بن ثابت لعمر بن لخطاب، وعبد الله بن أبي أوفى لعمر بن عبيد الله، وغيرهم الكثير. بل إن أنس بن مالك كان يأمر بكتابة العلم ويقول كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علما، وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس يقولان قيدوا العلم بالكتاب .

التدوينات الأولى كانت أساساً لعلم موثّق وراسخ:
صارت هذه الكتب والصحف والأوراق بمثابة نواة للمجامع والمسانيد والمدونات للسنة في عصر التابعين وتابعيهم مع نقد وصيرفة تلك الروايات سنداً ومتنا، باعتباره المسبار الذي يحاكم كل ما يقال، لأن الحديث الذي لا سند له كبيت لا سقف له أو لا أساس له، فهذا العلم دين كما قال ابن سيرين فانظروا عمن تأخذون دينكم”، ولأنه سلاح المؤمن كما قال سفيان الثوري ذلك أنه بعد فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، اتخذ المحدثون اجراءات وقائية لمنع الكذابين من ترويج كذبهم، من خلال سلاح الإسناد. ويقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء حتى قال أحد المستشرقين “سبرنجر”:(إن المسلمين درسوا تراجم ما يقرب من نصف مليون راوٍ بل إن فضل هذا العلم على غيره من العلوم أن تعدى استخدامه لكل العلوم كعلم الأدب العربي، والتاريخ والطب وغيرها من علوم).
تقول باحثة بريطانية وهي”كارين أرمسترونج”: (تكوِّن الأحاديث النبوية مع القرآن أصول الشريعة الإسلامية، كما أصبحت أيضاً أساساً للحياة اليومية والروحية لكل مسلم. فقد علَّمت السنَّة المسلمين محاكاة أسلوب محمد في الكلام، والأكل، والحب، والاغتسال، والعبادة، لدرجة يعيدون معها إنتاج حياة النبي محمد على الأرض في أدق تفاصيل حياتهم اليومية بأسلوب واقعي).

ويقول أحد القساوسة الانجليز وهو “دافيد صموئيل مرجليوث”: (ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم) ويفند دعاية المستشرقين في طعنهم بالسنة وتاريخ تدوينها رغم عدائه للإسلام، حتى وإن لم نصدق أن جلّ السنة التي يعتمد عليها (الفقهاء) في استدلالاتهم صحيحة، فإنه من الصعب أن نجعلها اختراعًا يعود إلى زمن لاحق للقرن الأول. ويقول عالم ألماني “أشبره نكر”: (إن الدنيا لم تر ولن ترى أمة ًمثل المسلمين، فقد دُرس بفضل علم الرجال الذى أوجدوه حياة نصف مليون رجل، والباحث النصراني “أسد رستم” عندما أراد أن يؤصل لعلم حفظ الأخبار التاريخية: لم يسعه إلا التأثر بقواعد علم مصطلح الحديث، واعترف بأنها: (طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات)، وقال بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي، والأمانة في خبره: (ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب).
إن القول بأن السنة لم تكتب في عهد النبي وأنه نهى عن كتابتها كما يزعم بعض المستشرقين وأدعياء العلم هو طعن بالنبي واعتباره سبب هذه المشكلة و[أن هذا الأمر أَدَّى إلى وجود الخلاف بين فِرَقِ المُسْلِمِينَ، وللوضع والكذب في الحديث فكان له أكبر الضرر في ضياع السُنَّةِ الحقيقية]، كلام لا يمكن لمسلم أن يسلّم له؛ لأن فيه مخالفة صريحة لكتاب الله، وقضاء على التراث التشريعي الإسلامي كله، ودعوة إلى فوضى في العقيدة والتشريع وهذا لا يقول بها من يحترم نفسه، وشريعته، وكيان أُمَّتِهِ الاجتماعي .

لكن السؤال المطروح بعد كل ما سبق :
لماذا يُتَكَلَّم عن الطعن بالسنة وروايتها ودعاية الأخذ بالقرآن دونها ؟
الجواب إن الحقيقة الدامغة هي العداء للإسلام بالكلية وإن بتظاهرٍ بالإسلام جعلت مبدأ الطعن والتشكيك بالسنة باباً للطعن بالقرآن ومنه بالإسلام تحت دعاية أن القرآن وحده كاف وأنه لا حاجة للسنة وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أحوال هؤلاء فقال «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» وفي لفظ آخر يقول :”يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ولذلك قال الإمام الأوزاعي عن أيوب السختياني:(إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا وحدثنا من القرآن فاعلم أنه ضال مضل)، وهو القائل:(القرآن أحوج إلى السنة من السنة الى الكتاب، والسنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السنة) أي هي شارحة ومبينه ومفصلة له.
وعليه فإن الحرب على الإسلام قديمة ولم تنته ولها امتدادات يقول شيخ الازهر الشيخ عبد الحليم محمود «المُسْتَشْرِقُونَ لَهُمْ صِبْيَانٌ مَعْرُوفُونَ، إِنَّ لَهُمْ صِبْيَانًا تَابِعِينَ مُقَلِّدِينَ». وللأسف ما ذهب إليه البعض من المفتونين بالفكر الغربي فضلا عن أنهم قليلو البضاعة في الحديث قصَروا الدفاع عن الإسلام بالفكر الفلسفي العقلي المجرد، ووصل بهم الأمر لتبرير دعايتهم أن كذبوا على الرواة، وزعموا تبعا أن ألوف الأحاديث هي من صنع العلماء، حتى وصل الأمر ببعضهم في طعنه بالسنة للقول بتواتر صلب المسيح في رفض تام للقرآن الكريم فهو بين إنكار للسنة ومناقضة للقرآن.
فعجبا لمن استرقته الأهواء والنزوات، وباع دينه بدنيا غيره، واتخذ من أعداء الإسلام وسائل لتقويض دعائمه وإذهاب ريح الأُمَّة الإسلامية، لكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وستستمر الأحاديث النبوية مصدر تشريع وهداية ومبعث إشعاع ونور وستبقى مَرْجِعًا مُهِمًّا لعلماء الفقه والتشريع والآداب والأخلاق وعلماء النحو واللغة والبلاغة.

خاتمة: ما هي أسباب الطعن بالسنة وادعاء الاكتفاء بالقرآن؟
أمام افتراءات مستشرقٍ ومحاكاة مفتونٍ، مستغرباً، أسأل نفسي سؤالا بديهيا: ما السبب في الطعن بالسنة والاكتفاء بالقرآن؟ هل هو الحرص على الدين؟ أم التحلل منه؟ ليتم الجواب سراعا بأن النية خبيئة وخبيثة كيلا تكشف السنة أغراضهم وتحول دون أهوائهم فباستبعاد السنة يستطيعون الوصول إلى حرية وضع الأحكام المتفقة مع أهوائهم ومن معهم دون أن يوصَفوا بأنهم يهدِمون الدين، ودون أن يشعر المسلمون بذلك، حتى قال أحدهم يوما إن الله قد حرم الخبيث الضار وأحل النافع المفيد، وإن إمعان النظر إلى العاريات على شواطئ البحار ليس من الخبيث وبالتالي فليس من المحرم وكذلك ارتداء الفتيات الملابس القصيرة جدًا تمشيًا مع شرف العصر ليس من الخبيث لأن العبرة بالقلوب فإمعان النظر للعاريات بالشواطئ هو تفكر في خلق الله أي من العبادة، والتفكر واجب وهو واجب، فواعجباً كيف زين الشيطان لهم أعمالهم واستدرجهم من حيث يعلمون وهم لا يعلمون، لغاية مؤداها التحرر من الإسلام وأحكامه، فإذا كان الإلحاد قد أفرغ كُلَّ ما في حوزته من طُعُون، وانتقل من طور الشُبُهَات، إلى طور الجهالات، إلى طور المُفْتريات، فتفرَّقت بهم السُبُل، مُغْمِضِينَ على ما في ذلك من مُحال وناب ونافر، في نسج لإثارة غُبار من الأوهام في عيون المُتَطَلِّعين إلى نور الوحي، فإن تجارته كاسدة وخاسرة لأن نور الله لا بد وأن يمحو كل جهالة وظلمة، قال تعالى:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف8-9].


*أستاذ جامعي ورئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة AUL، وعضو في منتدى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في لبنان.

“استعمار” اللغة العربية للغة الفرنسية

49 – العدد التاسع والأربعون ربيع 2019

دار جدلٌ في الفترة الأخيرة في فرنسا حول تعليم اللغة العربية في المدارس الحكومية، وذلك عقب إعلان وزير التربية الفرنسي ميشال بلانكيه “Jean-Michel Blanquer” دعمه لاقتراح قدمه معهد “مونتاني” للدارسات والبحوث حول تعليم اللغة العربية في المدارس العمومية من أجل “محاربة التطرف الإسلامي” على حد قولهم.
أشار حكيم القروي مُعدّ التقرير في تصريح لصحيفة “لوباريزيان” أن “تعليم اللغة العربية في المدارس سيؤدي إلى تقليل عدد التلاميذ الذين يدرسون هذه اللغة في المساجد والأماكن الدينية الأخرى”.(1)
وقد ردّ الوزير بلانكيه في 11 أيلول 2018 على اقتراح قروي إيجاباً قائلاً: “العربية لغة أدبية عظيمة يجب تعلّمها ليس فقط من قِبل من هم من أصول مغربية أو من بلاد ناطقة بالعربية”.(2)

واختلفت ردود الفعل بين مؤيدين ومعارضين، إذ صرّح رئيس حزب “انهضي فرنسا” نيكولا دوبون إنيان “Nicolas Dupont-Aignan” أنه”هناك خطة لتعريب فرنسا باسم فكرة محاربة التطرف الديني” ووصف وزير التربية بـ “الديماغوجي”. في حين رأى الصحافي فريديريك بيغن “Frédéric Béguin” مؤلف كتاب “العلمانية في المدرسة” أن تطوير اللغة العربية في المدارس الفرنسية “خطوة “إيجابية”.(1)
وردّاً على الجدل القائم، قام الكوميدي لوران دوتش “Lorànt Deutsch” في برنامج “C à vous” على قناة France 5، خلال الترويج لكتابه “Romanesque: la folle aventure de la langue française” بالقول: “لا أرى هناك أية حاجة لتعليم اللغة العربية في المدارس مع الإشارة إلى أنه هناك أكثر من 600 إلى 700 كلمة عربية في اللغة الفرنسية، لذا أجدادنا من ناحية اللغة هم عرب أكثر منهم فرنسيين”.
وأكد اللغوي لويس جان كالفين “Louis-Jean Calvet”، في مقابلة له مع Check News، أنّه لا شك هناك بين 500 إلى 600 كلمة فرنسية ذات أصل عربي، وقد يكون العدد أكبر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المفردات العلمية المتخصصة.

وهو ما قاله أيضاً عالم الألفاظ جان بروفوست ” Jean Pruvost”، البروفيسور الفخري في جامعة “Cergy-Pontoise” في مقابلة له على “France Inter” في كانون الأول عام 2017، قال فيها: “إن اللغة العربية حاضرة بشدة في اللغة الفرنسية، العربية هي ثالث لغة غذّت اللغة الفرنسية بعد اللغة الأولى هي الانجليزية، يليها الايطالية. لم ينقطع إغنائها للغتنا منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا”. وأعطى مثالاً حول الملابس، فقال: “إذا ذهبتم إلى المحال (كلمة عربية)، لشراء تنورة (كلمة عربية) من قطن (كلمة عربية)، وجيليه وكابان (كلمات عربية)، لاستعملتم الكلمات العربية”.(3)
وكان بروفوست قد نشر بحثاً تحت عنوان “أسلافنا العرب” أشار في مقدمّته أن عدد الكلمات الغاليّة في اللغة الفرنسية محدود جداً (200 تقريباً) مقارنةً بالكلمات العربية التي تتجاوز الـ500. وتضمّن البحث طرق انتقال الكلمات العربية إلى اللغة الفرنسية كـ: الفتوحات العربية، الحملات الصليبية، التبادل التجاري، الإشعاع الحضاري الذي شهدته دمشق وبغداد والأندلس، مرحلة الاستعمار الفرنسي، مرحلة ما بعد هذا الاستعمار، وفي النهاية الهجرة العربية الكثيفة إلى فرنسا في العقود الخمسة الأخيرة.(4)

وكان صلاح غريميش، وهو روائي وباحث جزائري مقيم في فرنسا قد نشر قاموساً تحت عنوان “معجم الكلمات الفرنسية من أصل عربي”، عرض فيه “لتاريخ ما يقرب من أربعمائة كلمة عربية استُعملت طوال عهود وما زالت تُستعمل إلى يومنا هذا، في اللغة الفرنسية الشفوية منها أو المكتوبة في حقول شتى، في علم الزراعة والفلاحة في الطب في الفلك كذلك في الرياضيات في الصيدلة في فن الطبخ إلى آخره”.
مثال على هذه الكلمات، كلمة (لاكيه) هي لقيط. المسخرة بالفرنسية (ماسكراد) وكذلك الشأن بالنسبة للتعرفة، فهي بالفرنسية (لو تريف).(5)
ويجدر الإشارة أن “أن وضع اللغة العربية في النظام التعليمي الفرنسي بالغ التردي، وهو ما تدل عليه الأرقام الرسمية التي تفيد بأنه في عام 2017 كان عدد التلاميذ الذين يدرسون العربية 4573 تلميذاً من أصل أكثر من ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف تلميذ. أما في التعليم الثانوي، فإن العدد يصل إلى 6200 تلميذ من أصل 2.73 مليون تلميذ. وبكلام آخر، فإن نسبة التلاميذ الذين يدرسون العربية تتأرجح ما بين 0.01 و0.02 في المائة. كذلك، فإن وزير التربية كذّب الادعاءات التي تقول إنه «سيفرض تعليم العربية منذ الصفوف الابتدائية»، وليؤكد أن تعليمها في هذه الصفوف اختياري، ويأتي من خارج المنهج الرسمي المقرر وساعاته التعليمية المحددة. والعربية تدرس كبقية اللغات، مثل الروسية، والكرواتية، والتركية، والصربية… ويقوم بذلك معلمون يأتون من هذه البلدان وعلى نفقة حكوماتهم. أما اللغة الأجنبية الأكثر ذيوعاً فهي الإنجليزية تليها الإسبانية، والألمانية. وتحل اللغة الصينية قبل العربية؛ إذ يتعلمها في الثانوي لغةً ثالثة 18618 تلميذاً مقابل 6200 للعربية”.(6)
______________________________________________________
المراجع:
(1): مقالة على موقع France 24 لطاهر هاني تحت عنوان: “فرنسا: تقرير يقترح تعليم اللغة العربية في المدارس العمومية “، نُشرت في 11 أيلول 2018، رابط المقالة:
https://www.france24.com/ar/20180911
(2): مقالة على موقع “Le Parisien” تحت عنوان “L’enseignement de l’arabeestissud’une tradition séculaire et prestigieuse” نُشرت في: 16 أيلول 2018، رابط المقالة:
http://www.leparisien.fr/societe/l-enseignement-de-l-arabe-est-issu-d-une-tradition-seculaire-et-prestigieuse-16-09-2018-7890279.php
(3): مقالة على موقع “Liberation.fr” تحت عنوان “Y a-t-il plus de mot arabesdans la langue française que de mots gaulois, commel’affirmeLorànt Deutsch?” لـ لوك باييون Luc Peillon، نُشرت في 26 تشرين الأول 201، رابط المقالة:
https://www.liberation.fr/checknews/2018/10/26/y-a-t-il-plus-de-mot-arabes-dans-la-langue-francaise-que-de-mots-gaulois-comme-l-affirme-lorant-deut_1687976
(4): مقالة في جريدة الحياة لأنطوان جوكي تحت عنوان “عندما استعانت اللغة الفرنسية بـ «الأسلاف العرب»” نُشرت في 14 أيار 2017، رابط المقالة:
http://www.alhayat.com/article/864497/
(5): مقالة على موقع الجزيرة تحت عنوان “معجم الكلمات الفرنسية من أصل عربي لصلاح غريميش”، رابط المقالة:
http://www.aljazeera.net/programs/a-book-i-wrote-read/2008/11/23/
(6): مقالة في جريدة الشرق الأوسط لميشال أبو نجم تحت عنوان “تعليم العربية يثير جدلاً في فرنسا” نُشرت بتاريخ 15 أيلول 2018، رابط المقالة:
https://aawsat.com/home/article/1396146/